هل يكون ترامب نموذجًا منمّقًا لهت/لر، وماسك هو وزير دعايته غوبلز؟
▪️أو هنا التهديد الوجودي لمصر والأردن وفلسطين!
إدريس آيات*
في أقل من أسبوع، قدّم ترامب أربع مقترحات متتالية بشأن عز٠ة، تنوعت بين التهجير الكامل إلى مصر والأردن، أو مغادرتهم مؤقتًا مع وعد بالعودة بعد إعادة الإعمار، أو توطينهم في أماكن أخرى مثل السعودية أو حتى الصومال، ثم أخيرًا طرح فكرة شراء القطاع وتحويله إلى مشروع عقاري ضخم، تُباع فيه الأراضي للفلسطينيين بمليوني دولار للقطعة الواحدة! وبينما اكتفى العالم العربي بالرفض والتنديد، استمر ترامب في تصعيد طرحه، وكأنه يناور لجعل أحد هذه الخيارات أمرًا واقعًا.
البعض يرى في ذلك مجرد “جس نبض”، والبعض الآخر يعتقد أنه يستخدم أسلوب “التفاوض بالصدمة”، عبر طرح خيار مستفز ثم التراجع إلى خيار آخر يبدو أقل ضررًا لكنه يحقق الهدف ذاته. غير أن الحقيقة، كما علمتنا تجربة ترامب، أنه لا يطرح شيئًا عبثًا. حين اقترح في السابق شراء غرينلاند، سخر منه العالم، لكنه كان جادًا تمامًا. ومن كان من أوائل المؤيدين له؟ إيلون ماسك، الذي لم يكن آنذاك سوى ملياردير غريب الأطوار، لكنه اليوم بات الوجه الدعائي لليمين المتطرف الجديد.
وعندما قال ترامب إن كندا يجب أن تصبح الولاية الـ51 لأمريكا، اعتبر كثيرون ذلك مزاحًا أو ضغطًا على حكومة جاستن ترودو، لكن إيلون ماسك، الذي تبنّى بالكامل أجندة ترامب الاستعمارية، شن هجومًا شخصيًا على ترودو قائلاً: “اسكتي يا فتاة، هذا الموضوع لم يعد يعنيك”، في إشارة ساخرة إلى استقالته من رئاسة الوزراء.
لكن لماذا يعتقد البعض أن ترامب قد يتراجع عن خططه؟
لدى ترامب قناعة راسخة بأنه سينجح في تهجير الفلسطينيين، تمامًا كما نجح في نقل السفارة الأمريكية إلى القدس في ولايته الأولى. كان يعلم حينها أن الزعماء العرب سيعارضون، لكنه لم يُعر ذلك اهتمامًا. وكما كشف بنفسه في أحد خطاباته الساخرة أمام أنصاره، قال وهو يقلّد أحد القادة العرب دون أن يسميه: “تلقيت اتصالات من الجميع، يترجّونني: رجاءً لا تفعل، لا تنقل السفارة إلى القدس، سيثور العالم العربي، ستكون هناك نهاية العالم! وقررت ألا أرد على اتصالاتهم، وقلت سأعاود الاتصال بعد أسبوعين، كنت مشغولًا…”
ثم تابع قائلاً:
“نقلت السفارة، وبعدها تلقيت بعض الاعتراضات، لكن لم يحدث شيء! هل تتذكرون نهاية العالم التي وعدوني بها؟ لا شيء حدث…”
اليوم، ترامب يرى عز٠ة كساحة لتكرار السيناريو ذاته. يطرح فكرة التهجير، يتوقع الضجيج المعتاد، ثم يمضي في تنفيذ مخططه مستغلًا حالة العجز العربي. الفرق الوحيد هذه المرة، أن لديه وزير دعاية جديد اسمه إيلون ماسك، الذي يتولى مهمة حشد اليمين المتطرف خلف كل مشروع استيطاني جديد، سواء في فلسطين، أو في جنوب أفريقيا، أو حتى في أمريكا نفسها.
الرسالة واضحة: في عقيدة ترامب واليمين الشعبوي، الاستعمار ليس جريمة، بل هو حق حصري للبيض، تمامًا كما كان في حقبة الإمبراطوريات الأوروبية.
▪️مقترحات ترامب: هل يفتح باب الجحيم أم يتكرر سيناريو “لم يحدث شيء”؟
اليوم، حين يسعى ترامب إلى فرض أجندته، المستوحاة من رؤية اليمين الإسرائيلي واليمين الشعبوي العالمي، على غزة، تبرز جملة من السيناريوهات المتوقعة. أولها، انهيار الهدنة بشكلٍ كامل، وهو احتمال قائم بالفعل، لا سيما بعد تهديده الصريح بأن “الجحيم سيفتح” إن لم يُطلق سراح الرهائن يوم السبت. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: كيف يمكن لدول الشرق الأوسط أن ترد على هذه الضغوط والتهديدات؟
▪️الخيار الأول، تصعيد إقليمي شامل. عودة الصواريخ اليمنية لضرب تل أبيب والمدن الإسرائيلية، تصعيد الهجمات على الأسطول الأمريكي في البحر الأحمر، وغلق مضيق باب المندب أمام السفن الإسرائيلية والأمريكية والبريطانية، وهو تطور سيغيّر قواعد اللعبة الاستراتيجية في المنطقة بالكامل.
