العراق في ضوء “طوفان الاقصى” 7 اكتوبر “!
رؤية سياسية
الحكومة العراقية
عدا الكلمة التي ألقاها رئيسُ الوزراءِ العراقي التي ضمَّنَها شجبَهُ واستنكارَهُ لجرائمِ العدوِ الصهيوني المحتلِّ في غزَةَ، التي أطلقَ عليها إسمَ “العمليات العسكرية”، في اجتماعِ القاهرة الذي دعتْ إليهِ مصرُ في أكتوبر 2023، لم يصدرْ عن الحكومةِ العراقيةِ أيَّ موقفٍ أو إجراءٍ يُثبتُ أنَّ العراقَ معنيٌ بالقضيةِ الفلسطينيةِ، ويمكنُ أنْ يحرجَ أمريكا التي تدعمُ العدوَّ الصهيونيَ بكاملِ قدراتِها العسكريَّةِ والسياسيةِ، وهي تجنّدُ المرتزقةَ وتدفعُ بقواتِها المختلفةِ الصنوفِ إلى الأرضِ المحتلّةِ للقتالِ إلى جانبِ جيشِ العدوِ المنهزمِ والخائفِ من مواجهةِ المقاومةِ في غزة.
ثُمَّ سادَ الصمتُ بعدَ اجتماعِ القاهرة على كلِّ شيءٍ، ولم نشهدْ أيَّ فعلٍ حكومي أو أيَّ دعوةٍ جادةٍ وحقيقيةٍ لمواجهةِ العدوانِ على غزة لأسابيعٍ، بلْ الأكثر غرابة أنَّ أمريكا قامتْ بنشرِ قواتٍ جديدةٍ في العراق لدعمِ جيشِ الاحتلالِ الصهيوني، وصمتتْ حكومةُ بغدادَ، ولم ترفضْ هذا الانتشارَ الجديدَ للقواتِ القتاليةَ الأمريكيةَ على أراضينا في الأسبوعِ الأولِ من العدوانِ على غزةَ، مع وضوحِ المهمَّةِ العدوانية لهذا الانتشارِ الأمريكيِ. وهي المهمةُ التي كشفتها أمريكا بلا تردد حينما قالتْ عنها “جاءَ نشر قواتنا لمنع اتساع رقعة الصراع”، وهي لغةُ تهديدٍ متعجرفةٌ وصريحةٌ وصورةُ واضحةٌ عن التلويحِ بعصا التأديبِ. كذلك لم تعلقْ الحكومةُ سلباً ولا ايجاباً، ويثبتُ هذا الصمت تواطئاً خيانياً.
وفي انتباهةً للإهمالِ الحكومي المفضوحِ لما يواجهُهُ شعبُنا في غزة، بعد أكثر من شهرين، أرسلتْ الحكومةُ أوّلَ شحنةِ مساعداتٍ يوم 21/12/2023، سفينةً عراقيةً محملةً بـ 10 ملايين برميلٍ من الوقودِ إلى أهالي غزة كما تدّعي، لكن الشحنة اتجهتْ إلى “ميناء سيناء البحري” بالاتفاقِ مع السلطات المصرية. ولم يجرْ السؤالُ بعد ذلك عن مصيرِ هذه الهبةِ البائسةِ وغيرِ المتقنةِ التنظيمِ، واختفى الوقودُ في الجانبِ المصري في فوضى منعِ دخولِ المساعدات إلى غزة. ولم يُعرفْ مصيرُهذه الهبةِ. وفي محاولة بائسة أخرى لتقديم المساعدات لأهلنا في غزة، سلَّمَ العراقُ في آذار الحالي 2024 كميةً من الطحينِ مقدارُها 480 طناً إلى الأردن لكنها ذهبت إلى “مخازن الغبّاوي التجارية” في عمان ولا أحدَ يعرفُ مصيرَها، فيما تَرسلُ بلدانُ العالمِ، مثل الكويت، لجنتَها للمساعدات حتى غزة لضمانِ وصولِ ما ترسله إلى المستهدفين في غزة، وتوزَّع بأيدي ممثليها شخصياً.
