الزمن الجميل …!
الدكتور سعد محمود المسعودي*
الاستاذ اسماعيل المسعودي ابو عبد الله*
(مقال مشترك )
احيانا تتوق في داخلي أرادة تسحبني بقوة الى مصطلح ((( الزمن الجميل .))) لكن اعجز عن وصف هذه الأرادة بشكل يرضي الجميع. فكما طفولتي اوريعان شبابي تلبد بغيوم الخداع والمكر ونحيب الامهات ونشيج الثكالى منهن لكن في ذات الوقت انا أتوق وبلهفة عارمة الى ذلك الزمن الذي تراه روحي الطرية الشبابية انه زمني ويحق لي ان استعيده كذكرى جميلة قرعتها أجراس النسيان في حياة رغم بؤسها لكنها بعيني اراها جميلة وبذاكرة مثقوبة حتى تتساقط منها الذكريات المؤلمة وتبقى فقط الذكريات الرائعه فليس ذنبي وأنا شاب يافع ان ارى شهيدا تحمل رفاته على سيارة نوع كراون قد مرّ من هنا ولانعلم من هذا الشهيد وعند المنظمة الحزبية
الخبر اليقين وليس ذنبي عندما اسمع ان الشاب الذي يسكن في فرعنا قد أتته سيارة مرسيدس أم اربع أريلات وزجاج مظلل لتصطحبه الى جهة مجهولة ثم بعد فترة يأتي الى أهله مغلفا بتابوت ويدفن سرا وبصمت مطبق وليس ذنبي عندما ارى في فرعنا سرادقات قد نصبت ل عصام ابن شارعنا وقيل انه استشهد في معركة نهر جاسم لكن بدون جثة وليس ذنبي ان ارى ماأرى فالناس تعيش بوجوم وخوف ورعب تارة تخاف الناس من ام أربع أريلات ومظلله ان تأتي الى بيوتهم وتصطحب من تشاء وتارة تخاف الناس من مجرد سماع منبه الكراون الذي يصك الاسماع هذا المنبه البسيط عندما كنا نسمعه في منتصف الليالي الظلماء كان نذير شؤم وكان مرعبا. كان أبي تصتك سيقانه
ولاتستطيعان حمله ليصل الى باب الدار الرئيسي ليرى ماوراء هذا المنبه. المسألة لاتحتمل امران بل أمر واحد اما اخي قد جاءوا به شهيدا لان المعارك تدار رحاها في الحدود الشرقية ومعارك محتدمة تأكل اليابس والاخضر وأما جاءت أم الأربعة أريلات لتصطحب احد أفراد الأسرة الى الشعبة الخامسة . هذا من جانب ومن جانب آخر كانت طفولتي بريئة احب تلك الاجواء الشتوية واقف تحت الامطار الغزيرة وانام ليلا في فراشي الدافئ افكر بالجنود وهم في الجبهة كيف يقضون ليلتهم تحت المطر والقصف والرعد والبرق. ثم انسى ذلك والبس صباحا اجمل ملابسي وامشط شعري واضع قليلا من العطر واحمل كتبي وأتجه لمدرستي حيث ينتظرني زملائي من الشباب والشابات مدرستي كانت مختلطة أناث وذكور . كنت احب الحياة كنت احب الربيع احب الجمال احب الهواء البارد احب غدران المياه وزقزقة العصافير والعشب الاخضر والسماء الصافية الزرقاء كان شتاءنا شتاء قارص وممطر وبارد وربيع جميل وأرض مكسوة بالخضار عندما تهب علينا نسمة كانت تحمل معها عطر الورود والاعشاب كنت اشعر بنشوة خاصة عندما تهب علي هذه العطور الجميلة . لكن الخوف جعلنا لانشعر بجمال الطبيعة من حولنا كنا كالحملان وسط الزرع نأكل وسكينة القصاب فوق رقابنا. لهذا كنت اسمي عقد الثمانينات بالزمن الجميل. جميل لانه اقترن بطفولتي التي ذبحتها الاحداث المؤلمة …أما اليوم فقد اصبحت كهلا وقد بلغت من العمر عتيااااا وأصبح بنظري حتى الاحداث المؤلمة جميلة لانها اقترنت بأيام وعنفوان الشباب….
لم ار بحياتي من اقدار قد واجهتنا بتلك الحقب . حتى انين الثكالى كان له صوت مختلف . يمتزج بين الحزن والخوف . ودموع الرجال في الخفاء لا تظهر على سطح الوجوه التي ارهقتها ليالي البؤس والشقاء. ان الاحداث التي اقترنت بأيام العمر ماهي من احداث قد تذوبها ذاكرة الزمان . حيث الاصوات المنادية بالحرية لايكاد ان يخرج همسها شدة الخوف والبطش . الانسان مهدد بالموت المحتوم يغييب ولا يذكره احد في المجالس . البيوت الامنة لم تعد امنة . حتى تقلب الليل والنهار لم يعد امنآ. نعم تلك هي ايام ولحظات الزمن الجميل . نظام قمعي ارهابي لم تشهد له الحقب التاريخية على مر العصور. تذهب بفكرك الى شذاذ الافاق وظلمهم . ولم يسلم منها الحرث والنسل . بين نار الحروب ونار القمع البعثي المجرم . وللعقول ذاكرة قد تجمدت من شدة التنكيل الذي أصاب الإنسان. هل يعلم العالم بأسره ان الزمن الجميل عبارة عن مشانق قد نصبت لشباب هذا البلد لمجرد ان يقف بين يدي الرب المتعال لملاقاته . فأي زمن يحارب الانسان لعلاقته بربه . ولعمري لم اكتب عن كل الاحداث فأخترت ابسطها كي لا يكون المتلقي حقودا علي وعلى فكرة المقال ..
نسأل الله في علاه حسن الخاتمة والثبات على ولاية آمير المؤمنين عليه السلام..والحمد لله دائما وابدا
العراق
2025-02-25
