لماذا تشجع إسرائيل إقامة رصيف بحري (مؤقت) في غزة للمساعدات.. وتمنع دخولها عبر معابره البرية الست؟
رامز المغني*
أمر يدعو للاستغراب وإثارة التساؤل. فمع بداية حرب الإبادة على غزة، والاحتلال شجع بل وطالب في نهاية أكتوبر الماضي بإنشاء رصيف بحري في غزة، يستقبل المساعدات الإنسانية الدولية التي ستحط رحالها في ميناء قبرص. بالمقابل يرفض كل المطالب والضغوطات الدولية السماح بحرية دخول المساعدات الإنسانية إلى غزة عبر معابره البرية، والتي يسيطر الاحتلال على جميعها، بما فيها معبر رفح. لكن الحال يختلف عند الحديث عن رصيف بحري (مؤقت) كما يشاع، لإدخال المساعدات الإنسانية إلى غزة. فنراه متشجعا، بل ويبادر إلى تذليل كافة العقبات اللوجستية والسياسية المتعلقة بإنشاء الرصيف. فهل حقا الإحتلال الإسرائيلي، ومن خلفه الولايات المتحدة الأمريكية، إشتعل فيهم ضمير الإنسانية بعد 5 أشهر من حرب الإبادة الجماعية بحق المدنيين في غزة، تحت ذريعة القضاء على قدرات حماس العسكرية؟ وهل فعلا ألمهم موت الأطفال جوعا في شمال غزة؟ ويخشون على أكثر من مليوني إنسان من تبعات الحصار الإسرائيلي وألة حربه؟
بكل تأكيد لا، وكبيرة أيضا! وإن كان كذلك، فالولايات المتحدة كانت ولا زالت قادرة على إجبار إسرائيل على وقف حربها على غزة منذ الشهر الأول لها، وعدم استخدام الفيتو ثلاث مرات أمام قرارات تدعو الى وقف الحرب في مجلس الأمن، بل وقادرة على إجبار إسرائيل على فتح المعابر البرية للقطاع، لإدخال المساعدات الإنسانية الى سكانه المدنيين. وعدم إنتظار سكان القطاع شهري أخرين من حرب الإبادة والحصار، الى ان يتم انشاء هذا الرصيف البحري!
الأمر أكبر من ذلك بكثير، وبات واضحا أنها خطة إسرائيلية أمريكية التقت فيها مصالح الطرفين.
فمن جهة إسرائيل، فهي تسعى إلى تهجير سكان القطاع عبر هذا الرصيف المؤقت الى شتى بقاع الأرض، وما سياسة الأرض المحروقة التي تمارسها في حربها على غزة، من تدمير كل أشكال الحياة المدنية، والمؤسسات السيادية والتعليمية والصحية والخدمية، الا دليل واضح على هذا المخطط. فبعد ان تضع الحرب أوزارها، لن يكون هناك أي شكل من مقومات الحياة والمعيشة في غزة، ما سيدفع سكان القطاع الى تأمين مستقبل ابنائهم خارج غزة. وستعمل إسرائيل على تشجيع بل وتسهيل حركة هجرتهم (الطوعية) عبر هذا الرصيف البحري إلى الخارج. وبذلك تكون قد قضت على اكبر معضلة في برنامجها الإحتلالي العنصري، دون إلحاق أذى بمشروع التطبيع العربي، وعلاقاتها مع مصر، في حال تم تهجير سكان القطاع الى سيناء، الذي من الوارد جدا أن يترتب عليه مخاطر إستراتيجية كبيرة على دولة الإحتلال، من خلال إعادة تشكيل وبناء المقاومة الفلسطينية نفسها في سيناء، وشن هجمات على دولة الإحتلال من هناك.
ولربما نرى هذا الرصيف يعمل كميناء لحالات الطوارئ في حال تعطل العمل بميناء حيفا الإستراتيجي؛ ان خاضت إسرائيل حربا مفتوحة في الشمال مع حزب الله. بالتالي سيعمل رصيف غزة، كميناء مؤقت لدولة الإحتلال، يساهم في إستمرار تدفق البضائع والمساعدات لإسرائيل في حالة الحرب.
كما من المرجح أن نرى مستقبلا إرتباط هذا الرصيف البحري بحقل غاز غزة، ضمن ترتيبات أمنية وإقتصادية بين دولة الإحتلال ودول المنطقة، وحتما لن يكون للفلسطينيين دور فيه، كون غزة تم إفراغها من أهلها، وأحكمت السيطرة الأمنية الإسرائيلية عليها.
ولربما نرى في مستقبل ليس ببعيد، بدء مشروع الأحلام، شق طريق مائي (قناة بن غوريون)، بديلة لقناة السويس، وما سيصاحبه من إنشاء شبكة طرق برية للتجارة الدولية، تربط دول المنطقة بإسرائيل بالعالم، ورأس هرم هذا المشروع رصيف غزة البحري المؤقت! وهو ماسيجعل دولة الإحتلال في مكانة متحكمة، من الصعب جدا على دول المنطقة معاداتها. كونها تمثل شريان رئيس لحركة التجارة الدولية.
أما في ما يخص الولايات المتحدة الأمريكية، فإن الرصيف البحري المؤقت في غزة سيكون بمثابة خطة لمواجهة مشاريع الصين وروسيا وحلفائهم في المنطقة، كمبادرة الحزام والطريق. التي تسير بتقدم بطيء وصمت. فالرصيف الذي يدٌعون أنه مؤقت، سنكتشف لاحقاً أنه ضمن خطة سياسية، إقتصادية، إستعمارية جديدة، أكبر بكثير مما يتم الترويج له.
إن تحقق ذلك في غزة، ستسعى إسرائيل لاحقاً، الى تطبيق خطة مشابهة في الضفة الغربية، التي ينهشها الإستيطان بشكل يجعل حياة الفلسطينيين يزداد جحيما يوما بعد يوم. وما هي الا سنوات قليلة، وسنرى مشهد تشجيع الهجرة (الطوعية) الماكرة يتكرر في الضفة الغربية أيضا.
إن لم تنتبه الفصائل الفلسطينيية لهذه المخططات، واستفاقوا من سباتهم وطيشهم السياسي، وحاولوا تقويضها قبل فوات الأوان، فلن يكون لهم فيها ناقة ولا جمل!
كاتب ومحلل سياسي
غزة – فلسطين
2024-03-29