في الأيامِ الأولى لطوفانِ الأقصى لوحظَ الجهدُ الأمريكيُ في الضغطِ على الحكومة العراقية لتحجيمِ مشاركتِها ووضعِها تحتَ الالتزام المطلوب منها أمريكياً، في الخضوعِ إلى هيمنتِها المطلقة من جهةٍ، ولكبحِ الفصائلِ المسلحةِ المرتبطةِ بالحشدِ عن شنِّ هجماتٍ مسلحة ضدَّ القواعدَ الأمريكيةِ في العراق، بما فيها قواعدَها التي في أربيل من جهة أخرى. بالمقابلِ لم تتوقفْ الوفودُ الإيرانيةُ الحكوميةُ عن القدومِ إلى بغداد، حيث التقتْ هذه الوفودُ بأحزابِ الإطارِ التنسيقي الحاكمِ، والتقتْ بشكلٍ منفردٍ فصائلَ مسلحةٍ شيعيةٍ أيضاً، ولا بدَّ أنَّ هذه الاجتماعات وضعتْ تصوراتَها السياسيةِ وتوجيهاتها في آذانِ هذه الفصائلَ، واشعلت حماسَها أيضاً، مع ضروراتِ التأني المعروفِ في السياسة الإيرانيةِ.
هيئة الحشد الشعبي
من جانبٍ آخرَ، وبعد تصاعدِ عمليات القصفِ والعدوانِ على غزة، وعلى أثرِ تصدّي المقاومةِ الفلسطينية ببسالةٍ للاجتياحِ الصهيوني للقطاع، وارتفاعِ صوتِ الاحتجاجات ضدَّ فضاعةِ وهمجيةِ القصفِ الاجرامي على السكانِ المدنيين، وبعدَ مرورِ أكثرَ من ثلاثةِ أسابيعَ على “طوفان الأقصى”، دعتْ “هيئةُ الحشدِ الشعبي” لاجتماعِ فصائلَ الحشد في بغدادَ الذي صادفَ يومَ 2 تشرين الثاني/2023. ونشرَ الحشدُ مشاهدَ من الاجتماع الذي سمّاهُ “اجتماعاً طارئاً”، وهو اجتماعٌ متأخرٌ جداً بناءً على الظرفِ الحسّاسِ وتطوِّرِ الأحداثِ وخطورتِها. ولم تحضرْ فصائلَ الحشدِ جميعُها هذا الاجتماع لأسبابٍ غير معروفةٍ. فيما ترأسَ الاجتماع “عبدالعزيز المحمداوي” المعروف بـ “ابو فدك” بوصفهِ “رئيس أركان الحشد الشعبي!” والذي يحظى بحضورٍ مميّزٍ قد يفوق حضورَ “الفياض” رئيسِ الحشدِ. ويُعتبرُ “ابو فدك” للمقربين خليفةُ “أبو مهدي المهندس”.
أشار “أبو فدك” إلى حسّاسيّة الظرفِ الراهنِ وحالةِ الإنذارِ الضروريّة، مؤكداً على الالتزامِ بما اتفقتْ عليه الفصائلَ في السابق، وهي إشارةٌ غامضةٌ. لكن ما الذي اتفقتْ عليه الفصائلَ سابقاً؟ ومتى؟
على الرغمِ من أنّ الاجتماعَ كان متأخراً جداً، 2 نوفمبر/ تشرين الثاني قياسا بتاريخ 7 اكتوبر، وهو أمرٌ يدلُّ فيما يدلّ عليه أنَّ القضيّةَ الفلسطينيةَ لهذه الفصائلَ تخضعُ للظروفِ السياسية التي يتحركُ في فضائِها الحشدُ، فهي تأتي بالضرورةِ في آخرَ سجلِّ الأعمالِ، لكنَّ الاجتماعَ تمخضَ عن موقفٍ مهمٍ هو إعلانُ (حالة الطوارئ) لفصائلَ الحشدِ.
