- الأزمة في جمهورية الكونغو الديمقراطية: دوافعها الداخلية، الإقليمية، والدولية ودور إسرائيل فيها: (الجزء1️⃣) C
أدريس آيات*
تُصنَّف جمهورية الكونغو الديمقراطية ضمن أفقر الدول عالميًا، رغم امتلاكها لموارد طبيعية ضخمة، حيث تشير التقديرات إلى ما يقارب 80.9 مليون هكتار من الأراضي الزراعية، وتنوع معدني يشمل المعادن النفيسة والاستراتيجية منها: النحاس، الكوبالت، الذهب، الألماس، الكولتان، الزنك، القصدير، التنجستن)؛ وكذلك مواد معالجة المعادن؛ والمنسوجات، البلاستيك، الأحذية، السجائر، واليورانيوم، وغيرها.
وعلى الرغم من ذلك، تحتل البلاد المرتبة 175 على مؤشر الأمم المتحدة للتنمية البشرية لسنة 2021، مع نسبة فقر مدقع تصل إلى 73% من السكان. يعود تفاقم هذه المفارقة إلى تاريخ من الاستغلال الاستعماري والنزاعات الداخلية، ويُقدَّر أن قيمة الاحتياطيات المعدنية الخام غير المستغلة بأكثر من 24 تريليون دولار أمريكي.
تعكس الفترة من 1876 إلى 1908، حقبة استغلالية حيث أدرج ليوبولد الثاني، ملك بلجيكا، الكونغو ضمن ممتلكاته الشخصية، مستندًا على العمل القسري لإنتاج المطاط. وقد ارتبط حكمه بمقتل حوالي 15 ملايين شخص. بعد نضالات الاستقلال، حصلت الكونغو على استقلالها في سنة 1960.
تبع ذلك، فترة من عدم الاستقرار حيث سعت منطقة كاتانغا للاستقلال بمساعدة بلجيكا، في حين سعى باتريس لومومبا، رئيس الوزراء في يونيو 1960، لتحقيق استقلال تام النظام بالتعاون مع الاتحاد السوفيتي، وهو ما يعكس تأثير الحرب الباردة على الكونغو.
على الرغم من الجهود الاستقلالية للومومبا، تم اعتقاله وإعدامه تحت ظروف قاسية وغير إنسانية في سن الـ35، مما أثار ردود فعل دولية ومحلية غاضبة بتآمر من أعداء الداخل متعاونًا مع الولايات المتحدة، بلجيكا، فرنسا ، الأمم المتحدة.
أدى دعم الولايات المتحدة، فرنسا، والأمم المتحدة لانقلاب الدكتاتور جوزيف موبوتو في 1965، الذي حكم البلاد بقبضة حديدية لعقود، وغضّ الغرب الطرف عن فظاعته لأنّه كان يضمن وصولهم إلى مناجم الموارد الطبيعية في البلاد، حتى اضطر لتقاسم السلطة في التسعينات، ورغم وعوده بإجراء انتخابات، لم يحدث ذلك أبدًا، ما زاد من عدم الاستقرار في الدولة. ما سينتج عنه الحروب الكونغولية.
أود الإشارة إلى أنّه من الخطأ تفسير الأزمة باعتبارها ” حربًا إقليمية” فقد عانت البلاد من 40 سنة تحت حكم وإبادة الملك ليوبولد الثاني البلجيكي، ثم 90 عامًا من الاستعمار ينتهي بذبح المناضل باتريس لومومبا ذلك ما سيجزأ البلد ويفككها إلى إقطاعات سياسية تحت أحكام أمراء بدعم من حلفاء دوليين بغية السيطرة على الموارد الطبيعية، فجميع الحروب والأزمات نتيجة مباشرة لاغتيال لومومبا، وقطع تلك الجزئية محاولة مضللة لإسقاط الضريبة عن القوى وأدوارها فيما يجري في الكونغو.
•• الدوافع الداخلية للأزمة:
قبل التطرق إلى الحرب الكونغولية الأولى، أودّ التطرق إلى الأسباب الداخلية لاستمرار الصراع:
- إنّ اغتيال باتريس لومومبا سيؤدي إلى أزمة هوية في الكونغو والانقسام الإثني:
حيث أفضت الإشكاليات المتعلقة بالهوية، خاصة بالنسبة للبانيا رواندا والبانيا مولينغي، إلى توترات عرقية أساسية أشعلت فتيل الصراعات المطولة. السياسات التي أُتبِعت لم تبحث عن حلول جذرية لهذه الأزمة، بل تم استغلالها لتعزيز السيطرة السياسية، كما في الأوامر التي صدرت في عهد موبوتو سيسي سيكو، ما عمق الأزمة.
وتلا تسييس الإثنية الفساد السياسي بين النخب السياسية في كينشاسا ونمطًا من الزبائنية، حيث تم تسخير ثروات البلاد لمصالح شخصية بدلاً من السعي لاستغلالها في تحقيق الاستقرار الوطني. جيسون ستيرانز يصف هذا السلوك بأنه مزيج من اللامبالاة والعجز والانتهازية.
ثم انتشر الفساد في المؤسسة العسكرية: عانى الجيش الكونغولي منذ اغتيال لومومبا من شبكات الولاء المبنية على العرق والمصالح المادية، مما أضعف كفاءته القتالية وشرعن اختلاس الميزانيات والمعدات، ما نتج عنه تقويض الفعالية العملياتية للقوات المسلحة.
وتتحالف كثيرًا مع الفصائل المتمردة:
حيث أحيانًا، تتحول القوات الكونغولية إلى داعمين للفصائل المتمردة، مما أدى إلى استمرار العنف بسبب المصالح المشتركة، وكانت حركة NDC-Rénové مثالاً على ذلك.
ونتج عن ذلك تجاهل اتفاقيات السلام:
رغم توقيع اتفاقيات سلام متعددة، لم تنجح في إحلال الاستقرار، مما أدى إلى تفاقم الانقسامات وتمردات جديدة، مثل CNDP و M23، والتي استمرت في تأجيج النزاعات.
واستغلت الحركات المتمردة الموارد المعدنية وفرضت الضرائب لتمويل أنشطتها، مما سمح لها بإقامة “إقطاعيات سياسية” واقتصادات حرب مستقلة.
حتى طبعت مع العنف وتحوله من أداة لأهداف وطنية إلى وسيلة للكسب المادي، حيث يفتقر الشباب إلى البدائل الاقتصادية مثل الزراعة، مما أدى إلى رؤية التمرد كوسيلة للعيش.
https://x.com/AyatIdrissa/status/1724176147414462522?s=20
يتبع
2024-02-08