مثلثات الصراع الإيراني الإسرائيلي!
جمال الطاهات
نموذج مثلثات الصراع الإقليمي يقدم مادة خصبة لاشتقاق الخيارات الاستراتيجية للعديد من الدول. وهو نموذج تحليلي لتوضيح طبيعة الصراعات الإقليمية بشكل عام، وما يجري في منطقة الشرق الأوسط على وجه الخصوص، بعد تداعي كل منظومات العمل الجماعي فيها، من جامعة عربية وغيرها من هياكل العمل الإقليمي.
فحين يتصاعد الصراع بين قوى تختلف مزاياها وطبيعة مصادر قوتها، وفي ظل غياب منظومات عمل وأمن جماعي إقليمي، تتزايد فرص الصدام بين القوى المتنافسة، وتتكشف المسافة الفاصلة بين التحالف والحياد والاشتباك المباشر، وتتضح فرص وعائدات كل من هذه الخيارات أمام الأطراف الإقليمية المختلفة. فالصراع يصبح بحد ذاته مولداً (أو قابلة تاريخية) لتوليد علاقات قوى إقليمية جديدة. وربما أهم ما قد يوضحه نموذج مثلث الصراع الإقليمي وديناميته الخاصة هو تراجع وزن وفاعلية العامل الدولي (وبالذات الولايات المتحدة) في ضبط تفاعلات القوى الإقليمية دون أن تتورط مباشرة في هذا الصراع.
إيران تسعى للحفاظ على قطاف ربع قرن من الجهود المتراكمة لتحقيق بعض أحلامها – التي قادت تحولها من مملكة فارس إلى أيران. وإسرائيل تندفع لمعركة هامش “عدم يقينها” كبير جداً وغير معهود، وتتقبل كل مخاطرها وكلفها المحتملة، لاستعادة مكانتها الإستراتيجية -التي تضررت بشكل كبير خلال العام الماضي- عبر فرض نفسها مركزاً إقليمياً مهيمناً لعقود أو قرون قادمة.
مثلث السعودية إيران إسرائيل:
يقدم الصراع الإسرائيلي الإيراني (عبر اضعافه لطرفيه) فرصة لتعزيز المكانة الإقليمية للسعودية على حساب كل من المتصارعين. ولكن شرط هذا المكسب هو موقف سعودي حاسم يعيد رسم ملامحها إقليمياً، من مجرد قوة نفطية مالية، إلى مركز ثقل إقليمي لديه ما يمكنه من الحفاظ على استقلاله، وينهي أحلام اليمين الإسرائيلي بتحويله إلى تابع يخوض معركة إسرائيل ضد إيران، ويكبد السعودية الكلفة الإستراتيجية للأحلام الإسرائيلية في الهيمنة على الإقليم. والملفت للنظر، بان رفض السعودية دخول التحالف بشكل مباشر أو غير مباشر مع إسرائيل، يزيد من احتماليات وفرص الحرب الإيرانية الإسرائيلية، ويمكنها من إعادة رسم منظور الامن والتهديد بين ضفتي الخليج. والتحدي هو في قدرة السعودية أن تحتفظ بحيادها في هذا الصراع، كشرط لقطف ثماره.
مثلث تركيا إيران وإسرائيل:
تركيا لا تحتاج لتوضيح ملامحها كقوة إقليمية، وهي عكس السعودية، ليس لها أي مطلب من أي من طرفي الصراع، وهي أكبر من أن يسعى أيهما لتوظيفها، لهذا تسعى للحفاظ على موقف المراقب الذي يرصد الصراع الإسرائيلي الإيراني (من خلف التل) وانتظار ما يقدمه لها من فرص. الصراع الذي سيضعف طرفيه يقدم لتركيا فرص كثيرة لتعزيز مكانتها الإقليمية، وجل ما تحتاجه المراقبة الحثيثة لاستثمار الفرصة.
