أصدقاؤنا الذين ينطفئون!
بقلم درصاف بندحر*
“ضع حياتك على خطّ النار، ورافق أولئك الذين يـُبقون تلك النار مشتعلة”، هكذا تحدث جلال الدين الرومي، وهذا هو ما فعله شمس الدين التبريزي، حينما التقى بالرومي.
فقد أضرم الشيخ الصوفي النار في قلب العالم الكبير، وحافظ على النار مُشتعلة ليظل ضوؤها يُستنار به حتى بعد رحيل كليهما بمئات السنين عبر مؤلفات وأشعار.
كان للقاء الفقيه جلال الدين الرومي بالشيخ الصوفي شمس الدين التبريزي أعظم الأثر في عقله وفي أدبه، فقد وفد شمس الدين في تجواله على مدينة “قُوْنِيَا” بتركيا سنة 642هـ، وفيها التقى جلال الدين الرومي فأصبح له عليه سلطان عظيم، هو سلطان المحبة… حاول الرومي تحطيم جدار سجن الدنيا واليأس، لينطلق في سماء العشق والحرية، فهو كما يَنصح يقول “لديك أجنحة، تعلم كيفية استخدامها وحلق”… كانت الأجنحة التي مكنت جلال الدين الرومي من التحليق هي وجود شمس التبريزي. كان كل منهما صديقا للثاني وكانت صداقتهما صداقة التقت فيها الروح بالروح.
الصديق ليس بالضرورة الشخص الذي زاولت معه التعليم بالمدرسة نفسها…وليس هو من تشترك معه في ذات الخلفية الثقافية والاجتماعية. الصديق قبل أن يصبح صديقا قد يكون مجرد شخص جمعتك به الصدفة أومصلحة حينية…تحولت من مجرد صدفة أو قضاء مصلحة إلى الاشتراك في الشعور بوجود قواسم مشتركة… صداقة قد تتوطد مع تراكم المواقف وتتالي الأيام وبذلك يصبح الصديق هو من تتقاسم معه حلو الأوقات ومرها فتكون ممتلئا بمحبّته وممتنا لوجوده في حياتك.
وحين تبذل كل ما في وسعك لدعم صديقك يحدث أن يبادلك الاهتمام باهتمام والحرص بحرص والشغف بشغف …
ولكن يحدث أن تقوم بكل ما يتطلبه الحفاظ على أواصر الصداقة و يُقابَل ذلك باللاشيء من طرف الآخر/ الصديق. بالنسبة إليه، أنت في الحقيقة لا تعدو أن تكون سوى واحد من المعارف ولست صديقا.ولأنه يعرف مكانته عندك، قد يقوم “صديق” بإدارة عواطفك فيستعملك وسيلة بحجة الصداقة كأن يطلب منك شيئا أو خدمة ويستند على أنك طيب القلب وخدوم ولن تتوانى عن العطاء في سبيله…كذلك يمكن لصديق أن يواكبك ويتواصل معك بشكل مستمر ليس لأنك قريب بل لأنه، حينها، هو من يحتاج إلى من يتواصل معه ولا فرق لديه في أن تكون أنت أو غيرك.
هذه ليست صداقة بل هو تقمص لدور الصديق من أجل الحصول على مصلحة معنوية أو مادية…وكم هو مثير للاشمئزاز أن تستعمل الصداقة لغاية قضاء الحوائج فتصبح هذه العلاقة السامية مجرد وسيلة لتحقيق غايات نفعية.
إن الصداقات الجيدة هي التي يتوفر فيها التوازن والدعم بين الأصدقاء. هذا الدعم لا يتوقف عند أحد منهم بل يكون متبادلا وبصورة تلقائية. الصديق الحقيقي لا يشكرك كما يَشكر المعارف والغرباء بعضهم البعض ولا ينتظر منك شكرا…عرفانه يكون اهتماما وتعبيره عن المحبة يكون حرصا ومبالاة …يفعل كل ذلك دون سؤال.
الصديق الحقيقي هو من لا يخذلك وإن قصر ولا يبيعك وإن اختلف معك.
الصديق الحقيقي يسمح لك بأن تكون على طبيعتك دون أن تكون مضطرا إلى التغيير أو إخفاء شخصيتك، من كان صديقا حقيقيا لا يؤذيك ولا يضغط عليك حتى تكون شخصا آخر… هو من يدعمك لتكون أفضل وأكثر سعادة وصحة، أن تكون “نفسك”.
قد ينقدك صديقك ولكن بمحبة وقد يؤنبك ولكن بحرص من يريد لك الأفضل. قد يخالفك صديقك الرأي ولكنه لا يتركك أبدا.
في الصداقة هناك شيء شبيه بحنو الأم على ابنها…مشاعر ثابتة لا تتغير ولا يعكرها أي كدر.
مجرد المعارف قد يتملقونك وقد تتملقهم لأن أحدكما لا يعتبر الآخر سوى مجرد معرفة فيُظهرون لك ودا ليس في قلوبهم …ولكن الصديق الحقيقي هو من يصل إليك حاملا في روحه شيئا من روحك كما يقول جلال الدين الرومي. أن يحمل إليك صديق شيئا من روحه هو أن يجعل بينك وبينه رابطا خفيا، غير مصرح به. هذا الرابط يجعله مؤمنا لا فقط بصدقك تجاهه بل كذلك بصدقه هوالآخر تجاهك. تصرفه معك يكون تجليا لهذا الصدق.
ما من زيف يستطيع الاستمرار إلى مالا نهاية…وكذا الشأن في الصداقات المزيفة…في الأصدقاء المخاتلين…لا تستمر الصداقة غير الحقيقية حتى وإن تجاوزنا وتجاهلنا…وهربنا من الحقيقة الصادمة، حقيقة أن الصداقة ليست سوى من جانب واحد، جانبنا.
كم لدينا من الاصدقاء لانتذوق طعم الحياة بدونهم…وكم من الأصدقاء، نتذكرهم أو نلمحهم أو حتى يعترضون طريقنا بالصدفة، فنقول بإحساس الصادقين: هؤلاء أصدقاؤنا الذين انطفؤوا. نقول ذلك ونحن نواصل طريقنا وفي الذهن صوت محمود درويش وهو يردد “لن نعود كما ذهبنا …لن نعود ولو لماما” …لن نعود ولو أحيانا.
درصاف بندحر – تونس
2023-11-26