هل هناك من يسمعني ؟
بقلم أحمد الحباسى
دائما ما كنت أكتب و في ذهني سؤال : هل هناك من يسمعني ؟. أتساءل لأنه بدأ ينتابني شعور عميق بأنه لا أحد من المسئولين فى تونس يسمع و قد بدأت أشك فعلا و بالاساس في سلامة سمع كثيرين من ساسة و قيادات هذا البلد المنكوب . لقد انتبهت الآن فقط أن من حكموا هذا الوطن منذ 2011 قد تمت مطالبتهم بشهادة إبراء صحية تلخص حالتهم الصحية و تفصح عن مكامن الضعف فى بعض قدراتهم الذهنية خاصة و قد بدرت عنهم حالات صرع سياسية جعلت المحيطين بهم و المقربين منهم يتساءلون بل يتهامسون كيف لهؤلاء أن يتسلموا مقاليد الحكم و هم على هذه الحالة من الوهن و لعل ما قيل حول صحة الرئيس المؤقت السابق المنصف المرزوقي ما يقيم الدليل على أن هذا الوطن قد نالته رعاية الله بحيث بقى محافظا على لحمته رغم الضربات القاسية و الموجعة التي تلقاها نتيجة تهور حكامه و سوء نيتهم الأكيدة التي جعلتهم يبيعونه بثمن التراب دون أن يرف لهم جفن . إن ما يحدث الآن من تمرد كبار المهربين و تجار السلاح و المخدرات على سلطة الدولة يجعلنا نتساءل هل أن هؤلاء الفاسدين ينعمون بصحة عقلية جيدة و هل تنطبق عليهم فعلا المقولة الشهيرة : العقل السليم في الجسم السليم.
يبدو واضحا أن الرئيس قيس سعيد غير مهتم أصلا بإعلاء شأن الممارسة الديمقراطية و لا يسعى مطلقا لإرساء كيان المحكمة الدستورية و لا فصل السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية خاصة أنه قد قرر تغيير مهمة القضاة من أعضاء مستقلين في المنظومة القضائية المستقلة إلى مجرد موظفين عاديين ممنوعين من التعبير و من رفض التغييرات الكبرى الحاصلة في الجسم القضائي . لم يعد سرّا أن الرئيس قيس سعيد لم يسع إلى تطوير المنظومة القضائية و لا وسائل عملها و إنشاء مقرات جديدة للمحاكم و لا القيام بترميم و تحسين المحاكم الآيلة بناؤها للسقوط مثلما هو الحال بالنسبة لبناية المحكمة الابتدائية بتونس على سبيل المثال. في المقابل و بعد ما حصل من نقل لبعض القضاة الذين يقال أنهم نقلوا لأسباب تتعلق بعدم رضا السيد الرئيس على أحكامهم في بعض القضايا التي تخص بعض المعارضين أمثال المرشح الرئاسي العياشى الزمال فقد كان منتظرا أن تتم معالجة مسألة الحركة القضائية السنوية المعتادة لكن ذلك لم يحدث مما خلق ارتباكا جسيما في كيفية تسيير هذا المرفق العمومي بعد أن وجد رؤساء المحاكم صعوبة في إعداد جداول تسميات القضاة على رأس الدوائر القضائية المختلفة .
حين يرفض مجلس النواب المحترم تخصيص اعتمادات مالية للمحكمة الدستورية فى موازنة سنة 2025 فهذه الخطوة تثير كثيرا من علامات الاستياء و الاستفهام خاصة و أن هذه المحكمة تكتسى أهمية بالغة سواء كهيئة قضائبة أو كجهة فاعلة بامكانها مراقبة دستورية القوانين اضافة الى المعاهدات الدولية و حلول رئيسها مكان رئيس الدولة فى حالة الشغور أو العجز التام أو الوفاة أو الاستقالة . بطبيعة الحال لا يمكن الحديث عن اعادة هيكلة ايجابية لمنظومة القضاء كعنصر من عناصر المرفق العام و ضابط لايقاع العدالة بين التاس دون القيام بتركيز دعائم المحكمة الدستورية خاصة و أن المراسيم الرئاسية التى استنبطها رئيس الدولة منذ ليلة الاطاحة بالدستور السابق فى 25 جويلية 2022 و بالذات المرسوم عدد 54 لسنة 2022 المتعلق بمكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات و الاتصال يعتبرها معارضوه مضرة بحرية التعبير و منتهكة لحقوق الانسان و تؤدى بالمناخ الاجتماعى الى مزيد من التدهور و التشنج اضافة الى أنها اثير حفيظة منظمات حقوق الانسان فى للعالم بما ينعكس سلبا على صورة تونس خارحيا خاصة و أن هذه الصورة قد حدثت بها خدوش غائرة بسبب مواقف رئيس الدولة فى علاقته المتوترة مع مثير من الدول الغربية.
من يراقب تحركات الالاف من النازحين الافارقة و يشاهد تصرفاتهم العنيفة و اخلالهم الواضح بالامن العام و انتهاكهم المقصود لحرمات المنازل و الاماكن العامة يدرك أن هتاك خللا واضحا و مثيرا للريبة فى تعامل الدولة مع هذا الملف بل لنقلها بمنتهى الصراحة بأن الدولة و مهما قدمت من بيانات أو مبررات قد فشلت فشلا مرعبا فى تعاملها مع هذا الملف الذى يمس بالامن القومى . لا شك أن تصرفات هذه العصابات الخارجة عن القانون يدعو للقلق كما لا شك أن انعدام الاستثمار الذى يخلق مواطن الشغل يؤثر فى نفسية الالاف من العاطلين عن العمل الذين خاب ظنهم فى كل الشعارات التى أطلقها رئيس الدولة ابان حملته الانتخابية الرئاسية الاولى والثاتية و بات هناك من يتساءل بقوة ماذا حقق الرئيس للبلاد فى مجال القضاء على البطالة و ماذا تحقق أصلا من كل الشعارات التى لم ينقطع على ترديدها الى اليوم. لعله من المهام الاساسية لكل سياسى زرع الحلم فى النفوس و تقديم جرعات الامل لكل الفقراء و للمساكين بالذات لكن من الواضح أن فاقد الشىء لا يعطيه و أن سيادة الرئيس لا يفقه مفردات خطاب الامل الذى يحرك الشعب و يدفعه الى انتظار أيام أجمل .
كاتب و ناشط سياسي .
2025-02-26