إردوغان يحارب الإرهاب وعينه على دعم القوميين لتعديل الدستور!
ما زالت تركيا تبدي امتعاضاً من الدول الغربية التي تفترض أنها حليفتها، لكنّ المصالح اليوم باتت تتضارب في أكثر من مكان مع الأوروبيين ومع الأميركيين.
هدى رزق
أتت رسالة حزب العمال الكردستاني عبر التفجير الأمني واضحة من حيث التوقيت، ومن حيث الأهمية، فالتوقيت أتى قبل ساعات من الموعد المقرّر لبدء البرلمان العامّ التشريعي الجديد، أما الأهمية فيختزنها الموقع الأمني حيث أنها جرت قرب وزارة الداخلية، على بعد أمتار عن البرلمان، أي في وسط العاصمة السياسية أنقرة، وعلى بعد ساعات من افتتاح الجلسة التشريعية المقرّرة بعد الظهر، وسط إجراءات أمنية مشدّدة.
من المفترض أن يصادق البرلمان في إحدى جلساته على دخول السويد إلى الناتو، بعد أن كان الاعتراض الرئيسي لتركيا في الموافقة على عضويتها، بسبب أنشطة حزب العمال الكردستاني المستمرة. فقد أراد الحزب عبر هذه العملية إرسال رسالة إلى الرأي العام التركي وقاعدته المتشدّدة أنه لم يتعرّض للدمار، ولا يزال بإمكانه القيام بعمليات وسط أنقرة على الرغم من إدراجه كمنظّمة إرهابية.
الرئيس التركي إردوغان في كلمته الافتتاحية للسنة التشريعية، شدّد على أنّ العمل الإرهابي سيكون “آخر جهود الإرهاب”. وأشار إلى عملية عسكرية جديدة في سوريا والعراق منذ عام 2014، وأنّ التوتر مستحكم بين تركيا والولايات المتحدة بسبب الأسلحة والتدريب العسكري والأموال التي تقدّم إلى فرع حزب العمال الكردستاني في سوريا تحت حجّة استخدامها ضد “داعش”.
تساؤلات طرحت حول السهولة في وصول المنفّذين إلى منطقة تعتبر أمنية، فمعلوم أنه في الأول من تشرين الأول/أكتوبر يجتمع الرئيس مع الوزراء والنواب والهيئات الدبلوماسية الأجنبية في أنقرة، ما أثار الشكوك في كفاءة الاستخبارات التركية في ضبط مسألة بهذه الأهمية.
العملية العسكرية المعدّة تسبق التهديدات
أكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أنّ تركيا لن تتهاون في أمنها، مهدّداً “البنية التحتية والهياكل ومنشآت الطاقة التابعة لحزب العمال الكردستاني ووحدات حماية الشعب في سوريا والعراق، بأنها ستكون هدفاً مشروعاً”، مشيراً إلى أنّ الإرهابيَّين اللذين نفّذا هجوماً بالقنابل أتيا من سوريا، بعد أن تحقّقت تركيا من الأمر نتيجة للعمل الذي قامت به الاستخبارات والقوات الأمنية.
أمعن رئيس الاستخبارات السابق في تهديده “الأطراف الثالثة” بالابتعاد عن منشآت وأفراد حزب العمال الكردستاني ووحدات حماية الشعب”، محذراً من “أنّ ردّ القوات المسلحة التركية على هذا الهجوم الإرهابي سيكون واضحاً للغاية، وسوف يندمون مرة أخرى على قيامهم بالهجوم”. وكانت وزارة الدفاع الوطني قد أعلنت على أثر هذه التطورات، أن 20 هدفاً لحزب العمال الكردستاني في شمال العراق قصف من قبل الطائرات الحربية التركية.
العملية الانتقامية التي شنّتها القوات المسلحة التركية بدت وكأنها معدّة سلفاً، واستهدفت شبكة جمع المعلومات الاستخباراتية لحزب العمال الكردستاني و”الخلايا النائمة” في المنظمات المدنية، فضلاً عن استهداف اللاجئين السوريين الذين تمّ تجنيدهم لشنّ هجمات إرهابية، وهم ليسوا أعضاء في التنظيم ولكن يستخدمهم حزب العمال الكردستاني في هجمات “لمرة واحدة”، بعقلية العضو الذي يمكن التخلص منه. كما تمّ اعتقال 12 مشتبهاً بهم من حزب العمال الكردستاني في أنحاء تركيا واعتقال 55 مشتبهاً بهم في عمليات طالت كلّ المناطق الكردية. فيما اعتبر الاعتقال الأمني مقدّمة كإنذار لمنع أي عملية إرهابية يمكنها أن تحدث قبل الانتخابات البلدية في آذار/مارس 2024.