وفي الحقيقةِ؛ إنَّ “حالة الطوارئ” هذه تتطلبُ بعدَ إعلانِها، فعلاً ميدانياً ومواجهةً فاعلةً ضدَّ حلفاءِ العدوِّ الصهيوني وداعميه الذين تتقدمُهم أمريكا بغطرستِها العدوانيّةِ، وهي التي تحتلُ العراقَ. والمعروفُ للجميعِ أنَّ الحكومةَ تعجزُ عنْ التحرُّشِ بوجودِ القواتِ الأمريكية. وقد اعتبرَ الحشدُ في اجتماعِهِ المذكورِ أنَّ العدوانَ الصهيوني على غزة، وقتلَ الأطفالِ بهمجيةٍ متناهيةٍ أمرٌ لا يمكنُ السكوتُ عليه!. لكنَّ هذا التصريحَ لم ينتجْ عنهُ موقفاً قتالياً، أو مواجهةً عسكريةً من قِبَلِ الحشدِ. ربَّما يعودُ هذا إلى أنَّ الحشدَ مؤسسةٌ مسلحةٌ عراقيةٌ رسميةٌ. أيْ لم يكنْ يعني الإعلان عن حالةِ الطوارئِ أنَّ الحشدَ سوفَ ينخرطُ في القتالِ ضدَّ الوجودِ الأمريكي أو الأجنبي في العراقِ، وفي النتيجةِ لم ينخرطْ في أيَّةِ مواجهةٍ. عليهِ صارَ لابدَّ مِنْ قوةٍ مسلحةٍ أخرى تقومُ بهذه المهمَّةِ نيابةً عن الحشدِ.
ما هي أسبابُ التأخير؟
اجتماعُ فصائلَ الحشدِ كما سبقَ لنا أنْ قُلنا جاءَ متأخراً، وتختفي أسبابُ هذا التأخيرِ في فوضى المداخلاتِ العراقيةِ الأمريكية الإيرانية. ويصبحُ هذا الأمرُ مفهوماً إذا أدركنا أنَّ هنالك تأخيراً أيضاً في لبنانَ. فقد ألقى السيد حسن نصر الله كلمتَهُ الأولى بعد “طوفان الأقصى” متأخرةً 26 يوماً، وكانت في 3 نوفمبر / تشرين الثاني، في اليومِ التاليَ لاجتماعِ فصائلَ الحشدِ الشعبي في بغدادَ. وهذا يشيرُ إلى العلاقةِ الآيديولوجيةِ والعمليَّةِ بين الأطرافِ الشيعيةِ في كلٍّ من العراقِ ولبنانَ وسوريا وإيرانَ. ولا يفوتنا أنْ نذكرَ إنَّ وزيرَ الخارجيّةِ الإيرانيَ عبداللهيان زارَ السيّد حسن نصر الله في 8 أكتوبر/تشرين الأول، بعدَ يومٍ واحدٍ من طوفانِ الأقصى. ولابدَّ أنَّ تلكَ الزيارةَ المستعجلةَ والمفاجِئةَ كانت تحملُ رسالةً خاصّةً لحزبِ الله. وإنّ ما آلَ إليهِ موقفُ حزبِ الله في مواجهتِهِ العدوِ الصهيوني المحتلِ لا يبتعدُ كثيراً عن رسالةِ تلك الزيارة ِالمهمةِ.
