النظام الدولى.. محل خزف!
مهدى مصطفى
النظام الدولى محل خزف، يقتحمه فيل جامح، تتصارع فيه القوى الكبرى، والتحالفات تتغير وتتمزق، والمبادئ تتلاشى تحت وطأة المصالح، لا ضابط يحكم العلاقات، ولا معيار يحدد الاتجاهات، تتفاقم الفوضى، والضعف ينهش النخب السياسية، بينما يعكس الخطاب الدولى عقمًا فى الخيال وقصورًا فى الرؤية.
فى مؤتمر ميونخ الأخير، وجدت أوروبا نفسها فى عزلة، كأنها بيدق صغير على رقعة شطرنج، فالحليف الأمريكى ينصرف بعيدا، وتتفاوض روسيا وأمريكا حول أوكرانيا دون إشراكها، بينما تدور الحرب على حدودها، تتفرج كضيف غير مرغوب فيه، ترتفع الأصوات تطالب بجيش أوروبى موحد، كأنها تستدعى نابليون بونابرت من المتحف.
هواجس الماضى تعود، بونابرت، بسمارك، هتلر، جميعهم سعوا إلى توحيد القارة، تتذكر أوروبا الحروب المحلية والعالمية التى أشعلتها فى الماضى، تؤرقها المسألة اليهودية التى شكّلت معضلتها، والتسويات التى جاءت على حساب العرب، لكن الديون التاريخية لا تسقط بالتقادم، والتحديات لا تحل بالذكريات.
ترامب يظهر كقوة مباغتة لا تعترف بالأعراف، يتحرك كالفيل داخل محل الخزف، فيحطم توازن أوروبا، تسقط أيقوناتها السياسية، تتصدع ثوابتها، يدرك الجميع فجأة أن الزعيم الفرنسى شارل ديجول كان محقًا عندما دعا إلى جيش أوروبى واحد، وأن آباء الاتحاد الأوروبى لم يكونوا حالمين حين أسسوا قوة اقتصادية موحدة، والخوف من المستقبل يسيطر الآن على العواصم الأوروبية، فتتخذ القرارات وسط ارتباك عارم.
فى واشنطن، يعيد ترامب تشكيل المؤسسات، يطيح بالسياسات القديمة، يعيد صياغة النظام الدولى وفق مقاييسه الخاصة، يفتح جبهات متعددة بلا تردد، يهدم التحالفات التقليدية، ويقول كريستوف هويسجن، رئيس مؤتمر ميونخ للأمن، ساخرًا: إن أمريكا فى عهد ترامب «تعيش على كوكب آخر»، إن ما يحدث ليس مجرد قطيعة دبلوماسية بين الحلفين، بل انقلاب على نظام عالمى ترسخ منذ الحرب العالمية الثانية.
يعتقد البعض أن صدمة ترامب ستتلاشى مع الوقت، لكنه يثبت العكس يوما بعد آخر، يفرض قواعد جديدة، يكسر التوازنات القائمة، ويدفع العالم إلى فوضى غير محسوبة.
تبدو الصين الوحيدة التى ترفض الرضوخ، لكنها تتحرك بحذر، وتتخذ قرارات مضادة، أما دول أخرى فتسارع إلى الاستجابة، بعضها يهرول نحو واشنطن، وبعضها يتوجس من التقلبات المفاجئة.
القضية الفلسطينية تتلقى أخطر الضربات فى تاريخها الممتد لأكثر من قرن، فترامب يدعم إسرائيل بلا حدود، يسعى لتوسيعها، ويدفع نحو إفراغ غزة والضفة من سكانهما، لكنه يواجه رفضًا لم يتوقعه، من حلفائه قبل خصومه.
ربما يظن ترامب أن العرب، بعد السابع من أكتوبر 2023، تحولوا إلى ورقة منسية، لكن التشابك الحضارى والثقافى والدينى للإقليم العربى يجعله عصيا على التصفية، فلسنا الهنود الحمر أو سكان أستراليا الأصليين!
نتنياهو يبيع أوهامًا عن الإقليم العربى، وترامب يشتريها برضا، لكن الحقائق على الأرض لا تتغير ولا تمحى، فالقضية الفلسطينية تنهض تلقف أفاعى الأفكار المجنونة، فإذا كان نيقولا مكيافيلى ينصح الأمير السياسى بمحاكاة الجنون فى بعض الأحيان، فإننا لا نحاكيه فحسب، بل نستدعيه من مخزن التاريخ، وقد جرب الغرب فى حملات متتالية على العرب، وعاد من حيث أتى، لأن العرب ليسوا محل خزف
مرة أخرى وليست أخيرة، بعد العدوان النازي على غزة اليوم..
