البرامكة الجدد….!
اضحوي جفال محمد*
كلما وردت سيرة سعود القحطاني وتركي آل الشيخ استدعت الى بالي سيرة البرامكة في دولة بني العباس. كأنها قصة تتكرر حرفياً، لا ينقصها الا ان يبطش بهما الملك ذات كبوة.
كان البرامكة في عهد الرشيد يقبضون على الدولة بكامل تفاصيلها، فقد وثق بهم الخليفة وأسلمهم الخيط والمخاط. وكان لهم دور مأثور في ايصاله العرش بعد ان فكر أخوه موسى الهادي بخلعه من ولاية العهد. ذات الدور الذي يكتنف دور القحطاني وآل الشيخ في مؤامرات القصر حتى انجلت الغبرة عن ابن سلمان ملكاً غير منازع.
ثقة ابن سلمان بهما الان لا تقل عن ثقة الرشيد بالفضل وجعفر البرمكيين. والصلاحيات الممنوحة لهما تضاهي صلاحيات البرمكيين. لكن ابن سلمان غير قادر على الانقطاع للّهو كما كان يفعل الرشيد، فدولته مختلفة عن تلك الدولة رغم ان كليهما في عز شبابها وقوتها وثراها. الفارق ان العصر غير العصر.
قديماً كانت مهام الدولة لا تتعدى ولاةٍ يجمعون الخراج، وجيش يجهّز في اوقات متباعدة لغزوة او اخماد تمرد، وقضاة موزعون في الانحاء لحل المنازعات. وما عدا ذلك جلسة استماع للمظالم يؤديها متفضلاً الخليفة او وزيره. اما الان فحياة متشعبة لا تقبل التوقف ساعة واحدة يصر الامير ان يديرها بنفسه رغم انها تستهلك الف امير وامير. وهنا بيت القصيد: فلم اسمع ان حاكماً في العصر الحديث نجح منفرداً في ادارة دولة بالمساعدين والجهاز الاداري وحده.
يزيد من خطورة المهمة ان ابن سلمان قليل الكلام الى درجة تنزع عن الدولة ذراع التوجيه العلوي كبديل عن أوامر غير متوفرة. في القضاء عندما تواجه المحكمة قضية غير منصوص عليها في القانون يعرف القاضي كيف يستل الحكم من مبادىء العدالة او السوابق القضائية او حتى الاعراف. وفي السياسة يمثل الحزب او ادبيات النظام الحاكم مرجعاً يستعان به في توجيه المسيرة. لكن السعودية الان بلا حزب وبلا نظام سياسي ذي تقاليد. فالنظام السياسي الحالي بدأ مع محمد بن سلمان، ومحمد بن سلمان لا يتكلم ولا يسمي ناطقاً بإسمه. كل ما هناك ان سعود القحطاني غرد قبل ست سنوات بأنه لا يقدح من رأسه في ما يقول، وفُهم من التغريدة ان تصرفاته ارادة ملكية. فهل يجازف احد بعد هذه التغريدة ان يجادل في اوامر القحطاني؟. وهل يلتزم القحطاني مع الوقت بمقاصد الملك ام تتسع ذاته مع الايام؟. بل ان اتباع القحطاني واتباع اتباعه سيتحولون في هذا المناخ الذي لا تصله الشمس الى ملوك صغار وحيتان فساد. ولا بد ان يأتي يوم يقرر فيه الملك القادم تطهير مؤسسة الحكم من ركامات العفن. وعندها نسمع (الدوبيت) او فنّاً آخر يماثله.
( اضحوي _ 1864 )
2024-09-12