معضلة الجبهة الشمالية في طوفان الأقصى!

رنا علوان
يتزايد قلق الاحتلال من الجبهة الشمالية ، مع تواصل عمليات المقاومة الإسلامية في لبنان [“حزب الله” المساندة للمقاومة الفلسطينية] ، والتي تأتي أيضًا ردًا على اعتداءات الاحتلال على قرى لبنان الجنوبية
وقد صرّح العقيد في احتياط جيش الاحتلال الإسرائيلي “كوبي ميروم” عن حرب “استنزاف” يعيشها العدو الإسرائيلي في الشمال ، فيما “الكابينت” قرّر أنّ الأولوية هي للجنوب
وحرب الاستنزاف هو مفهوم استراتيجي يعني أنه لكي يتم الانتصار في حرب ما ، يجب إضعاف العدو إلى حد الانهيار عن طريق إحداث الخسائر البشرية أو العسكرية ، وتكون الجهة المنتصرة في الحرب عادةً هي الجهة التي تمتلك عدد أكبر من المصادر والاحتياطات
فعلى مر التاريخ ، ينظر أغلب الخبراء والقادة لحروب الاستنزاف كشيء يجب تفاديه ، إذ أن حرب الاستنزاف تمثل محاولة لطحن العدو من خلال الأعداد المتفوقة ، وهذا الأمر يخالف المبادئ العادية للحروب ، حيث تتحقق الانتصارات الحاسمة من خلال المناورات ، وتركيز القوة ، والمفاجأة ، ناهيك عن افراغ ترسانة العدو العسكرية ، وغير ذلك
من ناحية أخرى ، ينظر لها البعض على انها “حرب غير عادلة” وهذه النظرة مُثيرة للسخرية ، لأنها غير موّفقة ، وتستند الى ان الجانب الذي يدرك بأنه المتضرر الأكبر في حروب المناورة قد يبحث عن حرب الاستنزاف لكي يهزم تفوق خصمه
فإذا كان كلا الجانبين متقاربين في القوة ، نتيجة حرب الاستنزاف تكون غالبًا انتصارًا باهظ الثمن
من الناحية التاريخية ، تحتوي الحروب دائمًا على عنصر الاستنزاف ، وطرق الاستنزاف تتم عادة بعد أن يتضح الأمر بأن الطرق الأخرى تؤدي للفشل أو أنها غير ممكنة عمليًا لوجود عوائق مُختلفة ، كما انها ليست سهلة كما يعتقد البعض ، فهي تحتاج الى تكتيك دقيق ، يُحافظ بها الطرف المُسنزِف على هدوء اعصابه مع درجة عالية من الحيطة والحذر ، بينما يدفع بالخصم الى فقدان اعصابه
وفي وقتٍ سابق ، لفت إعلام العدو الإسرائيلي إلى أنّ الاحتلال “في حالة دفاع في الشمال ، حيث يتلقّى ضربات وإصابات”، مؤكدًا أنّ حزب الله تعلّم “التحصّن وتعلّم تقنيات سلاح الجو” ، ولديه خبرة لا يُستهان بها مُطلقًا
كما ذكر إعلام العدو أنه ليس لـ”الجيش الإسرائيلي” الآن قدرة على مناورة برية عميقة على الحدود الشمالية
وقد تحدّث الإعلام كثيرًا ، في الآونة الأخيرة ، عن وجود قلق إسرائيلي من جبهة الشمال مع حزب الله ، مؤكدًا أنّ هذه الجبهة هي “تحدٍّ ضخم” للاحتلال ، حيث اشارت صحيفة “معاريف” الإسرائيلية في تقرير ، عمّا يمتلكه حزب الله من عشرات الآلاف من الصواريخ والقذائف الصاروخية والطائرات المسيّرة الدقيقة والفتاكة ، والتي تشكل خطرًا حقيقيًا على “إسرائيل”
كما أشارت “معاريف” إلى أنّ “هناك نحو 70 ألف مستوطن تمّ إخلاؤهم بأمر من الحكومة ، وهم الآن موزعون في كل أنحاء إسرائيل”، بحسب 22 من رؤساء السلطات في المستوطنات الشمالية الذين أكّدوا لرئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، أنّ “المستوطنين لن يعودوا إلى الشمال لأنّ نصر الله وعناصره لا يزالون هناك”
ونقل مراسل “القناة الـ 13” في الشمال أنّ “المستوطنات في المنطقة خالية إلاّ من الجنود الذين يتجولون متوترين طوال الوقت” كما نقل المراسل ، عن الجنود الذي يتجولون في مستوطنات الشمال قولهم : “نحن طوال الوقت متوترين وأعصابنا مشدودة لأنّنا نعرف أن الصواريخ من لبنان ستصل بالنهاية”
لذلك نجد ان ارتفاع وتيرة التهديدات ، سببه عجز العدو عن المواجهة ، حيث كشفت مصادر سياسية أن قادة جيش العدو الإسرائيلي أبلغوا رئيس الوزراء ، بنيامين نتنياهو بأنه لا مفر من توجيه ضربة شديدة لـ”حزب الله” ، ردًا على التصعيد الجديد الذي أقدم عليه في اليومين الأخيرين ، وأن هذه الضربة يجب أن تكون موجعة وفي الضاحية لبيروت حتى تكون رادعة