الحمد لله على نعمة الموقف والبصيرة.
نشرتُ هذا يوم 25 يوليو الماضي، منطلقًا من قناعة راسخة بأن تحرير فلسطين مسؤولية الفلسطينيين وحدهم، بوصفهم وطنيين، دون الاعتماد على قوى إقليمية كإيران أو تركيا، أو حتى على العرب.
المشروع الصهيوني هشّ، ويمكن طمسه وإخراجه من التاريخ.
واليوم، بعد أن وقفت فرنسا بقوة كراعٍ عتيق للبنان، ونجحت في فرض مبادرة لوقف الحرب بين إسرائيل ولبنان، وفصلها عن ساحة غزة، سيجد الفلسطينيون أنفسهم وحدهم في مواجهة المشروع النازي الصهيوني.
خاصة أن ثلاث دول عربية—السعودية، وقطر، والإمارات—وقّعت على المبادرة الفرنسية-الأمريكية، ما منحها غطاءً شرعيًا، وأضفى شرعية على تجاهل ما يجري في غزة، مما يساعد نتنياهو في إنجاح مخططه التوسعي.
ولا يمكن إغفال موقف إيران، التي تخلّت عن أذرعها من أجل تقاربها مع الغرب وسعيها للحصول على اعتراف دولي بإيران نووية.
لقد استمعتُ بدقة إلى تصريحات الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، حيث ألقى بالكرة في ملعب الدول العربية والإسلامية، متملصًا من أي دور إيراني في اندلاع الحرب، ومبتعدًا عن الحليف الروسي، ومتخليًا عن جماعاته الموالية.
المتمعن في الصورة الكلية يدرك بعمق: عمار يا مصر.
فهي وحدها التي تحمل على عاتقها قضية فلسطين—شعبًا ودولة—بلا مآرب أو حسابات، ولم تُستخدم هذه القضية العادلة يومًا لأغراض سياسية أو غيرها.
حان الوقت لرفع كل القوى المجاورة للعرب أيديها عن فلسطين. كما آن الأوان للفلسطينيين أن يوحّدوا صفوفهم، ويضعوا العصا في دولاب المشروع الإسرائيلي عبر تشكيل قيادة موحدة صغيرة، بعيدًا عن التبعية لأي قوة خارجية.
كل من يرتبط بأي قوة غير فلسطينية خائن، وأي فصيل يستغل الدين كغطاء خائنٌ للتراث والتاريخ والمستقبل.
ثمة حلٌّ نهائي للمسألة الفلسطينية:
1. سحب الاعتراف الفلسطيني بإسرائيل.
2. إلغاء اتفاق أوسلو كأنه لم يكن.
3. تفكيك السلطة الفلسطينية.
4. تشكيل قيادة موحدة تعبر عن إرادة الشعب الفلسطيني.
5. إبقاء الصراع مفتوحًا بكل السبل حتى تحرير الأرض.
6. تأكيد أن الصراع هو بين مستعمر وشعب يسعى لتحرير وطنه، وليس صراعًا دينيًا.
7. التخلي الكامل عن أي رؤية تستند إلى الكتب المقدسة كمبرر للصراع.
8. الوحدة الكاملة في الموقف الفلسطيني، سواء في الحرب أو السلام.
9. عدم الاعتماد على أي قوة عربية أو غير عربية، والابتعاد عن أي اتفاقات دينية كـ”الإبراهيمية”.
10. الامتناع عن الوقوع في فخ الدول الإقليمية مثل إيران أو تركيا.
11. التوجه إلى شعوب العالم لكشف الخرافات والعقائد التي تقوم عليها الجماعة الإسرائيلية، وفضح المشروع الاستعماري الإسرائيلي بوصفه امتدادًا للاستعمار القديم.
12. إعادة النظر في فكرة “الدولة الموحدة لكل سكانها”، كآلية لتفكيك المستوطنة الاستعمارية دون حرب.
13. تنحّي جميع القيادات الفلسطينية القديمة عن المشهد، وإفساح المجال لجيل فلسطيني جديد غير فصائلي.
إذا أقدم الفلسطينيون على تنفيذ بعض أو كل هذه الخطوات، فسيُعاد تشكيل وجه الشرق الأوسط بالكامل.
بعد ثمانية عقود من الاحتلال الإجرامي، وبعد خطاب نتنياهو في الكونجرس، لم يعد أمام الفلسطينيين سوى الخروج من الصندوق الضيق، والانطلاق بجرأة في مسارات جديدة، بخيال خلاق، وإبداع يغير قواعد النظام الدولي
2025-03-20