طوفان الأقصى يكشف مدى الخداع الأمريكي والغربي..
الفلسطينيون يعولون على الأصدقاء في إيران ولبنان وسوريا والدول الإسلامية
د. حامد أبو العز
ما لا يختلف عليه اثنان، هو أن طوفان الأقصى ستغيّر من ديناميكيات الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، حيث فجرت هذه العملية التي نفذتها حركة حماس عبر جناحها العسكري (القسام) مفاجأة وحرب خاطفة، لم تصدم إسرائيل وحسب بل جعلت حليفتها الكبرى الولايات المتحدة في حيرة من أمرها.
صمت الغرب عن جرائم إسرائيل على مدار أكثر من 75 عاماً، لا بل مارسوا صمتاً مذلاً تجاه أكثر الحكومات الإسرائيلية تطرفاً ونقصد حكومة نتنياهو. شاهدوا بأم أعينهم كيف قامت هذه الحكومة باقتحامات الأقصى الشريف وكيف قتلوا الأبرياء في غزة والضفة الغربية وكيف اقتحموا ودمروا مخيم جنين، وعندما قام هذا الشعب بالدفاع عن قضيته العادلة وحاولوا استعادة بعض حقوقهم بدأت أصوات الغرب تتعالى وتتهمنا بالإرهاب.
إذا كان الإرهابي من وجهة نظركم هو من يدافع عن أرضه أو من يحمي عرضه ومقدساته، فنعم نحن إرهابيون من هذا المنظور. ولكن ولنعيد تعريف المفاهيم ونضع النقاط على الحروف فيجب أن نذكّركم بأننا نحن أصحاب الأرض الأصليين، وما قام به رجال المقاومة في غزة ما هو إلا دخول إلى المستوطنات التي بناها الإسرائيليون على أرضنا المغتصبة. ما قام به المقاومون هو مجرد إيقاظ للعالم من كابوس إسرائيل، نعم نحن نمتلك جميع المقومات التي ستُعجّل بزوال إسرائيل وهذا بالضبط ما دفعهم إلى رفع أصواتهم عالياً مدافعين عنها.
نادر جداً ما يتفق الجمهوريون والديمقراطيون في الولايات المتحدة حول قضية واحدة، ويبدو بأنّ التهديد الوجودي لإسرائيل في الأمس دفعهم جميعاً للتوحد وجعلهم متفقين جميعاً على ضرورة تقديم الدعم لإسرائيل. من الرئيس السابق ترامب إلى الرئيس الحالي بايدن إلى أعضاء الكونغرس ووزير الخارجية الأمريكي جميعهم شعروا بخطورة الموقف على الأرض ويبدو بأنهم اتجهوا فعلا إلى دعم إسرائيل بشكل غير مسبوق مؤكدين على تأمين الدعم المالي للقبة الحديدية بتمويل قد يفوق 8 مليار دولار كما أجرى وزير الدفاع الأمريكي اتصالا مع نظيره الإسرائيلي لتبادل المعلومات الاستخباراتية بشكل مباشر.
كل هذا الدعم الذي يتلقاه الإسرائيليون من كل حد وصوب لم يوقف عمليات أحرار فلسطين وها هم يعاودون الكرة لليوم الثاني على التوالي ويقتحمون المستوطنات ويأسرون الجنود الإسرائيليين هناك. لقد أصبحت المستوطنات الإسرائيلية ساحة لعب لأبطال المقاومة.
أبطال المقاومة الذين خططوا لهذه العملية في قطاع غزة المحاصر منذ أكثر من عقد ونصف، اعتمدوا على خبراتهم المحلية وطورا أنفسهم في جميع المجالات الاستخباراتية والعسكرية والأمنية والاستراتيجية.
في وقت شعر فيه قادة المقاومة بأنهم محاطون بعمليات تطبيع عربية وبأنهم أصبحوا يعانون من بعض العزلة على المستوى العربي الرسمي، استمروا في تعميق العلاقات مع الدول الثابتة في المواقف من القضية الفلسطينية، وعلى رأس هذه الدول هي إيران. إيران التي تعاني من العقوبات وتعاني من حصار لأكثر من 40 عاماً، ما فتئ قائدها “خامنئي” يردد بأنّ إسرائيل إلى زوال. ويعتمد خامنئي على مقولته الشهيرة هذه على إيمانه العميق بقدرة أبطال المقاومة على تحقيق هذا النصر عبر الخبرات الذاتية وقدرة الشباب الفلسطيني على التحول إلى مشاريع مقاومين وبأنه لا يمكن أن يُغلب أصحاب الأرض أبداً.
إن كان لديكم محور من تحالف الشر والإرهاب متمثلاً بالولايات المتحدة والناتو الذين ارتكبوا أبشع الجرائم بحق المسلمين في العراق وأفغانستان وسوريا، فنحن لدينا حلفاء في محور المقاومة لم يتركوا اخوتهم في القطاع وحيدين، وها هو حزب الله في لبنان يصدر بياناً يعلن فيه استهدافه مواقع للاحتلال الإسرائيلي في مزارع شبعة. هذا التطور أرسل رسالة واضحة إلى إسرائيل بأن المقاومة الفلسطينية ليست وحيدة في معركتها وبأنّ أي رد إسرائيل عنيف ضد قطاع غزة أو محاولة الاقتحام البري له سيواجه بمعركة مفتوحة متعددة الجبهات وهو ما يثير رعب إسرائيل.
ختاماً، لا يقاس عنصر المفاجأة في الحروب على مقياس “ريختر” بل يقاس عبر التخبط والارتباك والخوف الذي أثارته المقاومة الفلسطينية في نفوس إسرائيل وحلفائها في الغرب. لقد غيرت طوفان الأقصى معادلة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي إلى الأبد وأوضح للعالم أجمع بأن القضية الفلسطينية والمسجد الأقصى لا يزالان قادران على التعبير عن حقوقهم المشروعة والدفاع عن قضيتهم العادلة. أبطال المقاومة لم يعودوا يأبهون بأي عملية تطبيع وهم اليوم لهم اليد العليا في المحيط الإقليمي، وعليه فإن المقاومون اليوم هم من يرسمون معادلة الصراع الجديدة بمشاركة حلفائهم وهم من يُسطّرون تاريخ البطولة والحرية.
باحث السياسة العامة والفلسفة السياسية
2023-10-09