وقال معظم الخبراء العسكريين الإسرائيليين ، نهار الاثنين الماضي ، ان حزب الله قام بتوسيع إطلاق القذائف والصواريخ إلى مناطق بعيدة في كيان العدو الإسرائيلي ، شملت مدينتي عكا ونهريا والبلدات في خليج حيفا وفي الجليل الغربي
ووفق طال ليف رام ، المحرر العسكري لصحيفة معاريف الإسرائيلية ، فإن هناك “معضلة حقيقية” لدى القيادة العسكرية الإسرائيلية حول فتح جبهة ثانية مع حزب الله ، إذ إن من شأن ذلك أن يؤثر في اتخاذ القرارات حول تنفيذ الخطط الحربية في قطاع غزة
ولكنه في الوقت نفسه [يوجد إدراك لديها أنه ليس بالإمكان بعد الآن الاستمرار في احتواء عدوانية (حزب الله) من خلال الدفاع فقط ، فهو يستنزف معظم طاقتهم ، وينبغي مهاجمة الخلايا قبل أو بعد تنفيذها إطلاق نار ومهاجمة بنية تحتية لـ(حزب الله) ، وأن ثمة حاجة لتصعيد العمليات الهجومية أكثر ، بحيث يدفع حزب الله ثمن تدخله هذا ، من دون التدهور إلى تصعيد سريع يعني انتقال ساحة الحرب المركزية شمالاً (مقابل لبنان) ويتطلب تجميد الوضع بكل ما يتعلق بالجبهة الجنوبية مقابل (حماس)]
العدو يدرك تمامًا ان لولا تدخل اميركا في هذه الحرب منذ اليوم الاول ، لكان اليوم يلفظ انفاسه الأخيرة ، ويعرفون تمام المعرفة ان السنوار “مهندس عملية طوفان الأقصى ” قد راهن على تدخل حزب الله ومساندته قبل اي جبهة اخرى ، وقد كسب الرهان ، وجل هم العدو اليوم هو [إزالة تهديد قوة الرضوان] وإبعاد مقاتليها عن الحدود ، تحسبًا من تكرار سيناريو 7 أكتوبر جديد من جهة الشمال
وهذا ما يتبناه اليمين في حكومة نتنياهو ، واكدته المُعلّقة السياسية والأمنية في صحيفة اليمين يسرائيل هيوم ، “شيريت أفيتان كوهن” قائلة
[ان السكوت على حزب الله بات مثل لعبة الروليتا الروسية] ولكن مع وجود فارق هو ان “قادة حزب الله” هم الذين يقررون من يعيش ومن يموت
وتضيف [ ان حسن نصر الله يرفع مستوى اللهيب يومًا بعد يوم ، كما انه صدق في تنفيذ وعيده ” مدني مقابل مدني “
[وان الوزراء ورئيسهم والمنظومة العسكرية في إسرائيل ، يكتفون بالتحذيرات لنصر الله وبنار محدودة نحو مصادر النيران ، وان كل بلدات الشمال المجاورة للجدار فرغت من سكانها ، في مكانهم قامت قواعد معدة على عجل لآلاف المقاتلين الذين يوجدون في روليتا روسية ، العدو يملي الوتيرة مرة أخرى ، ووزير الدفاع في رده يتحدث عن كيفية الردع ، ونتنياهو يكتفي بالشرح ، ويغمضون أعينهم أمام نار متواصلة ، على البلدات ، تطال الناس كما الجنود ، ويأملون في أن يكتفي نصر الله بالضرر الذي ألحقه حتى الآن ، بدلاً من تصفية التهديد بضربة إسرائيلية مفاجئة تقطع تدخل حزب الله ، محققةً ردع لنصر الله ، ليس بالأقوال بل بالأفعال]
ختامًا ، ان الأمور مقبلة على مرحلة تصعيدية بالغة الخطورة ، مع ارتفاع وتيرة التهديدات الإسرائيلية ، في إطار سعيها لتغيير قواعد اللعبة وفرض معادلات جديدة ، لضمان أمنها على حدودها الشمالية ، كما رد ولو قليل من اعتبارها امام مرتزقتها
لكن إزاء هذا الواقع الميداني الملتهب الذي يُخشى معه أن تخرج الأمور عن السيطرة في أي وقت ، ويتمدد الصراع ليصبح اقليمي ، ناهيك عن تزايد الهجمات على القواعد الأميركية في الخليج ، وتوترات البحر الاحمر من استهداف لسفن العدو الإسرائيلي من قبل جماعة الحوثي ، ومع استمرار الحرب العدوانية الإسرائيلية على قطاع غزة للشهر الثالث تواليًا
قد تضطر اميركا للانصياغ الى ما كان يحاول توريطها به نتنياهو منذ البداية ، وجرها للتدخل المباشر ، بعد ان كانت تدير حراكًا دوليًا ، على قدر كبير من الأهمية ، للتخفيف من حدة المواجهات على الجبهة اللبنانية ، محاولةً نزع فتيل أي انفجار محتمل ، وهذا ما يفسر الضغوطات التي كانت تقوم بها واشنطن وباريس ، من أجل عدم تمدد الصراع إلى لبنان الا ان العدو قرر الانتحار والتصعيد بسبب عجزه الكبير
2023-12-28