في واقعِ الحالِ إنَّ ما نتجَ عن “حالة الطوارئ” التي حدَّدها الحشدُ في اجتماعه يوم 2 نوفمبر/ تشرين الثاني، هو أنَّ المواجهةَ المسلحةَ ضدَّ العدوِّ الصهيوني وحليفِهِ الأمريكي انطلقتْ بعد أكثرَ من إسبوعين من إعلانِ “حالةِ الطوارئ”. لكنَّ الحشدَ لم يكنْ هو صاحبُ هذا النشاطِ المسلّحِ والمواجهةِ المهمّةِ. فقد صدرَ البيانُ الأولُ للعملياتِ العسكرية ضدَّ الوجودِ الأمريكي، عن فصيلٍ مسلحٍ أطلقَ على نفسِهِ (كتائب المقاومة الإسلامية في العراق) معلناً استهدافَ مواقعِ العدو الأمريكي المحتل في قاعدة عين الأسد بطائراتٍ مسيرةٍ، تلتها عملياتُ قصفٍ أخرى ضدَّ قاعدةِ حريرٍ. ولقد امتدتْ هذه المواجهةُ لتشملَ قواعدَ الأمريكان في سوريا، مثل قاعدةِ التنف والشدادي وأبو حجر والمالكية وقواعدَ أخرى. وقد استمرتْ العملياتُ الهجوميَّةُ لهذا الفصيلِ المسلحِ لتتجاوزَ مئةَ عمليةٍ وهو عددٌ لا يتناسبُ وقوةِ الفصائلَ العراقيةِ ذاتِ الإمكانات الهائلةِ. لكنَّهُ كان عملاً ملتزماً وشجاعاً وفقا لمداخلاتِ الوضعِ العراقي.
وقد أعلنتْ “كتائب حزب الله” في 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، أسماءَ بعضِ الجماعاتِ المنضويةِ معها تحتَ مسمّى “المقاومة الإسلامية في العراق”، مشيرةً إلى تنظيمَي “كتائب سيد الشهداء والنجباء”، اللذين يشكلان جزءاً مما يعرفُ بـ”محور المقاومة” الذي تقودُهُ طهرانَ ويضمُّ فصائلَ إقليميةٍ أخرى، مثل حزب الله في لبنان، إضافة إلى كتائبِ حزبِ الله العراقي وجماعة “أنصار الله الأوفياء” المنشقةِ عن التيارِ الصدري، والتي يعتبرُها محللون كثيرون إحدى أهمِّ “الوكلاء العراقيين” لـ فيلقِ القدسِ التابعِ لـ “الحرس الثوري الإيراني”
لماذا تعثرت عمليات المقاومة الإسلامية في العراق؟
عانتْ العملياتُ العسكريةُ لهذه المقاومةِ من التعثّرِ وكانت متقطعةً ومتغيرةَ الحِدَّة بينَ فترةٍ وأخرى، وقد صرّحَ أحد هذه القياداتِ أنَّ العملياتَ ضدَّ قواعدِ العدوِّ الأمريكي قد تتوقف لأنَّها تحرجُ الحكومةَ في بغداد التي سبقَ لها أنْ وقَّعتْ اتفاقات مع الجانبِ الأمريكي، وبدا الأمر كما لو أنَّهم ممثِلون عن أطرافٍ رسمية حكوميةٍ لا أكثرَ. ومع إنّ العملياتَ اندلعتْ من جديدٍ، لكنّها كانت على استحياءٍ.
إنَّ التوقفاتَ في العملِ العسكري وتصريحاتَ الشخصياتِ التي تقودُ هذه العملياتَ، فيما يتعلقُ بهجماتِ الطائراتِ المسيرةِ والهاوناتِ وصواريخَ الكاتيوشا، تدلُّ على أنَّ هناكَ أطرافاً في “الإطار التنسيقي” الذي تتشكلُ منه الحكومةُ الحاليةُ، تتجنبُ التصعيدَ ضدَّ القواتِ الأمريكية وحلفائِها. وهذا منهجٌ اتبعتْه الحكوماتُ المتعاقبةُ للحفاظِ على الوضعِ السائدِ دائماً لمصلحةِ أحزابِها وسلطاتِها. وتشتركُ أطرافُ النظامِ العراقي جميعاً في العملِ على التهدئةِ وتجنّبِ الاحتكاكِ مع العدوِ الأمريكي المحتل.
