رئيسي في روسيا!

رنا علوان
توجه الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي ، على رأس وفد رفيع المستوى من السياسيين والاقتصاديين إلى موسكو بدعوة رسمية من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ، لبحث العلاقات الثنائية والقضايا الدولية والإقليمية
وتعهد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الإيراني الزائر إبراهيم رئيسي ، بتعميق العلاقات بين البلدين ، بعد يوم من زيارة نادرة للزعيم الروسي إلى المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة
وقد بنى بوتين ، الذي تخضع بلاده لمجموعة من العقوبات الأميركية والأوروبية المفروضة بسبب الحرب الروسية-الأوكرانيا في فبراير/شباط 2022 ، شراكة وثيقة مع إيران ، بما في ذلك بالمجال العسكري
ومع تأكيد ارتياح الطرفين لمسار تطور العلاقات الثنائية وتوسيع مجالات التعاون في الملفات المختلفة ، بدا أن مسائل تنسيق الجهود لمواجهة العقوبات الغربية المفروضة على البلدين ، والتعامل مع الملفات الإقليمية الساخنة ، وخصوصًا الوضع حول غزة كانت على رأس أولويات المناقشات
واستهل بوتين اللقاء بتوجيه عبارات مازحة إلى ضيفه لم تخلُ من دلالات سياسية ، فهو قال إن طائرته مرت فوق الأجواء الإيرانية أثناء رحلته إلى المملكة العربية السعودية والإمارات (الأربعاء)، وإنه كان ينوي أن يهبط في طهران للقاء رئيسي «لكن زملائي أبلغوني أنكم تنوون زيارة موسكو اليوم». ورأى معلقون ، أن إشارة بوتين كانت مقصودة لجهة تأكيد الحرص الروسي على تعميق الاتصالات مع كل بلدان المنطقة
وأظهرت محادثاته في الرياض وأبو ظبي يوم الأربعاء أيضًا نجاح الزعيم الروسي في مغازلة حلفاء الولايات المتحدة التقليديين في الخليج الغني بالنفط ، الذين انتقدوا عدوان العدو الإسرائيلي على غزة
قال بوتين في بداية محادثاته مع نظيره الإيراني في موسكو “علاقاتنا تتطور بشكل جيد للغاية ، من فضلكم أبلغوا أطيب تحياتي للمرشد الأعلى لإيران “بفضل دعمه ، أنشأنا اتجاهًا جيدًا في السنوات القليلة الماضية”
وأكد بوتين أنه سينتهز فرصة الدعوة التي وجهها له نظيره الإيراني ابراهيم رئيسي لزيارة إيران ، وقال خلال استقباله في العاصمة موسكو: “حتمًا سأستغل دعوتكم لي”
من جانبه انتقد رئيسي “النظام العالمي الظالم”، وأدان حرب العدو الإسرائيلي على غزة ، بإعتبارها “جريمة ضد الإنسانية” تحدث بدعم من الولايات المتحدة ودول غربية أخرى
( ووصف روسيا بأنها دولة صديقة ، قائلاً إن اجتماعه مع بوتين سيخلق ظروفًا مواتية جديدة للتعاون)
وفي الوقت الذي تواصل فيه هجومها على أوكرانيا ، تستخدم روسيا ، وفقًا للبيت الأبيض ، طائرات دون طيار إيرانية الصنع وتبني مصنعًا للطائرات دون طيار من تصميم إيران ، وتحصل طهران في المقابل على طائرات مقاتلة وصواريخ وإلكترونيات ومعدات دفاع جوي متقدمة ، وتعتبر
العلاقات الاقتصادية الإيرانية- الروسية قديمة نوعًا ما ، لكنها بلغت ذروتها عام 2018 ، وقد بلغ حجم التجارة المشتركة بين البلدين آنذاك 1.7 مليار دولار أمريكي ، لكنها لا تعتبر مثالية بالمقارنة مع دول أخرى ، فعلى سبيل المثال تركيا، حيث بلغت التجارة المشتركة بين البلدين في الفترة نفسها ما يقارب الـ 20 مليار دولار ، أو مع دولة الإمارات العربية المتحدة، التي بلغت 4 مليارات دولار
وتتركز العلاقة التجارية في استيراد روسيا لبعض السلع الزراعية الإيرانية ، وحصول الأخيرة على معدات عسكرية ، وتقنيات خاصة بالطاقة النووية السلمية ، وفي الغالب هناك تنافس بينهما على أسواق الطاقة ، لأنهما من كبار منتجي الغاز والنفط.
كما يُعد التأثير الإيراني على المستوى السياسي أكبر بكثير من الديني والثقافي ، بالرغم من انه تنشط فيها وسائل الإعلام الإيرانية الناطقة بالروسية ، التي تقدم مواد سياسية تجتذب كثيرًا من مسلمي روسيا الذي يبلغ عددهم زُهاء 25 مليون ، حسب إحصاءات عام 2018 ، الصادرة عن الشيخ راويل عين الدين ، رئيس المجلس الروسي للمفتين ، أكثر من 98% منهم سنة شافعية وأحناف في الفروع ، وأشاعرة وماتريدية في الأصول ، ومتصوفة في الطقوس والسلوك ، كما يتركز الروس الشيعة في جمهورية داغستان الفيدرالية الروسية ، في منطقة شمال القوقاز ، ويمثلون أقلية ، ناهيك عن تواجد أقلية شيعية من إيران داخل مجتمع المهاجرين في روسيا ، وأذربيجان ، ومنطقة بامير طاجيكستان
ما دفع وزارة العدل الروسية إلى تصنيف بعض كتب روح الله الخميني ، المرشد الأعلى للثورة الإسلامية سابقًا ، في “القائمة السوداء” للكتب المحظور تداولها داخل الاتحاد الروسي (لما تحتويه بإعتقاده من مواد تدعو إلى العنف والتطرف والإرهاب ، ومنها كتاب “الحكومة الإسلامية” وكتاب “الوصية السياسية-الإلهية.. الرسالة الخالدة لسماحة الإمام الخميني للجيل الحالي والأجيال المقبلة بعد رحيله”
لذلك لم يعد يخفى على احد ان صانع القرار الروسي يخشى من أي نزعة انفصالية على أسس دينية إسلامية في روسيا في ظل وجود أعداد ضخمة من المسلمين ، الذين يشكلون أغلبية في مناطق حيوية ، ومعاناتها تلك النزعة في حقبة التسعينيات في منطقتي شمال القوقاز والفولغا ، ولذلك تسعى إلى موازنة النفوذ بين المتنافسين داخل العالم الإسلامي [حتى لا تنفرد قوة إسلامية بالزعامة المطلقة] “ايرانية-تركيا”
ختامًا ، في السياسة لا شيء يبقى على حاله ، فروسيا التي كانت إيران تُطلق عليها سابقًا [ الشيطان الأصغر ] ، باتت اليوم تعتبرها صديق مقرب ، والعلاقات الثنائية «تتطور بشكل جيد للغاية»
وقد اثمر اللقاء الاخير على ترسيخها أكثر فأكثر ، حيث طلب بوتين من رئيسي نقل «أطيب تمنياته» إلى المرشد الإيراني علي خامنئي ، كما لفت إلى الأهمية الخاصة لتوقيع اتفاق الشراكة بين طهران والاتحاد الاقتصادي الأوراسي متوقعًا أن يتم التوقيع قبل نهاية العام الحالي
2023-12-09