اللاوعي التَّاريخيّ.. مفهوم نفسي اجتماعيّ مُقتَرَح للنِّقاش..!
سعود قبيلات
يميل كاتب هذه السُّطور، منذ مدَّة غير قصيرة، إلى التَّفكير بوجود ما يمكن تسميته بـ «اللاوعي التَّاريخيّ». وأنا، هنا، أتحدَّث عن مستوى آخر من اللاوعي غير ما عُرِف حتَّى الآن؛ حيث يُسجَّل لسيجموند فرويد – كما هو معروف – أنَّه اكتشف مفهوم اللاوعي الفرديّ، وسلَّط الضَّوء على جوانب تأثيره الكبيرة في حياة الإنسان. ثمَّ جاء تلميذه كارل غوستاف يونغ، فاكتشف مفهوم اللاوعي الجمعيّ ودرس أبعاده الاجتماعيّة والتَّاريخيّة.
وإذا كان فرويد قد درس، هو أيضاً، الأبعاد النَّفسيّة التَّاريخيّة، فإنَّه ركَّز على امتداداتها في الحالة النَّفسيَّة الفرديّة فقط.
أمَّا يونغ، فاهتمّ بتاريخ التَّكوين النَّفسي الجمعيّ للإنسان، ورآه على شكل طبقات متعدِّدة ومتراكمة تمتدُّ في الأفراد عبر آلاف السِّنين.
اللاوعي التَّاريخيّ، يختلف؛ إذ هو لا وعي المرحلة التَّاريخيَّة الَّذي يعمل، كما أراه، كمحرِّك أعمى للتَّحوُّلات التَّاريخيَّة؛ وهو حصيلة لمخزون الأفكار والقيم والتَّفاعلات الثَّقافيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة الَّتي تدفع النَّاس، أثناء انخراطهم في إنتاج التَّحوُّلات التَّاريخيَّة، في مرحلة تاريخيّة معيّنة، إلى التَّحرُّك، بصورة لا واعية، في اتّجاه معيَّن؛ الأمر الَّذي يقود، في النِّهاية، إلى إنتاج تحوُّلٍ تاريخيٍّ مغايرٍ لاتِّجاه إرادتهم، وخارجٍ عن حدود وعيهم المباشِر، ومخالفٍ لجميع توقُّعاتهم.
وكما عبَّرتُ، أكثر مِنْ مرَّة، في مقالاتٍ أُخرى، فإنَّ النَّاس لا يصنعون تاريخهم من العدم أو في ظروف محايدة أو بصورة إرادويَّة محضة؛ بل يصنعونه مِنْ مكوِّنات الواقع الاقتصاديّ الاجتماعيّ السِّياسيّ الثَّقافي الَّذي يعيشونه، وضمن شروطه الخاصَّة وآفاقه ومحدِّداته وضروراته؛ وبالاستناد إلى أحمال تاريخهم وموروثهم وثقافتهم؛ وبحسب تنوّع أنماط تفكيرهم، وتباين مستويات إدراكهم ووعيهم، واختلاف مصالحهم وأهوائهم ورغباتهم.
مِنْ حصيلة هذه العوامل مجتمعة.. تعدّد مكوِّنات الواقع وشروطه، وتنوّع أنماط التَّفكير ومستويات الإدراك والوعي، واختلاف المصالح والأهواء والرَّغبات، والأحمال التَّاريخيَّة، والموروثات، والثَّقافة، يتشكَّل اللاوعي التَّاريخيّ ويمارس تأثيره..
ويحدث هذا أيضاً، لأنَّ النَّاس، في أثناء صناعتهم لتاريخهم، يكونون هم أنفسهم مادَّته ووقوده؛ لذلك، فإنَّهم غالباً ما يكونون لاهين عنه بتفاصيل الوقائع الَّتي تواجههم منه.. الوقائع الَّتي تحوِّله وتُشكِّلهم؛ وفوق هذا، فهم لا يملكون شرفةً خارجه، لينظروا إليه منها، فيعرفوا خطَّ سيره الحقيقيّ، ويتناغموا معه، أو يعدِّلوا فيه ويبدِّلوا؛ كُلُّ ما هو متاح لهم في الحقيقة، هو أنْ ينظروا إليه مِنْ داخله فقط؛ ليروا، بالنَّتيجة، المقطع الصَّغير الَّذي يلوح لهم من النَّافذة الَّتي يطلُّون عليه منها؛ وبالتَّحديد، من الزَّاوية الخاصَّة الَّتي يقفون عندها في تلك النَّافذة. وهذا يُفسح المجال واسعاً أمام احتماليَّة تدخُّل اللاوعي التَّاريخيّ.
