“جلاديو” … في انتظار أندريوتي عربي!
محمد ابو عريضة
لم يكن رئيس وزراء إيطاليا “جوليو أندريوتي” يعلم أن اعترافه بحقيقة وجود منظمة “جلاديو”، وبأنه تعاون مع فرعها الإيطالي خلال الحرب العالمية الثانية وبعدها، سيكلفه كثيرًا، وسيجعله يدفع ثمنًا باهظًا. فقد أتهِمَ أهم رئيس وزراء إيطالي في النصف الثاني من القرن العشرين “أندريوتي” بعد اعترافه الشهير عام 1990 باثني عشر عامًا، بالتواطىء مع المافيا الإيطالية في عملية قتل الصحافي الإيطالي “مينو بيكوريللي” عام 1979. صحيح أن المححكمة برأته، غير أن هذه البراءة جاءت بعد سنوات من التحريض ومعاناة كبيرة بين أروقة المحاكم. هذه البراءة لم تكن تعني شيئًا لرجل تجاوز الثمانين من عمره، جرى تشويه سمعته على مدى عشر سنوات. مات الرجل عام 2013 ومرارة الألم تملأ فمه، والشعور بالظلم يهيمن على رجل خدم بلاده بإخلاص، كما يعتقد هو، وكما كانت ترى، حينذاك، شرائح واسعة من المجتمع الإيطالي، وما زالت نسبة كبيرة من الإيطاليين يتعبرونه أحد أبرز زعمائهم، برغم كل محاولات التشويه والشيطنة.
لا يهمنا في هذا المقام إن كان “أنديريوتي” بريئًا أو مدانًا، وإن كان الشعب الإيطالي يحبه أو يكرهه، أو كان قد شارك في قتل الصحافي محور المحاكمة، أو كان قد تعاون مع المافية الإيطالية أم لم يتعاون. ما يهمنا في سياق ما نعانيه اليوم من انتشار الحشرات الإلكترونية – البراغيث والذباب والبعوض والنمل وغيرها – الاطلاع على تجارب “الطابور الخامس” – الجواسيس أو العملاء وراء خطوط العدو -، لمعرفة كيف عملوا، وماذا كانوا يفعلون، وما هي أهدافهم، في محاولة لإجراء مقاربات قد تنفعنا في تصنيف من هم من الحشرات الإلكترونية ويتعاونون مع الأعداء، ومن هم من المضلل بهم. إذًا؛ هي محاولة للفهم للاستنتاج وتشكيل قناعات.
فما هي منظمة “جلاديو”؟
وكيف جرى الكشف عليها؟
وفق ما هو منشور على الشبكة العنكبوتية فإن “غلاديو”، وبالإنجليزية “Operation Gladio” تعني: الاسم الحركي لشبكة من المنظمات والتشكيلات شبه العسكرية السرية، أُسست كطابور خامس خلال الحرب العالمية الثانية، لتنسيق عمليات المقاومة المسلحة في أوروبا، وبعد أن سكتت المدافع؛ عملت، بشكل وثيق، مع حلف الناتو ووكالة المخابرات المركزية الأمريكية والعديد من الأجهزة الاستخباراتية الأوروبية خلال فترة الحرب الباردة.
وتشير معلومات أخرى منشورة أن شبكات التجسس التي شكلتها الولايات المتحدة الأمريكية خلال الحرب العالمية الثانية لم تكن تسمى بـ “جلاديو”، بل اكتسبت هذه المجموعات هذا الاسم الحركي عام 1948 في إطار محاربة الشيوعية، بعد أن كانت تعمل خلال الحرب لمواجهة ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية.
أنشئت هذه المنظمات بهدف تنسيق عمليات التصدي لأي هجوم من قبل حلف وارسو بهدف احتلال وإخضاع أوروبا الغربية، غير أن عملياتها تحولت للتركيز على مهاجمة الأحزاب والتنظيمات الشيوعية. تجدر الإشارة إلى أن الاسم “غلاديو” هو اسم الشق الإيطالي من الشبكة؛ واقتبس من اسم السيف الروماني القصير “جلاديو”، الموجود على شعار المنظمة.