يشيرُ ذلكَ بلْ ويؤكّدُ أنَّ القضيةَ الفلسطينيةَ على الرغمِ منْ خطورتِها وأهميتِها التأريخيةِ والمستقبليةِ على أوضاعِ المنطقةِ العربية، لم تحظَ بالاهتمامِ، ولم تحتلْ موقعاً في سياسةِ الحكوماتِ العراقيةِ، يؤهلُها ويضعُها في مقدَّمةِ مهمّاتِ العملِ السياسي للنظامِ برمّتِهِ مع مهماتِهِ المصيريةِ الأخرى. وفي حقيقةِ الأمرِ أنَّ هذا ناتجٌ عن قُصرِ النظرِ السياسي للهيئاتِ والمؤسساتِ والرئاساتِ للدولةِ العراقيةِ القائمةِ، وضعفِها البالغِ الذي تفرضُهُ صراعاتها الداخليةِ ومصالحُها الحزبيةِ الضيقةِ.
التيار الصدري: حراكٌ استعراضيٌ أم سوءُ إدراكٍ للمتغيرات؟
أمّا التيارُ الصدريُ فقد قامَ بمحاولةٍ كانَ يعرفُ مسبقاً أنَّها لا طائلَ من ورائِها، إذْ بعدَ حشدِ الآلافِ من أنصارِهِ ومؤيديهِ في حديقةِ الأمّةِ، تحتَ نصبِ الحريّةِ وسطَ بغداد، جرتْ دعوةُ هذه الحشودَ إلى التحركِ نحو الحدودِ الفلسطينية عبرَ الأراضي الأردنيةِ، للاعتكافِ هناك إلى أنْ يتوقفَ القصفُ على غزة. ولا أحدَ يعرفُ التأثيرَ الذي يمكنُ أنْ يصنعَهُ هذا الاعتكافُ على قراراتِ العدوانِ المعقّدةِ جداً في المستوى الدولي والأقليمي، ونحنُ نعرفُ شراسةَ العدوانِ ووحشيتَهُ المتناهية، التي تَحظى بالتأييدِ الأمريكي والأوربي. وفي الحقيقةِ أنَّ المواجهةَ الفاعلةَ كانت يمكنُ أنْ تكونَ مؤثرةً حينما تُوجَّهُ نحو الممثلياتِ الدبلوماسية للبلدانِ الداعمةِ للعدوانِ على غزة والضغطِ عليها جماهيرياً على أقلِ تقديرٍ، وهو الأيسرُ والأهمُ والأكثرُ موضوعيّةً. وفي الحقيقةِ عندما تحركتْ الحشودُ الصدريةُ نحو الحدودِ قامَ الموتورون الطائفيون يٌحرِّكُهم مرتزقةُ العدوِ الصهيو- أمريكي في الأردن بإثارةِ النغمةِ الطائفيةِ البغيضةِ من جديدٍ، التي كادتْ تصنعُ أزمةً طائفيةً مفتعلةً جديدةً لو حصلَ واستمرَّ تيّارُ التدفقِ على الحدودِ العراقيةِ الأردنيةِ. وهي من نوعِ الأزماتِ التي بالكادِ تخلّصَ العراقُ منها ومنْ آثارِها المدمِّرةِ.