▪️الخيار الثاني، تصدع الاتفاقيات الإسرائيلية مع دول الجوار. تصاعد التوترات العسكرية بين مصر والأردن من جهة، وإسرائيل من جهة أخرى، قد يدفع القاهرة وعمان إلى الانسحاب من اتفاقيتي كامب ديفيد ووادي عربة، وهو ما سيكون بمثابة زلزال دبلوماسي ينهي عقودًا من الترتيبات الأمنية التي ضمنت بقاء إسرائيل في مأمن.
▪️الخيار الثالث، فتح جبهة مواجهة عربية شاملة. تعاون عسكري مع المقاومة الفلسطينية، دخول المساعدات والأسلحة إلى غزة عبر رفح من مصر، ودعم حركات المقاومة في كافة الجبهات، وهو سيناريو، إن حدث، سيضع إسرائيل في مواجهة وجودية لم يسبق لها أن اختبرتها منذ نكسة 1973.
هذا هو باب الجحيم الحقيقي الذي يجب أن يُفتح على مقترحات ترامب، ونهاية العالم التي لا ينبغي له أن يستهين بها.
لكنه، في المقابل، يعوّل على تكرار السيناريو القديم:
تمامًا كما حدث حين نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، واجه حينها تهديدات، استمع إلى تحذيرات القادة العرب، لكنه تجاهلها ساخرًا: لكن لم يحدث شيء! لا نهاية العالم، ولا شيء!
حتمًا يراهن عليه مجددًا. ربما لن يقبل أحد علنًا بمقترحات التهجير، وربما سيرفضها الجميع رسميًا، لكنه يعرف أنه إذا استمرت إسرائيل في الإبادة الجماعية، فإن الردود ستبقى في إطار الشجب والاستنكار، باستثناء المُقاومة الفلسطينية التي لن تقبل التهجير. يعرف أن العالم لن يتحرك، بينما هو يسلّح إسرائيل كما لم يُسلّحها من قبل، كما فعل حين زوّدها بقنبلة يوم القيامة في مواجهة شعبٍ أعزل، لا يملك سوى مقاومة بأسلحة بدائية.
▪️في الختام: أريد أن أذكّر أنّ الاستهانة بأدولف هتل٠ر كانت واحدة من أكبر الأخطاء الاستراتيجية التي ارتكبها خصومه، سواء داخل ألمانيا أو على المستوى الدولي. عندما بدأ حياته السياسية في العشرينيات، اعتبره كثيرون مجرد خطيب متطرف يثير الجماهير بشعارات قومية حماسية، لكنه لم يُؤخذ على محمل الجد كقائد سياسي حقيقي. عندما وصل إلى السلطة في عام 1933، ظن الساسة الأوروبيون أن هتلر مجرد دكتاتور آخر يمكن احتواؤه، خاصة أن سياساته بدت في البداية وكأنها تركز على الاستقرار الداخلي والنهوض الاقتصادي. لكن مع تحركاته التوسعية الأولى—إعادة تسليح الراينلاند عام 1936، ثم ضم النمسا عام 1938 (الأنشلوس)، والاستيلاء على السوديت في تشيكوسلوفاكيا في نفس العام—لم تواجهه القوى الكبرى بردود حاسمة. سياسة الترضية التي تبنتها بريطانيا وفرنسا، وخاصة في مؤتمر ميونيخ 1938، كشفت عن استهانة كبيرة بخطورته، إذ ظنوا أنه بعد حصوله على السوديت سيتوقف عن التوسع.
وعندما اجتاح تشيكوسلوفاكيا بالكامل في مارس 1939، بدأ الشك يتسرب إلى لندن وباريس، لكن حتى ذلك الحين، ظنوا أن تحذيراتهم ستكون كافية لردعه. لكن المفاجأة الكبرى كانت تحالفه مع الاتحاد السوفيتي عبر معاهدة مولوتوف-ريبنتروب في أغسطس 1939، مما مهد لغزو بولندا وتقسيمها بين الطرفين، وهو الحدث الذي فجّر الحرب العالمية الثانية. حينها فقط، أدرك خصومه أن استهانتهم بقدرته على قلب الطاولة كانت خطأً قاتلاً، لكن بعد فوات الأوان. وفي كل هذا كان معه وزير الدعاية الشهير جوزيف غوبلز، واليوم بحوزة ترامب إيلون ماسك الذي اشترى تويتر وجعلها منصة دعاية لدعايات هتل٠و العصر!
في التتمة؛ قد أكون مبالغًا بعض الشيء في مقارنة ترامب بهتل٠ر، لكن الشيء الوحيد المؤكد لديه أنّني متيقن أنّه مؤمن تمامًا بمقترحاته سواءًا عن غرينلاند، كندا، أو حتى غزة، وهذا وحده كفيل باعتباره “طاغوتًا غربياً جديدًا”!
2025-02-12