غير أن هذه الأسم أصبح يطلق بشكل عام في الأوساط المختصة على كل التنظيمات السرية التي أنشئت للأغراض نفسها، إذ أن تنظيمات مماثلة تأسست في أغلب دول حلف شمال الأطلسي كفرنسا وهولندا واليونان وتركيا وسويسرا والسويد.
هاجمت العديد من المنظمات المسلحة اليمينية المرتبطة بهذه التنظيمات أحزابًا ومنظمات يسارية أوروبية، مستخدمةً أساليب التعذيب والهجمات الإرهابية والتفجيرات وعمليات القتل المنظمة في دول أوروبية وغيرها كتركيا، على سبيل المثال، خلال فترة الحرب الباردة. كما أن مسؤولية ودور وكالات الاستخبارات الأجنبية كوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في أحداث العنف التي جرت خلال سنوات الرصاص في إيطاليا ما تزال محل نقاش كبير.
يشار أن”أندريوتي” قدم للمحققين، خلال الكشف عن هذه المنظمة في إيطاليا، قائمة تضم أسماء 622 مدنيًا ما زالوا على قيد الحياة من أعضاء “جلاديو”، كما أفاد بأن 127 مخبئًا للأسلحة تم إفراغها، قبل أن يشير إلى عدم تورط المجموعة في الهجمات الدامية التي هزت إيطاليا خلال “سنوات الرصاص”، التي سيطرت فيها المافيات الإيطالية على الشارع.
البرلمان الأوروبي، بعد الكشف عن منظمات “جلاديو” تبنى قرارًا ينص على ضلوع أجهزة المخابرات لبعض الدول الأعضاء في أعمال إرهابية خطيرة وجرائم ضد المدنيين، غير أن التقرير لم يشر إلى ما يشي بتورط رؤساء هذه الأجهزة أو رؤساء الدول في نشاطات “جلاديو”. طالب البرلمان الاوروبي الدول الأعضاء بإجراء تحقيقات قضائية مستقلة عن هذه التنظيمات السرية، ومدى تغلغلها في مؤسسات الدول، إلأ أن إيطاليا وسويسرا وبلجيكا هي فقط التي أجرت هذه التحقيقات. وتؤكد معظم المعلومات المنشورة أنها كانت تحقيقات صورية، لم تغص عميقًا في تفاصيل عمل هذه المنظمات، إلا إن كانت فعلت ذلك، ولم تفرج إلا عن اليسير مما لديها من معلومات.
هذه هي منظمات “جلاديو” السرية، التي ارتكبت آلاف الجرائم؛ فجرت واغتالت وعذبت ونفذت أفعالًا غير قانونية في أوروبا، أي في الدول الحليفة للولايات المتحدة الأمريكية، وتعتبر من الغرب الذي تنتمي له أمريكا، فماذا تفعل واشنطن في الدول غير الصديقة أو التابعة لها من غير الدول الغربية؟
وما هو الاسم الحركي للمنظمات العاملة في بلادنا العربية؟
وهل تورط في أعمال هذه المنظمات زعماء ومسؤولين عرب، ام أن الأمريكان اكتفوا بتجنيد أعضاء من عامة الناس؟
وماذا تفعل هذه المنظمات بعد “طوفان الأقصى”؟
أسئلة كثيرة، ستبقى الإجابة عنها في بطن المخابرات المركزية الأمريكية، إلى أن يظهر “اندريوتي” عربي، يعترف ويكشف المستور.
تبنى البرلمان الأوروبي سنة 1990 قرارًا نص على ضلوع أجهزة المخابرات العسكرية التابعة لبعض الدول الأعضاء في أعمال إرهابية خطيرة وجرائم ضد المدنيين، إلا أن التقرير لم يشر إلى مدى معرفة عن هذه التنظيمات السرية، المنظمات السرية.[ت 3] حث القرار كافة الدول الأعضاء على إجراء تحقيقات قضائية عن هذه التنظيمات السرية بغية الكشف عن طرق عملها ومدى تغلغلها في مؤسسات الدولة. لم تقم أي من الدول الأعضاء ما خلا إيطاليا وسويسرا وبلجيكا بإجراء أي تحقيقات معلنة في أنشطة هذه المنظمات.
2024-09-02