وحسب اطِّلاعي، فإنَّ العديد من المفكِّرين اقتربوا مِنْ تلمُّس وجود اللاوعي التَّاريخيّ بطرق مختلفة، لكنَّهم لم يعبِّروا عنه بوضوح؛ فمثلاً، ها هو سان جوست، يقول: «إنَّ قوَّة الأشياء تقودنا، على ما يبدو، إلى نتائج لم تخطر لنا في البال». (مِنْ كتاب «وصيَّة لينين السياسيَّة» – بليماك).
فما هي هذه النَّتائج الَّتي لم تخطر لنا في البال؟
بالتَّأكيد، لها اسم وسبب وسياق. وبالنِّسبة لي، أُسمِّيها «اللاوعي التَّاريخيّ».
ويقول ماركس: «إنَّ النَّاس يصنعون تاريخهم بأنفسهم، لكنَّهم لا يصنعونه على هواهم. إنَّهم لا يصنعونه في ظروف يختارونها هم بأنفسهم، بل في ظروف يواجَهون بها وهي معطاة ومنقولة لهم من الماضي». (المنتخبات – الثامن عشر مِنْ برومير لويس بونابرت – ص 127).
وبرأيي، فإنَّ هذه الظُّروف الَّتي يُواجَهون بها.. الظُّروف المعطاة والمنقولة لهم من الماضي، هي بعضُ لبنات اللاوعي التَّاريخيّ الَّذي يمارس فعله الأعمى في مرحلة تاريخيَّة ما.
ويقول ماركس أيضاً: «فليس إدراك النَّاس هو الَّذي يعيِّن معيشتهم، بل على العكس مِنْ ذلك، معيشتهم الاجتماعيَّة هي الَّتي تعيِّن إدراكهم». (المنتخبات – في نقد الاقتصاد السياسيّ – ص 253).
لكن، هل يمكن لهذا القانون أنْ يشتغل دائماً في مستوى الإدراك (والوعي) فقط، وبصورة مصفَّاة تماماً مِنْ تأثير اللاوعي؟
وأنا، بالطَّبع، أقصدُ، هنا، باللاوعي ما أُسمِّيه «اللاوعي التَّاريخي».
ويتحدَّث أنجلز عن أنَّ النَّاس كثيراً ما صنعوا تاريخاً لا يشبه بتاتاً ما كانوا قد أرادوا صنعه؛ فإذا بهم يكتشفون بأنَّهم لا يعرفون ما الَّذي صنعوه. وهذا، برأيه، هو: «ما أسماه هيغل بسخرية التَّاريخ، تلك السُّخرية الَّتي تجنّبها عددٌ قليل من الشَّخصيَّات التَّاريخيَّة». («ماركس وأنجلز.. رسائل مختارة» – ص 273- رسالة أنجلز السابقة إلى فير إيفانوفنا زاسوليتش.).
وبرأيي، أنَّ سُخرية التَّاريخ، هذه، هي مفهوم غامض، وأنَّ المسمَّى الصَّحيح لهذه الحالة هو «اللاوعي التَّاريخيّ».
ويتحدَّث أنجلز أيضاً عن أنَّ التَّاريخ يُصنَع مِنْ تصادم إرادات فرديَّة كثيرة.. إرادات أصبحت ما هي عليه بفضل طائفة من الأحوال الحياتيَّة الخاصَّة؛ الأمر الَّذي يقود إلى وجود عدد لا يُحصى من القوى المتشابكة: «ومِنْ هذا التَّشابك تنجم محصِّلة قوى واحدة هي الحدث التَّاريخي. وهذه النَّتيجة يمكن أيضاً اعتبارها نتاج قوَّة واحدة تفعل فعلها ككلّ واحد، بلا وعي ولا إرادة. وذلك أنّ ما يريده امرؤ يلقى معارضة من جانب أيّ امرئٍ آخر، وتكون النَّتيجة النِّهائية ظهورُ شيءٍ لم يرغب فيه أحد.». (المرجع نفسه – الرسالة نفسها، ص 301 – 302)
وهنا، كما رأينا، توجد إشارة صريحة إلى اللاوعي مِنْ دون تحديد مستواه أو نوعه، وهو ما يُعبِّر عن نوع من الاعتراف الضِّمنيّ، وغير المباشر، باللاوعي التَّاريخيّ؛ وذلك في قوله: «نتاج قوَّة واحدة تفعل فعلها ككلٍّ واحد، بلا وعي ولا إرادة».
