لقد تم ربط أفغانستان بالصين رسميًا!
رنا علوان
تعود العلاقة الودّية بين افغانستان والصين الى خمسينيات وستينيات القرن الماضي ، والتي عُرفت بالحقبة الملكية بقيادة محمد ظاهر شاه ، وذلك على الرغم من الخطاب الراديكالي لنظام “ماو تسي تونغ” المحرض ضد الأنظمة الملكية ، إلا أن هذه العلاقات الودّية ظلت متينة ، ولم تبدأ بالإنتكاس والتراجع إلا مع حدوث الغزو السوفياتي لأفغانستان في عام 1979 ، ثم إزدادت إنهيارًا في ظل حكم المجاهدين وحركة طالبان
ويقول التاريخ الكرونولوجي لعلاقات هذين البلدين المرتبطين من جهة الشمال الشرقي بحدود برية قصيرة نسبيًا ، أن أول تبادل للزيارات بين كبار مسئوليهما كان في عام 1957 ، ومعها توطدت العلاقات ، من ثم تبعتها عدة احداث ، اهمها تحويل أفغانستان إلى “جمهورية شعبية ديمقراطية”
بعدها إستجابت بكين لطلب الإنقلابيين الجدد بالإعتراف بنظامهم الجديد ، ولكن سرعان ما إكتشفت خطأها ، وذلك حينما وجدت هؤلاء يرمون بأنفسهم في أحضان موسكو ويلتزمون بسياسات الأخيرة المعادية للصين
وكرد من نظام “ترقي” الشيوعي على تحفظات بكين إزاءه ، راحت كابول تعرب عن إستنكارها للتقارب الصيني – الإمريكي الذي أعقب لقاء الرئيسين “ماوتسي تونغ” و”ريتشارد نيكسون”، وعن شجبها للغزو الصيني لفيتنام في فبراير 1979
ثم جاءت الضربة القاصمة التي دمرت كل جسور الثقة والتعاون والتفاهم ما بين البلدين ، وذلك إبتداء من ديسمبر 1979 الذي شهد الغزو السوفيتي لأفغانستان ، ثم ما حدث لاحقًا من تطورات تمثلت في ظهور الفصائل الجهادية المقاومة للسوفييت ، إنطلاقا من الأراضي الباكستانية وبدعم إمريكي وغربي وإسلامي مُعيّن ، هنا شنت كابول حملة إعلامية ودبلوماسية كبيرة ضد بكين متهمة إياها بتقديم الدعم والتدريب والسلاح لجماعات المجاهدين المدعومة من الغرب
بعد الانسحاب الأميركي من أفغانستان عقب نحو 20 عامًا من الحرب ، وعودة حركة طالبان إلى الحكم عام 2021 ، بدأت الصين تلتفت إلى ممر أفغاني ، كان يفصل بين إمبراطوريتين ، لأسباب أمنية واقتصادية في آن واحد
فضلاً عن ان الصين ترغب في الوصول إلى أسواق مختلفة ضمن نطاق مشروع الحزام والطريق ، إنشاء ممرات وطرق بديلة ، وقد أقامت علاقات تجارية مع دول في القارة الآسيوية ، ومن أهم أهدافها في المنطقة بناء شبكة طرق تمكنها من الوصول إلى الأسواق العالمية والإقليمية ، والجدير بالذكر أن هذا الطريق استُخدم قبل 2000 سنة كطريق الحرير الرئيسي ويمر جزء كبير منه في الأراضي الأفغانية ، وقد حاولت الحكومات السابقة إحياءه ، ولكن الوضع الأمني لم يسمح بذلك
يبدو ان الصين كانت تنتظر بفارغ الصبر ، انسحاب القوات الأميركية من أفغانستان ، فوجهت عينها مُباشرةً على كابل لأسباب كثيرة أهمها البعد الجغرافي والاستثمار في المناجم الأفغانية ، وبناء طريق في ممر واخان أقصر طريق إلى بكين
واجهت أفغانستان مرارًا وتكرارًا مشكلة التجارة مع الصين عبر باكستان ، كما أضرت العلاقات السياسية الأفغانية الباكستانية المتوترة منذ عقدي “التجارة بين البلدين”
الا انها اليوم تمكنت من انهاء بناء طريق او ممر واخان في ولاية بدخشان شمالي البلاد ، وهو يُعد من أهم النقاط الإستراتيجية فيها ، وذلك بعد مدة عمل استمرت 5 أشهر ، وهي خطوة كبيرة نحو التنمية الاقتصادية وتنشيط القطاع السياحي في المنطقة برًا ، ومن المتوقع ان يوفر سنويًا 6 مليارات دولار ، وفرص العمل للمواطنين الذين يعيشون في ولاية بدخشان الأفغانية
من مميزات هذه المنطقة الإستراتيجية انه يبلغ ارتفاعها عن سطح البحر 4600 مترًا ، وأما الجبال فإرتفاعها يصل إلى 7400 مترًا ، وستكون نقطة وصل بين أفغانستان و3 دول في المنطقة ايضًا ، وممر واخان هو شريط ضيق من الأرض في أفغانستان يبلغ طوله حوالي 350 كيلومترا وعرضه من 13 إلى 65 كيلومترًا ، وهو منطقة جبلية غير مأهولة بشكل عام
ولمقاطعة واخان -التي يبلغ عدد سكانها أقل من 20 ألف نسمة- حدود مشتركة مع مقاطعة شينغيانغ الصينية في الشرق ، وطاجيكستان في الشمال ، وباكستان في الجنوب
ويُعد الممر واحدًا من أكثر المناطق البكر في العالم ، وتختلف ظروفه المناخية عن المناطق الأخرى في أفغانستان ، لكن من المؤكد أنه ستكون له فوائد كبيرة لزيادة التعاون الاقتصادي بين بكين وكابل ، وخطوة كبيرة نحو التنمية الاقتصادية وتنشيط القطاع السياحي في المنطقة” ممر واخان هو بديل للموانئ الباكستانية ، وخاصة أن الدول التي تقع شمالي أفغانستان تفكر في الاقتصاد والتجارة أكثر من السياسية
وينتظر الخبراء أن يعزز ممر واخان موقف أفغانستان في علاقاتها مع القوى الكبرى والإقليمية ، والوصول إلى الأسواق العالمية ، فضلاً عن استخدام الطريق مستقبلًا كترانزيت بين إيران والهند إلى آسيا الوسطى
كما يمكن أن يسهل الطريق التعاون بين الدول الأربع المتاخمة لممر واخان وهي الصين وأفغانستان وباكستان وطاجيكستان
ولا يخفى على احد ان الصين لديها اهتمام كبير في استخراج الليثيوم… والمعادن من أفغانستان
لكن هجمات تنظيم الدولة ضد مصالح أجنبية هدفت إلى تعطيل مشاريع الصين فيها ، خاصة بعد تجديد عقود لاستثمارات صينية في النفط وأخرى للتنقيب في مناجم الليثيوم بولاية غزني وسط أفغانستان
2024-01-23