مثلث مصر إيران وإسرائيل:
هدف مصر هو منع شظايا هذا الصراع من التأثير عليها. والنظام المصري الذي يصر على استراتيجية الانكفاء، قد لا يمنح مصر أي فرصة لتحقيق أي مكسب استراتيجي من هذا الصراع إلا بعض العائدات المالية لقاء تقديم بعض التسهيلات للطرفين. فمصر التي تنقلب على ماضيها كمركز للإقليم، وتصر على التصرف كأن (لا ناقة لها ولا جمل) في صراعاته المختلفة، لن تستطيع أن تحقق مكاسب استراتيجية من الصراع القائم، (وربما كما قيل: أنها فقدت أسنانها نتيجة لفقدانها شهيتها الإقليمية)، فلم تعد إلا جغرافيا مطلوب من الآخرين تجنبها، على عكس الأردن الذي تحول بفاعلية (اعتماد التسول كخيار اقتصادي) إلى جغرافيا فارغة متاح للآخرين توظيفها.
مثلث الأردن إيران وإسرائيل:
بغض النظر عن تصريحات المستبد الفاسد وحواشيه، التي تحاول أن تقنع الشعب الأردني بأن الأردن امبراطورية لا تتأثر بالصراعات الإقليمية، فالحقيقة أنه ليس لدى الشعب الأردني ما يقيه نار هذا الصراع. وسوف تكشف مآلات الصراع -أياً كانت- سفاهة الأوهام المعلقة على أن عائدات التسول مؤشر على مكانة دولية وإقليمية. فإذا تصاعد الصراع لحرب شاملة سوف يكون الأردن في رحاها، وإذا تم ضبط هذا الصراع نحو مستويات أقل شدة، فلن يكون الأردن في منأى عن نيرانها.
تحالف المستبد الفاسد وعائلته مع إسرائيل على مدى عقود، لم يعد كافياً لتجنيبه استحقاقات الصراع. كما أن ألاعيب السيرك الإعلامي لن تقدم مخارج من لهيب الصراع ولا واقي من شظاياه. ومكر التاريخ (وهو التعبير الذي يحب تكراره الدكتور هشام غصيب) سوف يظهر قريباً في الأردن. فمع تكريس المستبد الفاسد لكل السلطات بين يديه، ومع كل ما حققه من اضعاف لمؤسسات الدولة، واختزالها جميعاً، بما فيها الجيش الوطني والأجهزة الأمنية، إلى مجرد أدوات لتعزيز سلطته، سوف تتحول إلى عبء عليه. كما لن يكون ممكناً تحميل الشعب الأردني (بعد عقود من تفكيكه السياسي وتهميشه) أي أعباء للحفاظ على هياكل مؤسسات دولة سرقت منه.
الحقيقة المرة، أنه لا يوجد قوى دولية أو إقليمية تقوم بحماية الأردن على حساب أي من طرفي الصراع (ربما باستثناء مملكة البحرين ومليكها صاحب العظمة). فأمام الشعب الأردني فرصة استباق الاحداث، والمبادرة بضرب مخلب الهيمنة الإسرائيلية على الأردن، عبر الهجوم الفوري على عنوان هذه الهيمنة (المستبد الفاسد وعائلته)، فهذا من شأنه أن يحول الأردن من مجرد جغرافيا (عمل المستبد الفاسد وعائلته على تأجيرها والمتاجرة بدورها الإقليمي عبر عقود) إلى طرف إقليمي يكتسب ملامحه المستقلة عبر الاشتباك بصراعات المراكز الإقليمية. وهذا قدر الأردن الذي تمليه الجغرافيا، ان يولد وأن تتطور ملامحه عبر أخذ دوره بالصراعات الإقليمية.
أخيراً لا بد من التذكير، أن نموذج مثلثات الصراع، هو تقنية لتحليل الصراعات الإقليمية، هدفها بكل بساطة اكتشاف أثر الصراع بين مركزين إقليميين على كل طرف من بقية أطراف الإقليم. فأطراف الصراع، تصبح مضطرة تحت ضغطه تغيير سلوكها تجاه العديد من الأطراف الإقليمية التي تراقب وتسعى لاشتقاق خياراتها. والشعب الأردني أيضاً يراقب ويتابع، ولكن يجب أن يكون ذلك لاشتقاق خيارات تمكنه من استرداد دولته سلطة وموارد، وتكريس نفسه كحقيقة سياسية مستقلة. وعلى رأس تلك الخيارات التخلص من مخلب الهيمنة الإسرائيلية المتمثل في المستبد الفاسد وعائلته، وتمكين الأردن من التحول من مجرد جغرافيا للتوظيف إلى وطن لشعبه، يبني به دولته الحقيقة التي تعبر عن قيمه وتخدم مصالحه في ذات الوقت.
2024-11-07