وإرادات الأفراد المتناقضة، هذه، بأسبابها المختلفة المرتبطة بمرحلة تاريخيَّة معيَّنة؛ هذه الإرادات الَّتي تتشكَّل منها الإرادة الجماعيَّة، إنَّما هي فعل يعلو على وعي الجماعة؛ وهي، لذلك، تدخلُ في نطاق «اللاوعي التَّاريخيّ» في المرحلة المعيَّنة.
ثمَّ يعود أنجلز، فيُقارِب هذه المسألة مِنْ زاوية أخرى، حين يُشير إلى أنَّه في ما يخصّ صُنع التَّاريخ: «حتَّى التَّقاليد الَّتي تعشّش في رؤوس النَّاس، تلعب هي أيضاً دوراً معيّناً، وإنْ لم يكن الدَّورَ الحاسم». (رسالة «مِنْ أنجلس إلى يوسف بلوخ في كونيغسبرغ – لندن، 21 [- 22] أيلول/سبتمبر 1890» – «ماركس أنجلس – رسائل مختارة». ص 301).
الكلام عن «التَّقاليد الَّتي تُعشِّش في الرُّؤوس، (الَّتي) تلعب هي أيضاً دوراً معيَّناً»! ألا يُعبِّر عن شكلٍ مِنْ أشكال اللاوعي (اللاوعي التَّاريخيّ، بالتَّحديد) الَّذي يحكم حركة البَشَر في أثناء صنعهم لفعلٍ تاريخيّ ما؟
ويقول ماركس: «قد يكون من السَّهل جدّاً، بالطَّبع، صُنع تاريخ العالم لو كان النَّضال لا يقوم إلا ضمن ظروف تؤدِّي حتماً إلى النَّجاح. ومِنْ جهة أخرى، قد يتَّسم التَّاريخ بطابع صوفيّ جدّاً لو كانت “الصُّدف” لا تضطلع بأيّ دور؛ فإنَّ هذه الصُّدف تدخل هي ذاتها، بالطَّبع، كجزء لا يتجزَّأ، في المجرى العامّ للتَّطوّر وتُوازنها صدف أخرى. لكن التَّسارع والتَّباطؤ رهنٌ بمقدارٍ كبير بهذه “الصُّدف” الَّتي ترد بينها أيضاً “صدفة” مثل طبع النَّاس الَّذين يقفون في البدء على رأس الحركة». (كتاب «ماركس أنجلز.. رسائل مختارة» – دار التقدّم – (مِنْ رسالة أرسلها ماركس إلى لودفيغ كوغلمان، بتاريخ 17 نيسان 1871 – ص 177).
الصُّدفة، برأيي، هي حدث لم تتهيَّأ لنا الشُّروط المناسبة لمعروفة قانون حدوثه أو القاعدة الَّتي يندرج في سياقها.
إنَّها أمرٌ يقع خارج حدود سيطرتنا، وخارج نطاق وعينا؛ ولذلك، نصنِّفه في هذه الخانة الغامضة (صُدفة). وفي مثل هذه اللحظة، نكون قد خرجنا من السِّياق العلميّ إلى نوعٍ من اللاأدريَّة.
ولذلك، ما يُسمَّى «صدفة» في التَّاريخ، يدخل في نطاق اللاوعي التَّاريخيّ؛ هذا اللاوعي الَّذي يتحكَّم بمسار الأحداث التَّاريخيَّة، ويوظِّف فعاليَّة البشر لصالح شيء لم يتوقَّعوه ولم يسعوا إليه.
وننقل، هنا، مِنْ مقالٍ لجاس هول (أمين عام الحزب الشُّيوعي الأميركيّ السَّابق)، عن الشُّيوعيَّة الأوروبيَّة، وهو مِنْ ترجمة سعد رحميّ، قولَ لينين: «ليست القضيَّة نوايا، أو بواعث، أو أقوال، وإنَّما القضيَّة قضيَّة الموقف الموضوعيّ، المستقلّ عنهم، والَّذي يحدّد مصير ومعنى الشِّعارات والتَّكتيك، أو اتِّجاه حزب معيَّن أو مجموعة معيَّنة بشكلٍ عامّ». (ف. إ. لينين – مجموعة المؤلَّفات، المجلَّد 19، ص 262).
