في رحيل باقر إبراهيم… كلمة حق وشهادة شخصية!
حسن ناجي

عندي “ان كان لي عند” … ان ما يحسب لباقر إبراهيم، حسابا ثريا، تأريخه النضالي الطويل ونزاهته الشخصية، ونظافة يديه وعدم استغلاله لمركزه الحزبي لمنافع شخصية، ورفعة اخلاقه وسلوكه الاجتماعي، وكفاءته التنظيمية القيادية النادرة.
وعندي، “وثانية ان كان لي عند”، ان الراحل الكريم أخطأ فكريا وسياسيا في مراحل هامة من تاريخه وتاريخ الحزب، في سنوات الصراع الفكري والسياسي الداخلي للحزب في ستينات من القرن الماضي، حين كان أحد مقرري سياسة آب 1964، وفي السبعينات وسياسة التحالف مع البعث، وفي الثمانينات، ولاحقا، في ميله لمهادنة نظام صدام. الا ان ما وصفته بأخطائه السياسية والفكرية، كانت عن قناعة واجتهاد فكري وسياسي، بعيدا عن الانتهاز الشخصي، الرجل كان مخلصا لما تعلمه من “سوسلوف و”بوناماريوف” والمدرسة السوفيتية الراحلة، ومقتنعا به حتى النخاع.
لكن، وهذه اللكن مفصلية وذات مغزى وأثر، باقر إبراهيم رحل وهو لا يملك شيئا، سوى رعاية الدولة السويدية له ولعائلته، مع انه كان عضوا في المكتب السياسي وسكرتير التنظيم لسنوات طويلة. لم يستغل مركزه الحزبي لمنافع شخصية، ولم يسلك سلوك انتهاز الفرص، خرج من قيادة الحزب نظيف اليدين والسمعة.
اتيحت لي فرصة معايشته في مقرات الحزب بكردستان، وكنت جاره لشهرين في غرفته الفقيرة بدمشق منتصف التسعينات، سلوكه الشخصي والأخلاقي، كان نموذجيا، سمعته الاجتماعية كانت نقية بامتياز، ولم أر أو أسمع ما يشوبها.
واتيحت لي، أيضا، فرصة العمل تحت اشرافه الحزبي، حين عدت للنضال السري في بغداد، منذ 1982 وبقي مشرفا على عملي حتى المؤتمر الرابع منتصف الثمانينات، حين خرج من قيادة الحزب. وإذا كان لي ان أقدم شهادة شخصية عن كفاءته القيادية التنظيمية، لم أر أكفأ منه في هذا المجال، وفي سنوات العمل السري أشرف وقاد عملي الحزبي بالتناوب ثلاثة من أعضاء المكتب السياسي، هو أحدهم، وثلاثة آخرين من أعضاء اللجنة المركزية، هو كان الأكفأ بامتياز، ولولا الخشية من الاطالة، لكتبت ادلة ملموسة عن تميزه هذا.
شخصيته القيادية والنضالية كانت إيجابية، واختصارا لم يكن “طاووسا” ولا “ديك رومي”، كان يحمل طبائع الرعيل الأول من القادة المناضلين. لم يسع لمجد شخصي مزيف، ولم يسع، أيضا، للانتقام الشخصي من معارضيه والمختلفين معه، وحين آل مآل الصراعات الحزبية القيادية الى خروجه من قيادة الحزب، ارتكن جانبا، لم يتمسك بكرسيه الحزبي بل متمسكا بآرائه وقناعاته السياسية والحزبية ويصرح بها دون مهادنة، حتى مرضه وشيخوخته، وهذا من حقه الشخصي.
الراحلون باقر إبراهيم وزكي خيري وعامر عبد الله وقادة آخرون، رحلوا وهم خارج قيادة الحزب ومختلفون معها، لكنهم كانوا ويبقون جزءا من تاريخ الحزب وتاريخ عمله القيادي والنضالي… ليس من حق أحد أن يبخس نضالهم وأدوارهم وحقهم التاريخي.
2024-04-29
تعليق واحد
من هو كاتب هذه التعزية رجاءا