كان تحقيقُ الغايةِ من التجمعِ الهائلِ للصدريين على حدودِ الأرضِ المحتلة مستحيلاً، لأن المتغيرات الإقليميةَ والدوليةَ بشأنِ القضيةِ الفلسطينية، كانتْ عميقةً وجديدةً على الساحةِ العراقيةِ وعلى وعيِ الجماهيرِ، التي تناستْ أو دُفعتْ رسمياً من قِبَلِ الحكومةِ في الغالبِ لنسيانِ القضيةِ الفلسطينيةِ، منذُ زمنٍ طويلٍ وجرتْ إزاحتها إلى الكواليسِ، وابتعدَ الساسةُ عنها في العراقِ وفي المنطقةِ العربيةِ برمّتِها أيضاً، خصوصاً بعد تسيّدِ مالُ النفطِ الخليجي على الوضعِ السياسيِ في الوطنِ العربيِ، ورعايتِهِ المؤامراتِ الاستعماريةِ في بلدانِنا، وهو ما انعكسَ بالنتيجةِ سلباً على الوعي الشعبيِ العربي ووعيِ الجماهيرِ في العراقِ تحديداً. حيث تُركِ الشعبُ الفلسطينيُ وحدَهُ في مواجهةِ العدوِّ الغاصبِ المحتلِّ اللقيطِ المدجّجِ بالسلاحِ حتى أسنانِه. وما جرى في عامِ 2006 عندَ اجتياحِ العدوِ المحتلِّ غزة، ومن ثم فرضِ الحصارِ عليها وتجويعِها وإحاطتِها بالأسلاكِ والكتلِ الكونكريتيةِ، ومقابلةِ ذلك بالصمتِ المطبقِ للحكوماتِ العربيةِ، كان المثالَ الواضحَ الرهيبَ في التخلي عن أهلِنا في فلسطين من قِبَلِ الأنظمةِ العربيةِ، ولولا المقاومتان الفلسطينية واللبنانية والمساعداتُ السوريّةُ التي ردعتْ العدوَ ومنعتهُ من تحقيقِ مخططاتِهِ الاستيطانيةِ وضمِّ الأراضي بالقوةِ، لكانَ الأمرُ أشدَّ بؤساً وهزيمةً، وأشدَّ تهديداً للاستقرارِ الهزيلِ والقلِقِ في بلدانِنا.
وبدا التجمعُ الكبيرُ للصدريين استعراضياً أكثرَ مما هو لمعالجةِ وضعٍ سياسيٍ شاذٍ اشتركتْ الحكومةُ العراقيةُ في صنعِهِ بالإهمالِ واللامبالاةِ وربّما بالتواطئِ. ولابدَّ أنَّ قادةَ التيارِ كانوا يعرفون أنَّ حكومةَ الاردن قبلَ بضعةِ أيامٍ لم تسمحْ لأبناءِ شعبِها، جماهيرُ المتظاهرين الأردنيين، بالوصولِ إلى الحدودِ مع الضفةِ الغربيةِ من فلسطين المحتلةِ ومنعتْهم بالقوةِ وبخراطيمِ المياهِ وواجهتْهم بالدركِ، فهي والحالُ هذه لنْ تسمحَ للعراقيين بدخولِ أراضيها بهذهِ الطريقةِ التي تثيرُ ما لا تريدُهُ الحكومةُ الأردنيةُ، وهي البلدُ الأكثرَ صلة والأوثقُ علاقة بالعدوِ الصهيوني وهي ظهيرُهُ المدافعُ عن حدودِ العدوِّ منذُ أكثرَ من 5 عقودٍ، منذُ مجزرةِ جرشٍ ضدَّ المقاومةِ الفلسطينية وجيشِ التحريرِ الفلسطيني عامَ 1970 وبالاشتراكِ مع الطيرانِ الأمريكي البريطاني والصهيوني.
