ابو غريب- الاحكام الثقيلة.. حكاية يوم في “قاطع” الاعدام!
علي عباس خفيف
في سجن ابو غريب الاحكام الثقيلة، قبل 50 عاماً، في مثل هذا اليوم المصادف 11/12/ 1974 الساعة السابعة صباحا، طرق السجان “ابو عليوي” قضبان باب “قاطع” المحكومين بالاعدام بمفتاحه الثقيلة ان لجنة تنفيذ حكم الاعدام قد وصلت. (القطاع يدعوه الجميع “قاطع”)
أيُّ رعبٍ..
الجميع في القاطع كانوا يقظين إلاّ القليل القليل؛ إلاّ من تعبت عيناه سهراً، وثقل راسه وهو يصارع الهواجس، فلم يعد يقوى على التفكير، وانغلقت عيناه دون ارادته. فزّوا على ذاك الرنين هلعين، النائمون واليقظون معاً، وكلٌ تلعب في رأسه الهواجس، ويعتقد انه سيكون ضحية هذا الصباح.
المحكومون جميعاً في سجن الاحكام الثقيلة يعرفون أن موعد مجيء هذه اللجنة يكون عادة صباحي يومي الاحد والاربعاء من كل اسبوع، لينفذوا القطاف الدموي، وفي كل زيارة لهذه اللجنة يجري قطف 15 زهرة من بين نزلاء زنزاناات قاطع المحكومين بالاعدام، ليوقفوا عجلة احلامهم وآمالهم العريضة وهواجسهم الى الأبد. اللجنة تأتي صباحا في موعدها الصباحي المحدد دونما تأخير. وكان سجن ابو غريب بآلافه، يغط في نومه أيضاً.
الرنين الذي يصنعه المفتاح على قضبان الباب الرئيس صباحاً مفزعا. وقد كان دوماً اعلاناً دموياً يقوول: “هنا الفاشست”..
كنت أسمع بوضوح صوت الباب الرئيس وهو يُفتح، ومن ثم صوت اقدام تزدحم على بلاط الممر الرئيس، كثرة من الاقدام. كانت زنزانتنا أنا ومعي صباح عبدالرزاق في الطابق الأعلى. هنالك خطوات كثيرة قادمة متعجلة ومزدحمة على السلم، فجأة وقف “ابو عليوي” عند باب زنزانتنا.. ثم وقف موظف مدني أنيق الى جانبه وسأل وهو يقرأ في اوراق ملف ضخم يحمله، متحاشيا النظر في عيوننا:
-علي عباس خفيف؟
- نعم.
- من معك؟
- الرفيق صباح عبدالرزاق.
أشار الى ابو عليوي:- “اثنيناتهم”.
ومضى بمعية من جاءوا معه من االمدنيين والعسكريين، ليكمل جولته الدموية على الزنازين الاخرى. ويتلو أسماء رفاقنا:
“ناصر طاهر حبيب ، علي حسين مهدي، عبدالرحمن طه، محمد عطب نهير، طالب محمد جاسم، عبدالزهرة راضي، سعد علي جارالله، سالم عبيد سبهان، عبدالعباس هادي رويح، عدنان حنون عبود.” ثم ليكمل العدد نادى:
محمد شريف، كريم حمه، جَواد كاظمي.
كنا 12 محكوم من البصرة ومحمد وكريم من كركوك اما كاظمي فلا نعرف من اين.
كبل ابو عليوي ايدينا من الأمام. ثم جمعونا في الممر في الطابق الأرضي يحرسنا السجانون. فجأة علا صوت الرفيق “سالم عبيد سبهان” هاتفاً:-
من قاطع الاعدام يهتف ثائرُ
طوباك يا فائز وديع* وظافر*
ان المشانق لا تفتَّ بعضدنا
ليشهد التأريخ نحن جبابر
اني أُحيّي الحزب أعني “القيادة”*
بئس اللُجَيْنَةَ تلك لجنة عامر*
ثم تقدمنا “سالم” ونحن نسيرالى مبنى المشنقة، وبدأ يغني بصوت جميل:
“مركب هوانا من البصرة جانه
جايب حبيب الروح عنده أمانه”
وانطلقنا نغني معه حتى باب مبنى المشنقة، فأدخلونا وهم خائفين زنزانات المشنقة. كان مبنى المشنقة يتألف من تسع زنزانات، وغرفة الاعدام التي تشتمل على مشنقتين متجاورتين لكل منها عتلة خاصة لفتح الدرفتين اسفل القدمين نحو فراغ لاقرار له..
بدأوا بادخالنا كل اثنين في زنزانة؛ محمد وكريم، ثم سعد وعدنان، ثم انا وصباح، ثم ناصر وطالب، ثم عبدالرحمن وعبدالزهرة، ثم علي حسين ومحمد عطب، ثم سالم وعباس، ثم جواد كاظمي بمفرده.
هنالك تفاصيل كثيرة ملأت الزمن القصير ذاك، الذي امتد لـ 12 ساعة من الصباح حتى الساعة السابعة مساءً، موعد بدء التنفيذ. كانت احاديث وضحكات ونكات، ومفارقات محزنة، ثم زيارة الامهات، آه الامهات.. مع الاخوة والآباء، الذين ملأت رؤسهم التوصيات المغلفة بدموع امهاتنا. انتهت الزيارة في الساعة الرابعة عصراً.
في السابعة مساء جاءت لجنة التنفيذ (هكذا تعرف بالاسم) وأخذ ذات المدني المتأنق يقرأ قرار الحكم علينا. ثم اخرجوا “محمد شريف” من زنزانته واداروا القيد الى الخلف وكبلو يديه، ثم ربطوا يديه الى جسده عند الصدر بحزام جلد عريض، وطلب منه رجل دين ان يتشهد، فتشهد وساروا به نحو المشنقة. بعد اقل من دقيقة سمعنا صوت عال لبوابات المشنقة وهي تفتح تحت قدمي المشنوق، وعادوا ليأخذوا “كريم حمه” كذلك سمعنا الصوت نفسه بعد اقل من دقيقة.
بعد 7 دقائق عادوا واخرجوا “سعد علي جار الله” وبينما هم يربطون يديه الى جسده بالحزام قال له رجل الدين تشهد، فصاح بصوت عال:
“اشهد ان لا إله الا الله.. تحيا الماركسية اللينينية.. الموت للفاشية”
وفجأت رن الهاتف، وبعد ثانيتين او أقل صرخ احدهم “أوقفوا التنفيذ”. وفي هذه الاثناء جاء مدير السجن راكضا يصيح من بعيد اوقفوا التنفيذ: – “خو محد انعدم”.
اعادونا الى زنزاناتنا في قاطع المحكومين بالاعدام. وسمعنا الضجة في سجن الثقيلة كله مع “الهلاهل” كما لو انه عرس، يا لجمال العراقي ونبله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ - فائز وديع: عضو اللجنة الصدامية للحزب الشيوعي العراقي – القيادة المركزية. أعدم قبلنا بشهر.
- ظافر: ظافر النهر: قائد تنظيم جيش التحرير الشعبي في العراق. أعدم قبلنا مع ثلة نبيلة من رفاقه عددهم خمسة.
- “القيادة”: يعني بها الحزب الشيوعي العراقي -القيادة االمركزية.
- عامر:- هو عامر عبدالله عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي ل.م آنذاك. الحزب الذي كان متحالفا في جبهة مع نظام الحكم البعثي، وكان “عامر” وزيرا للدولة في اثناء الحكم على عشرات الشيوعيين بالاعدام.
- 11/12/2024