يشير التصعيد إلى وحدات حماية الشعب في سوريا والاغتيالات التي تستهدف قياداتها، من أجل تقويض التماسك لتحالف قوات سوريا الديمقراطية. بعد أن نفّذت القوات المسلحة التركية 3 عمليات عسكرية واسعة النطاق ضد الجماعات الكردية السورية، وجرى التلويح باستهداف المنشآت النفطية في محافظة دير الزور شمالي سوريا التي تشكّل مصدراً رئيسياً للدخل للحكم الذاتي باعتبارها هدفاً مشروعاً للأتراك. فهل تهدّد تركيا حماة “قسد” الأميركيّين؟ أم أنّ هناك غضّ طرف من قِبلهم؟
على الأثر، رفضت قوات سوريا الديمقراطية التحذيرات التركية، وحثّت المجتمع الدولي على اتخاذ إجراءات، وسط مخاوف من تصعيد عسكري جديد في شمال سوريا. فهل ستسمح الولايات المتحدة لتركيا بالمسّ بـ “قسد” بعد أن حذّرت تركيا من القيام بعمليات برية. تبدو تركيا ممعنة بالقيام بعمليات اغتيال تقوم بها طائراتها المسيّرة وتحقيق إنجاز تستثمره في الداخل، والعنوان هو ضرب الإرهاب، والمقصود هو كسب عقول وقلوب القوميّين جميعاً من أجل الحصول على الإجماع لتغيير الدستور.
وكان فيدان قد لمّح إلى ضلوع حزب الاتحاد الوطني الديمقراطي في حكومة إقليم كردستان شمال العراق، إضافة إلى “الحلفاء الغربيين”، كانت تركيا صريحة بشكل متزايد في انتقاد الاتحاد الوطني الكردستاني بسبب ما تصفه أنقرة بـ “تزايد أنشطة حزب العمال الكردستاني” في مناطق شمال العراق.
وكان وزير الدفاع التركي يشار غولر قد هدّد ضمناً الاتحاد الوطني الكردستاني من خلال تسمية زعيم الحزب المشارك بافل طالباني علناً. وردّاً على القصف التركي شمال العراق أصدرت الرئاسات العراقية الأربع، الوزراء والبرلمان والرئاسة والقضاء، بياناً رفضت فيه أي عدوان يستهدف أراضيها باعتباره يتنافى مع مبادئ حسن الجوار، ويهدّد أمن واستقرار البلاد والمنطقة، وأوردت أنّ حل الإشكاليات والاختلاف يتم عبر الحوار والتفاهمات والتعاون والتنسيق المشترك. لم يلبث أن أتى الردّ الأميركي عاجلاً بأنه على تركيا تنسيق عملياتها العسكرية مع العراق بشكل يحترم سيادته.
إردوغان ينتقد الغرب وعينه على إجماع القوميين
كانت الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي وغالبية عواصم الاتحاد الأوروبي قد أصدرت إدانات سريعة في أعقاب الهجوم، إلّا أنّ الرئيس التركي رجب طيب إردوغان انتقد معظم العواصم الغربية بسبب الهجوم الإرهابي، وردّ متهكماً على رسائل التعازي والإدانات باعتبارها تفقد قيمتها بعد كل عمل إرهابيّ، ولا تفيد في محاربة الإرهاب، وأنه لو تمكّن منفّذو هجوم أنقرة من الفرار إلى الخارج، لكانوا محميّين كلاجئين سياسيين جدد.
الدعم العلني المقدّم للإرهابيين في شمال سوريا جاء كمثال أكثر وضوحاً على ذلك، أي إلى الجماعات الكردية السورية المتحالفة مع الولايات المتحدة. وكانت تركيا قد طلبت من السويد تسليم أو ترحيل عشرات الأفراد بسبب علاقاتهم مع حزب العمال الكردستاني.
ما زالت تركيا تبدي امتعاضاً من الدول الغربية التي تفترض أنها حليفتها، لكن المصالح اليوم باتت تتضارب في أكثر من مكان مع الأوروبيين ومع الأميركيين، آخرها في جنوب القوقاز حيث تفضّل تركيا ابتعاد الغرب عن هذه المنطقة التي تعتبرها منطقة نفوذها وتخشى من تدخّلها عبر أرمينيا. أما جبهتها القتالية المفضّلة في سوريا والعراق فستشهد اشتعالاً بحسب متطلّبات السياسة الداخلية للمّ شمل القوميّين من أجل دستور جديد وانتخابات محلية مقبلة.
2023-10-07