ويبقى السؤالُ؛ لماذا لم تُوجَّه هذه الجموعُ الوجهة الصحيحة؟
اليسار العراقي
من الواضحِ أنَّ اليسارَ العراقيَ مسمى لا يمثّلُ كتلةً او جماعةً محدَّدة الأطرِ أو الاختيارات. بلْ هو ينقسمُ في الشارعِ إلى بعضِ التنظيمات، وفقاً لرؤيةِ كلِّ فصيلٍ للوضعِ العراقيِ المشتبكِ والإشكالي. ولقد أفرزت حوادث عام 2019، وما تعرّضَ لهُ الحراكُ الشعبيُ السلميُ من تنكيلٍ وقتلٍ، رؤيةً دقيقةً وحقيقيةً من لدنِ هذا اليسارِ لا يمكن نسيانُها أو إهمالُها، ويمكن وصفُها بأنَّها متشابهةٌ لدى الجميعِ، من حيثِ دعمِ الشبابِ وحراكِهم العفوي، مع الأخذِ بنظرِ الاعتبارِ الإدراكِ المبكرِ والمنفتحِ والموضوعي لهذا اليسارِ، مع أنه منقسمٌ ومشتتٌ، ومعرفتِهِ بما تعرّضَ لهُ الحراكُ الشعبيُ من تدخّلاتٍ مغرضةٍ وقاتلةٍ خدمتْ مخططات مختلفةً، شاركتْ فيها السفاراتُ الأجنبيةُ ومؤسساتُ الحكومةِ المخترقةِ وأحزابُها ومليشياتُها، لحرفِ الحراكِ الشعبي عن أهدافِهِ منذُ اللحظات الأولى لانطلاقِهِ.
ولم يتمخضْ عن اليسارِ العراقي حراكٌ يمكنُ أنْ يؤديَ إلى حضورِهِ على مستوى الشارعِ، لأسبابٍ محدَّدةٍ تتعلقُ بكلِّ فصيلٍ على حدةٍ. وفي حقيقةِ الأمرِ، أن اليسارَ العراقيَ التقليديَ يعاني منْ جفوةٍ اجتماعيةٍ تعرَّض لها بسببِ المواقفَ المتعجلةِ، والهرولةِ العشوائيةِ نحو تحالفات خائبةٍ لم تحققْ لهُ حضوراً مناسباً. يلحق ذلك الأفكارُ الغريبةُ منهجاً التي تنتجُها الجماعات في قمّةِ الهرمِ الحزبيِ، التي سببّت انهماكَ هذا الحزبِ في التلفيقاتِ الليبراليةِ عن الديمقراطيةِ البرجوازيةِ، واصطفافِهِ إلى جانبِ سلطةٍ غاشمةٍ ولصوصيةٍ، واعتبارِ أنَّ ما أقامَهُ المحتلُّ وقوانينُهُ التي فرضَها عبرَ دستورٍ مشوّهٍ، هي الديمقراطيةُ المرجوّةُ للعراقِ. وهذا تحديداً هو موقفُ “الحزب الشيوعي العراقي – اللجنة المركزية”، ومن هذا الانهماكِ يأتي موقفُهُ مِنْ العدوانِ على غزة، المنسوخُ عنْ موقفِ الحكومةِ الذي توجزٌهٌ خطابات الشجبِ والإدانةِ والاكتفاءِ بما تفعلُهُ الحكومةُ بشأنِ فلسطين وغزة، مع إهمال الحزبِ التثقيفِ الداخلي لمنظماتِهِ وتوعيتِها بمخاطرَ الصهيونيّةِ على شعوبِنا العربيةِ، ومصادرتِها الحقِ التاريخي لشعبِ فلسطين الأبيِّ على ترابِهِ الوطني. فتجد مواقفَ مختلفةً ومتعارضةً بين صفوفِ قواعدِهِ واعضائِهِ بشأنِ القضيةِ الفلسطينيةِ، كالذي برزَ خلالَ الأشهرِ الخمسةَ الماضية، وهي آراءٌ معيبةٌ ومخزيةٌ لا تليقُ باعضاءِ وقواعدِ حزبٍ له تأريخ.