وهنا، نتوقَّف عند الكلام عن «الموقف الموضوعيّ، المستقلّ عنهم، والَّذي يحدِّد… الخ». ومفهوم أنَّ لينين يقصد بالموقف الموضوعيّ الظَّرفَ الاجتماعيَّ الاقتصاديَّ السِّياسيّ؛ لكن هل كُلّ تعامل للنَّاس (أو للحزب المعنيّ)، مع مثل هذا «الموقف الموضوعيّ»، وبالخصوص، فهمهم له، يحدث، بالتَّمام والكمال، على مستوى الوعي وحده؛ أم أنَّ ذلك لا بدَّ أنْ يكون مشوباً بالكثير مِنْ ظلال اللاوعي؟
وتقترب روزا لكسمبورغ كثيراً مِنْ مفهوم اللاوعي التَّاريخيّ، ففي سياق حديثها عن التَّكتيكات الرَّئيسة للدِّيمقراطيَّة الاشتراكيَّة، ترى أنَّها ليست مخترَعة: «بل كانت نتيجة للمجموعات المتتابعة من الأحداث الإبداعيَّة النَّاتجة عن تراكم النِّضال الطَّبقيّ. وهنا أيضاً يصبح اللاوعي سابقاً على الوعي، ويأتي منطق العامل الموضوعيّ التَّاريخيّ سابقاً على المنطق الذَّاتي لدعواتهم». (روزا لكسمبورغ – مِنْ كتاب «روزا لكسمبورغ» – طوني كليف).
كان ينقص روزا لكسمبورغ، هنا، أنْ تقول ما هو اللاوعي الَّذي تقصده؛ وبالنِّسبة لي، أرى أنَّه، بالضَّرورة، هو اللاوعي التَّاريخيّ.. بالتَّحديد؛ لأنَّه لا يمكن أنْ يكون لا الوعي الفرديّ، ولا الوعي الجمعيّ، اللذين سبق أنْ أشرنا إليهما.
في كتاب «فاوست» لغوته، يقول فاوست لفاغنر: «ما تسمّيه روح الأيّام هو بشكلٍ أساسيّ، ذهنيّة الإنسان النََّّبيل الشَّخصيَّة، وما ينعكس الزَّمن فيه». («الكتاب الأحمر» – كارل غوستاف يونغ – ص 122).
والكلام، هنا، عن «الإنسان النَّبيل»، يبدو أشبه بالكلام عن جماعة عرقيَّة. الأمر الَّذي يذكِّر بمفهوم غوستاف لوبون عن «العرق التَّاريخيّ».. هذا العرق الَّذي، برأيه، «يتشكَّل عبر التَّاريخ مِنْ خلال انصهار عناصر شعب ببعضها البعض تدريجيَّاً»؛ بيد أنَّ ما يهمُّنا، هنا، أكثر مِنْ سواه، هو ما يسمِّيه غوته «روح الأيَّام» الَّذي هو «ذهنيَّة الإنسان النَّبيل، وما ينعكس الزَّمن فيه». فماذا يمكن أنْ يكون المعنى البعيد لـ «روح الأيَّام»، هذا، سوى لاوعيها التَّاريخيّ؟
ونعود إلى غوستاف لوبون، الَّذي رأيناه يقفز عن اللاوعي التَّاريخي ليتحدَّث عن «العِرق التَّاريخيّ»، وسنجده، في المرجع نفسه (كتابه «سيكولوجيَّة الجماهير»، يقترب مِنْ تلمُّس فكرة اللاوعي التَّاريخيّ، لكن بطريقة مختلفة، فيقول: «وعلى أيَّة حال فلا ينبغي علينا أنْ نعتقد أنَّ مجرَّد البرهنة على صحَّة فكرة ما يعني أنَّها سوف تفعل مفعولها حتَّى لدى النَّاس المثقَّفين فعلاً. ويمكننا أنْ نتحقَّق مِنْ ذلك عندما نرى أنَّ البرهنة الأكثر وضوحاً ليس لها تأثير على معظم البشر. صحيح أنَّه يمكن للحقيقة السَّاطعة أنْ تلقى أذناً صاغية لدى السَّامع المثقَّف، لكنَّه سيعيدها فوراً بوساطة لا وعيه إلى تصوُّراته البدائيَّة. حاولوا أنْ تروه بعد بضعة أيَّام فسوف ترونه يستخدم مِنْ جديد محاجَّاته القديمة وبنفس الألفاظ تماماً».
