ألنهاية ؟*
الراحل أحمد حسين
في حين تقف مجموعات المقاومة الصغيرة في لبنان وفلسطين والعراق في وجه أمريكا وإسرائيل ، بصمود معنوي أدى إلى الإخلال بمنطق القوة والضعف . وفي حين تواجه هذه المجموعات هاتين القوتين في عنفوان جنونهما وانفلاتهما وجنوحهما الإجرامي واصطفاف معظم قوى العالم خلفهما ، وتوجه لهما صفعات مجلجلة . وفي حين يصمد لبنان الصغير بمساحته ، العظيم بأبنائه ومقاوميه ، أمام مطر القذائف على مدار اللحظة . في حين يحدث ذلك ، يقف شعب من مائتي مليون عددا ، يرتجف فرقا من عصي شرطة مقاومة الشغب وقنابل الغاز المسيل للدموع ، وفي أسوأ الفروض من الرصاص الحي الذي لايبلغ مهما استشرى مبلغ الفتك الذي تحدثه قنبلة واحدة من القنابل الذكية التي تلاحق اللبنانيين والفلسطينيين داخل بيوتهم وتقتل أسرا بكاملها . صحيح أن المقاومة هي خيار النخبة ولكن ليس هناك شعب واحد يخلو من نخب تستطيع أن تتبنى خيار المقاومة الصعب ، أو على الأقل خيار الدعم المعنوي الفاعل والمؤثر ليس في الميدان فقط ، ولكن أيضا في الجبهة الداخلية التي تؤوي اعداء المقاومة الداخليين . ألمعركة ليست معركة المقاومين ، إلا بمدى ما هي التزام نبيل بمستقبل الأمة وأجيالها ، وإلا بمدى ما هي رد باسم الجميع على انتهاك الدم والأرض والمصلحة والكرامة ، فأفراد تلك المقاومة كلهم مرشحون للإستشهاد أكثر مما هم مرشحون للحياة . إنهم يحاولون الرد على اصطياد الأطفال بالأباتشي ، واقتحام مستقبلهم بالعبودية ، لأن شرفهم وإنسانيتهم لا تحتمل ذلك .
النخب الشعبية ، حينما تكون المقاومة خيارا استشهاديا كما هي فعلا على الأغلب ، لا يمكن أن يقال أنها تدافع عن إحد غير الشعب . وحينما يقف الشعب موقفا لا يتناسب مع التضحية النبيلة التي تقدمها النخب الطليعية فإنه يخون نفسه ومستقبله وشرفه ، ويتخلى قبل كل شيء عن حقه في الحياة لأعدائه ، ويعرض نفسه لانتهاكات الجولة القادمة .
لم يعد هناك مجال لترف الإنتظار والترقب . ألمعركة الجارية هي المعركة الفاصلة . إما أن تنتصر أمريكا وإسرائيل والسعودية وضباطهم المعينين في مصر والأردن ، وإما أن ينتصر الشعب العربي . إما أن ينهزم أولئك أو ينهزم الشعب العربي . لم يعد بالإمكان تجاهل مصيرية ما يجري . يجب في منطق النهاية أن ينهزم أحد الطرفين . وهذا الأمر ستقرره الجماهير العربية إن هزيمة وإن نصرا .
أي انتظار سيقلل من فرص النجاة . فالأعداء كلهم متحدون . من أمريكا وحتى مملكة النفط الصهيونية وضباط السي . آي . أي العرب . لم يعد هناك أعداء مجهولون للشعوب العربية ، فالمعركة الفاصلة فرضت على الجميع ان يكشفوا هوياتهم .
لا مستقبل مع أي نظام عربي ، ولكن لا مستقبل على الأخص مع الأنظمة التي ربطت مصيرها بإسرائيل وأمريكا نهائيا ، ووقف حكامها يحرضون إسرائيل علنا ويمهدون لها دوليا لذبح أطفال العرب في فلسطين ولبنان . هل بقي هناك من يريد دليلا على أنهم صهاينة متطرفون من حيث الإلتزام ؟ هل هناك من يستطيع نفي أنهم امتداد سياسي وتوظيفي لإسرائيل ؟ هل ظل مكان للتساؤل حول كونهم أشرس أعداء العروبة والإسلام والإنسان في هذه المنطقة وهذا العالم أيضا ، وأكثرهم خطرا ؟ لو كان الخيار بينهم وبين إسرائيل لكان من المنطقي أن يكون الخيار هو إسرائيل ، لأنهم ،على دمويتها وانحرافها الإجرامي ، يظلون أقل إنسانية منها بكثير . هل سمعتم عن ملك يحرض على ذبح أطفال شعبه حتى لو كان أولئك الأطفال يشكلون خطرا مباشرا على عرشه ؟ هل كان تحريض السعودي والهاشمي وعميد آل مبارك في مصر على المقاومة اللبنانية يحوي شيئا من الغموض ؟ لا ! فالقضية أنه لم يعد بإمكانهم الإستفادة من الغموض ، لأن منطق المواجهة الحاسمة يفرض على الشركاء علنية الدور الذي على كل طرف أن يؤديه ميدانيا . وهم طليعة العدو، كما تبين ، وليسوا مجرد خونة كما كان يظن البعض . لقد تستروا بالخيانة مستفيدين من كونها وجهة نظر ، ولكنهم حينما حانت ساعة الحسم ، أعلنوا عن انتمائهم الصهيوني الحقيقي . لقد راهنوا منذ البداية على أن المستقبل العالمي هو للصهيونية فانضموا إلى ركبها منذ نوري السعيد وعبد الله وعبد العزيز والسلالة الملكية في مصر والمغرب وأصبحوا جزءا من المؤامرة بالإنتساب والوراثة . أما من تبقى من سياديين عرب ، فإنهم موظفو فنادق لدى مشروع المؤامرة اليهوسيحية الماسونية في المنطقة . مؤامرة الشرق الأوسط الجديد ، على طريق المشروع الماسوني الشامل المسمى النظام العالمي الجديد . وإذا كان بعضهم ينكر كونه كذلك ، فليقم بقيادة شعبه نحو موقف الشرف . إذا كان هناك أنظمة عربية ترفض ما جري من مشاهد بيانية سعودية ومصرية وأردنية مثيرة للذهول حتى على مستوى الجريمة المألوف ، والتي ليس بوسع العقل ولا الشرف ولا الدين ولا الإنسانية قبولها ، فلتغادر هذه الأنظمة ساحة الجريمة والخسة البشرية التي أصبح يمثلها موقف الثلاثي الصهيوني ، ولتترك وكر القماءة والضعة المشتركة الذي يسمى الجامعة العربية ، وتعلن عن تشكيل آلية بديلة للعمل المشترك . السلوك الوحيد الذي يستطيع أن يدعي الإلتزام قوميا أو دينيا هو السلوك الذي يجعل هدفه تحرير الكيانية العربية والإسلامية من صهاينة الداخل العربي ، وإلا فإنهم كاذبون وخونة صغار. كل آليات النظام العربي على الساحة تعمل في الخدمة المباشرة للأهداف المشتركة بين أعضاء المشروع الصهيوني اليهودي العربي ، وأولها وكر البذاءة الصهيوني الذي يديره القميئان عمرو موسى وجاسم القطري . البذاءة التي أسمها الكيان السياسي والنظامي العربي يجب أن تزول كشرط أولي للإنقاذ القومي ، وأن تحيد آلياتها ” القومية ” إذ لا يمكن العمل في إطار واحد مع كيانات هي جزء عضوي من المشروع المعادي.
أما الجماهير العربية فالمفروض أن تتحرك إما دينا وإما قومية وإما شرفا وإما إنسانية وإما إحساسا بأن الإستهداف يتربص بهم ، وإما من خلال ذلك كله . ويكفي أن يعرفوا أن مشروع الجريمة يقوم على حلقات من التداول الإجرامي المتسلسل للشعوب العربية ، وأنهم إذا تحركوا الآن فسيدفعون ثمنا أقل مما ينتظرهم لاحقا . وإلا فقد اكتمل السياق وحلت النهاية .
ألمهترؤون عقليا وشرفيا الذين فقدوا العلاقة مع إنسانيتهم تماما ، ويتكلمون بكلام يشي بدياثتهم ، ويجعلك تتصور قرونهم دون أن تراها ، يجب أن يوقفهم أحد ! أبناء الفاجرات يتحدثون عن خطر إيراني ونوايا إيرانية ، ويبررون وهم يبحثون عن مبرر للأتجار بعرضهم المنتهك حرق الأطفال والأبرياء في لبنان . إذا كانت المصلحة الأيرانية ، يا أبناء صاحبات الأعلام ، تقتضي منها معاداة أمريكا وإسرائيل ، وكانت مصلحة النظام العربي تقتضي أن يقف مع أمريكا وإسرائيل ضدنا ويحرضهما على ذبحنا ، فمع من نقف ؟ أنا لا أناقشكم أو أندد بكم ، فليس لكم أو فيكم شيء يناقش أو يشتم . أنتم شتيمة موجهة إلى كل ما تعتز به البشرية . كل ما أقصده هو أن يسمع من يسمعونكم وأنتم ترددون هذا الكلام ، ويردوا عليكم بما يمليه علينا الشرف تجاه أمثالكم . ألضرب بالحذاء !
أما أصدقاء فرنسا صديقة لبنان ، التي يقوم أصدقاؤها بمراسلات ميدانية مع العدو لتنسيق القصف كما يفعل السنيورة ، والذين يمجدون العطف الفرنسي على أصدقاء شيراك الشخصيين في لبنان ، فإنهم يجمعون بين الدياثة كفكر والقيادة كممارسة . ولا يكاد ينافسهم في ذلك سوى الليبراليين الذين يزفون المذبحة بالخطب التحليلية وكأن ألسنتهم لا تطيق التوقف عن اللعق .
أما الجماهير العربية ، فإليك فرصتك الأخيرة ! كل شيء مهيأ لتنتصروا وكل شيء مهيأ لتموتوا . إفعلوا ما شئتم فنحن والمستقبل على خط النهاية .
2010
2024-03-16