من المبكر التفاؤل… الخلاف بين ترامب ونتنياهو.. لا بين الولايات المتحدة و«إسرائيل»!
سعادة مصطفى أرشيد*
منذ الرئاسة الأولى لدونالد ترامب عُرف الرجل بأنه عالي النبرة، محبّ للأرقام، متغطرّس ونرجسيّ ويهتمّ بالظهور بمظهر القويّ العابس وفي الخروج عن مألوف آداب السلوك الذي يظهر به قادة الدول، وعُرف أيضاً منذ مطلع رئاسته الثانية بالإفراط في توقيع المراسيم والقرارات التي هزّت الولايات المتحدة ثم العالم سياسياً واقتصادياً وتظهر استطلاعات الرأي انخفاضاً كبيراً في شعبيته وفي ثقة المواطن الأميركي به إلا أنّ بعضاً منهم قد أصبح يراه خطراً على الولايات المتحدة.
يوجد في تل أبيب نظير له في معظم سلوكياته وبدا هذا النظير في رئاسة ترامب الأولى كما في الأيام المبكرة من الرئاسة الثانية وكأنه يمثل مع ترامب طاقماً واحداً أو توأماً في السلوك الشخصيّ وفي الرأي السياسي وإنْ كان في داخله يتصوّر أنه يتفوّق على الرئيس الأميركي في تقديراته الاستراتيجية وخبراته الدولية لا بل ويقول في جلساته الخاصة أنه قادر على توجيه ترامب كما يريد باعتباره شخصاً ساذجاً وهو ما تمّ تسجيله صوتياً في الغالب من قبل جهات (إسرائيلية) معارضة، وإيصاله للأميركيّين، وفي حالة مشابهة تنخفض شعبيته إلى مستويات دنيا ويرى كثير من أعمدة الاقتصاد والأمن من الليبراليين (الإسرائيليين) أنّه قد أصبح يمثّل خطراً على الدولة بسياساته المرتبطة بأقصى اليمين والتي تهدف إلى الحفاظ على بقائه السياسيّ لا إلى بقاء الدولة.
دونالد ترامب رجل الأعمال في الأصل ثم النرجسي شعر بأنّ نتنياهو قد تجاوز حدوده الشخصية في التطاول على شخصه وتجاوز حدوده السياسية في تأثيره على مستشار الأمن القومي الذي تمّ طرده مؤخراً، ثم في عدد الملفات التي كان نتنياهو يتدخل بها ويرى أنه شريك فيها، فقام المبعوث الأميركي بفتح حوار مباشر مع حركة حماس ولم يعد (للإسرائيلي) رأي في المفاوضات مع إيران ومع اليمن وأخيراً قرّر الرئيس الأميركي استثناء تل أبيب من زيارته للشرق الأوسط التي ستبدأ اليوم ومحطتها الأولى الرياض، وفي ذلك رسالة بالغة الوضوح حول تردّي العلاقات.
من الأمور اللافتة للانتباه كانت الرسالة التي أرسلها توماس فريدمان للرئيس الأميركي، وفريدمان هذا معروف بانحيازه الكامل لـ(إسرائيل) وحبّه لها وهو ذو تأثير على النخب الأميركية وله علاقات حميمة مع أطراف عربية، لدرجة أنّ مبادرة السلام العربية والمعروفة باسم مبادرة الملك عبد الله بن عبد العزيز كان قد أشيع أنّها من صياغته. يرى فريدمان في رسالته أنّ الخطر على (إسرائيل) اليوم لم يعُد يأتيها من الخارج وإنما من داخلها، خاصة من نتنياهو وفريق اليمين صاحب القرار والأغلبية البرلمانية، ويقول في رسالته لترامب إنّ الرئيس قد أحسن بفتح الحوار المباشر مع حماس وإيران واليمن بمعزل عن نتنياهو ويؤكد أنّ الشعب (الإسرائيلي) حليف أكيد للولايات المتحدة، ولكن سياسات نتنياهو مضرّة بالشعب (الإسرائيلي) وبمصالح الولايات المتحدة على حدّ سواء، وهي سياسات ستجعل من (إسرائيل) دولة منبوذة وستهدّد استقرار دول الجوار الحليفة للولايات المتحدة وأن لا بدّ من العودة الى حلّ الدولتين الذي التزمت به الإدارات الأميركية المتعاقبة والذي يضمن تفوق (إسرائيل) ويعطي الفلسطينيين دولة بلا صلاحيات سياسية أو أمنية او اقتصادية أي دولة شكلية.
تلتقي رسالة فريدمان مع رؤى الصهيونية الليبرالية في (إسرائيل) التي لا تريد التصعيد مع الإدارة الأميركية، لا بل ترى أنّ عليها أن تبقى خلف واشنطن، وترى أن (إسرائيل) قد أخذت ولا تزال تأخذ كل ما تريد من العالم العربي دون حروب ودماء ودمار. فالتطبيع يسير بشكل جيد والدعم الأميركي للتطبيع ضروريّ فهو جزء من سياسة هيمنة واشنطن على المنطقة، وأنّ انكفاء محور المقاومة يُعطي فرصة للوصول إلى حلول مع الفلسطينيين تعطيهم الحد الأدنى من الحقوق مع وجود قيادة فلسطينية تقبل بأيّ شيء يُعرض عليها، وهذا يخرج اليمن من الصراع وتعطيله الملاحة في البحر الأحمر، ويعطي الفرصة لضبط إيران دون ضربها الأمر الذي أصبح متاحاً بعد انكفاء محور المقاومة. وهؤلاء خير من يعرف مقدار أعباء وأكلاف الدخول في مواجهة مع إيران الجريحة خاصة إذا وضعت في زاوية حرجة.
لا شك في أنّ هنالك متغيّراً مهماً في العلاقة الأميركية (الإسرائيلية) في الوقت الراهن، ولكن من المبكر جداً التفاؤل أو الحكم عليه إنْ كان متغيّراً دائماً أم مرحلياً، ولكن الأكيد أن الخلاف يبقى محصوراً بين الإدارة الأميركية وبنيامين نتنياهو لا بين الولايات المتحدة و(إسرائيل)، وأن نتنياهو قد أصبح في شوطه الأخير وقد لا تسمح له هذه المتغيّرات بالخروج الآمن من السلطة، وتبقى مشكلة دولة الاحتلال بافتقادها إلى شخصية قيادية قادرة على ملء الفراغ الذي سيتركه نتنياهو.
*سياسي فلسطيني مقيم في الكفير ـ جنين ـ فلسطين المحتلة
2025-05-16