وهو، هنا، يتحدَّث عن اللاوعي الفرديّ في إطار المجموع، كما أنَّه يفعل ذلك في سياق دراسته لسيكولوجيا الجماهير؛ حيث يبدو الإنسان مستلب الوعي ومنساقاً خلف مؤثِّرات تُخرِجه مِنْ نطاق سيطرة إرادته. وبما أنَّ لوبون يتحدَّث، في المرجع الَّذي أخذنا منه هذا الاقتباس، عن العوامل النَّفسيَّة الَّتي تتحكَّم في فعل وحركة الجماهير في أثناء صناعة التَّاريخ، فإنَّ اللاوعي المقصود هنا لا يعود هو اللاوعي الفرديّ؛ بل لا وعي الجماهير وهي تصنع التَّاريخ؛ لذلك، يصبح من الواضح أنَّ المعنى البعيد المقصود هنا باللاوعي هو اللاوعي التَّاريخيّ.
في الختام..
أنا أتوقَّع أنَّ بعض رفاقي الماركسيين قد يستغرب محاولتي، هذه، لبناء مفهوم للتَّاريخ يستند على معطيات مدرسة التَّحليل النَّفسي، سواء بصيغتها الفرويديَّة، أو بصيغتها المعدَّلة كما صاغها يونغ، أو بصيغتها الأكثر تعديلاً، كما صاغها إريك فروم.
على أيَّة حال، أنا لم أخض هذه المحاولة جُزافاً؛ بل مِنْ موقفٍ قديمٍ سبق أنْ أوضحته في كتاباتي أكثر مِنْ مرَّة، وخصوصاً في كتابي «بيت قديم متعدِّد الطَّوابق.. نظرات نفسيَّة ادبيَّة»؛ إذ قلت إنَّني أعتقد: «منذ وقتٍ بعيد أنَّ موقف الرَّفض (الماركسيّ) المطلق لمنهج التَّحليل النَّفسيّ ولاكتشافات فرويد في هذا المجال واكتشافات تلاميذه الَّذين اختلفوا معه، إنَّما هو موقف غير جدليّ وغير علميّ. وأعتقد، على العكس مِنْ ذلك، أنَّه يمكن، بل من الضَّروريّ، الاستفادة بهذه الأداة العلميَّة المهمَّة مِنْ خلال دمجها في إطار المنهج المادِّي التَّاريخيّ. حيث نتمكَّن، عندئذٍ، من استخدام منهج التَّحليل النَّفسيّ بنجاح لرؤية بعض المناطق المعتمة في الدِّراسات الإنسانيَّة الَّتي لا يستطيع المنهج المادِّي التَّاريخيّ أنْ يسلِّط الضَّوء عليها. إنَّها مناطق أشبه بـ«المنطقة الميِّتة» في مرآة السَّيَّارة؛ فإذا لم نعِ وجودها، وإذا لم نلقِ نظرة جانبيَّة فاحصة عليها عند انعطافنا أو استدارتنا، واعتمدنا فقط على ما تمدّنا به المرآة من الصُّور، فقد تغيب عنَّا حقائق أساسيَّة خطيرة في مسارنا المروريّ وتترتَّب على ذلك نتائج كارثيّة».
وأشرتُ، في كتابي ذاك نفسِه، إلى أهمِّيَّة: «ما توصَّل إليه فرويد مِنْ أنَّ واقع حياة الإنسان ومحيطة ونوعيَّة ردود فعله تجاه المؤثِّرات المختلفة، تنعكس كلّها بعمق على عمليَّة بناء شخصيَّته وتطوّرها ويتأسَّس بناء عليها عالم داخليّ (شعوريّ ولا شعوريّ) معقَّد وغنيّ وله خصوصيَّته». وأوضحت أنَّنا «لا نستطيع أنْ نفهم الإنسان الفرد (ثمّ المجموع) إذا لم نفهم خصائص هذا العالم الدَّاخليّ وآليَّات عمله».
على أيَّة حال..
ما أتقدَّم به، هنا، في خصوص مفهوم «اللاوعي التَّاريخيّ» إنَّما هو مجرَّد اقتراح؛ اقتراح أوَّليّ، بلا شك، ويحتاج إلى المزيد من التَّعميق والاستفاضة في بحثه. وسيسرُّني أنْ أتلقَّى أكبر قدر ممكن مِنْ آراء المختصِّين والمهتمّين في هذا الشَّأن.
2025-01-10