في ساحةٍ يساريةٍ أخرى، لم يظهرْ عن “الحزب الشيوعي العمالي” موقفٌ يمكن أنْ يُشارُ إليه أنَّهُ يدعمُ القضيةَ الفلسطينية وعدالتَها أو يُبرزُ رؤيةً واضحةً لها. وقدَّمَ تبريرات ومغالطاتٍ عن المقاومِة توحيَ بأنَّها فصائلَ متناحرةٌ وأنَّ الصراعَ دينيٌ، ملخِّصاً المقاومة بفصيلين هما حماسُ والجهادُ الإسلامي. وهو ما تنسجُ عليهِ الإمبرياليةُ العالميةُ في دعمِها للعدوانِ وتصويره بصورةِ صراعٍ دينيٍ. بينما حقيقةُ الصراعِ أنَّ فصائلَ المقاومةِ جميعَها يساريةً ودينيةً تعملُ بجهودٍ موحدةٍ وأهدافٍ واضحةٍ منذُ أكثرَ من عقدٍ. وقد أظهرتْ عمليةُ 7 أكتوبر هذه الوحدةَ بوضوحٍ، وللتعريفِ؛ فإنَّهُ في اليومِ الأول أطلقتْ الجبهةُ الشعبيةُ لتحرير فلسطين 1200 صاروخاً باتجاهِ مواقعِ العدوِّ، بالتنسيقِ مع فصائلَ المقاومةِ الأُخرى، التي شاركتْ حسب إمكاناتها القتالية، ووفقاً لتوزيعِ المهامِ، ونحنُ لا نخبرُ هذه الحقيقةَ عن ظنٍّ بلْ هي نتيجةُ للصلةِ الوثيقةِ والمباشرةِ لحزبِنا مع فصائلَ المقاومةِ الفلسطينيةِ. لكن لابدَّ من التذكيرِ أنَّ الحزب الشيوعي العمالي يسمي الكيانَ (دولة اسرائيل) مع أنّهُ يصفُ الكيانَ المحتلَّ بالفاشيةِ ويندّدُ بالعدوانِ المستمرِّ على الفلسطينيين واضطهادِهم، مشيراً إلى أنَّ هذا الكيانُ يرتكبُ ظلماً عنصرياً. لكن ذلكَ يبقى انتقائياً وظرفياً.
ومن المهمِّ القولُ، إنَّ وصفَ انتفاضةِ 7 أكتوبر أنَّها “عملية حماس في اسرائيل” كما وردَ في بيانِ هذا الحزبِ، وإهمالَهُ ما تقومُ بهِ المقاومةُ الفلسطينيةُ، ووضعَ الجميعش؛ الكيانُ الاستيطاني الغاصبُ للأرضِ، مع مقاوميه الأحرارِ من أبناءِ الشعبِ الفلسطيني، في سلَّةٍ واحدةٍ يُظهرُ ضبابيةُ الاختيارِ السياسيِ وعدمِ وضوحِهِ في أهمِّ قضيةِ استعمارٍ استيطانيٍ في عصرِنا الراهنِ.
ولابدَّ هنا من إشارةٍ سريعةٍ إلى موقفِنا في (الحزب الشيوعي العراقي – القيادة المركزية)، وهو الموقفُ الذي تأسّسَ على العلاقةِ النضاليةِ الطويلةِ الأمدِ والمستمرةِ مع المقاومةِ الفلسطينيةٍ في جبهتِها اليساريةِ الماركسية بوصفِها القوَّةَ الكفاحيةَ التقدميةَ، ومشاركتِها عملياً رؤاها واختياراتِها الكفاحيةِ، والعملِ معاً في دربِ الكفاحِ التحرري الذي يحققُ للنضالِ الفلسطيني أهدافَهُ. وتحتلُّ القضيةُ الفلسطينيةُ مكانَها البارزَ والمهمَّ في أعلى جدولِ نضالات حزبِنا الوطنيةِ التحرريةِ.
الحزب الشيوعي العراقي – القيادة المركزية
16/3/2024