بورش لكيسينجر وجحود لموسكو!
سلام مسافر
الحت عليه ان يجرب شوربة ” البورش” قبل ان تبدا بعرض مطالبها عليه.
و البورش، طبق أوكراني شهير، حفظت غولدا مائير طريقة تحضيره حين هاجرت مع أسرتها من أوكرانيا الى فلسطين لتصبح في غضون سنوات أحد أبرز زعماء الحركة العمالية أحد اجنحة الحركة الصهيونية.
لم يكن ضيف غولدا، مرتاحا للالحاح فقد أكل وجبة أدسم من البورش في موسكو قبل ان يطير منها الى تل ابيب، في أول رحلاته المكوكية أثناء الأيام التاريخية لحرب الغفران وفق التوصيف اليهودي و رمضان العنوان العربي لحرب أكتوبر 1973.
تجرع هنري كيسينجر ملعقتين من المرق الأحمر وكأنه يؤدي طقس المناولة من الحاخام قبل ان يعرض على السيدة الحديد” التماس” البيت الأبيض لإسرائيل بالموافقة على وقف إطلاق النار بناء على التفاهم مع السوفيت.
قال كيسينجر:
“أرجو ان تفهمي سيدتي باني أولًا أميركي وثانيا وزير خارجية الولايات المتحدة وثالثا يهودي.
لم يهتز حاجب المدمنة على التدخين او يتهدج صوتها. فردت بهدوء :
“كما تعلم هنري نحن في إسرائيل نقرأ من اليمين الى اليسار “!
يوم الغفران
————-
هذا المشهد من الفلم الذي يعرض في دور السينما الروسية وفي العالم بعنوان” غولدا مائير يوم الغفران” يعد جوهر التلاحم بين تل ابيب وواشنطن منذ ان قامت إسرائيل بدعم غير محدود من الزعيم السوفيتي جوزيف ستالين لكن ذلك لم يمنع غولدا مائير من نعت روسيا باقذع العبارات أمام هنري بعد صحن البورش.
يتزامن عرض الفلم الروائي التسجيلي مع الذكرى الخمسين لحرب أكتوبر المصنفة في الادبيات السياسية العربية على انها نصر مجيد.
استخدم صنّاع الفلم المادة الأرشيفية ببراعة لتظهر غولدا مائير بطلا قوميا، تحملت المسؤولية عن عدم تصديق التقارير الاستخبارية المتواترة عن استعداد مصر وسوريا لشن حرب تحرير الاراضي المحتلة اثر هزيمة 1967 المريرة.
ويرد اسم أشرف مروان على انه مصدر المعلومة عن موعد الحرب، وتبدو غولدا مائير مترددة ولا تثق بالعميل المصري، كما يعتبره الإسرائيليون.
بغض النظر عما اذا كانت الحوارات في الفلم بدعة روائية او انها تستند الى محاضر اجتماعات ؛ فانها لا تبتعد عن الحقائق والمعطيات التي تؤسس لعلاقة الزواج الكاثوليكي بين واشنطن وتل ابيب منذ البداية والى اليوم.
يركز الفلم على التقصير الإسرائيلي في درء الحرب كما ورد في كتاب ( المحدال ) اي التقصير الذي صدر بالعبرية وهو شهادة عن حرب 1973 وفق رواية إسرائيليين خدموا كمراسلين عسكريين أو ضباط احتياط خلال الحرب. ويركز على أخطاء الجيش الإسرائيلي وعيوبه دون تزويق وان كان يقلل من حجم قتلى الجيش الإسرائيلي الذين وصل عددهم الى ما يربو على الألفين و500 قتيل وعدة آلاف من الجرحى.
تنفتح كاميرا الفيلم على جنود خائفين لا يريدون الموت وعلى قادة مدنيين يحضون جنودهم على الاقتحام متقدمين معهم رغم جحيم نيران العدو.
ولأن أهم أهداف الفلم إظهار إسرائيل على انها الضحية دوما، فان واضعيه، وضّفوا بحبكة البعد السياسي للعلاقة الحميمة بين
” الدولة الصغيرة المسالمة” والعملاق النووي الولايات المتحدة. فيما يظهر الاتحاد السوفيتي بصورة العدو المبين.
يحفظ الاسرائيليون للحلفاء الود ويحرصون على إبداء الوفاء لدولة الجسر الجوي المفتوح بين القواعد العسكرية الأميركية في العالم والمطارات والموانيء الإسرائيلية الامر الذي لا نعثر عليه في الفلم التسجيلي المنتج من قبل الندوة التثقيفية للقوات المسلحة المصرية بمناسبة مرور 50 عاما على حرب أكتوبر الذي تجاهل تماما الدور السوفيتي في تدريب وإعداد القوات المسلحة المصرية وصولا الى العبور وتحطيم خط بارليف؛ وغفل بشكل مطلق جهود موسكو لوقف إطلاق النار بعد ان انتزعت القوات الإسرائيلية المبادرة في اليوم التاسع للحرب عبر ما يعرف بثغرة الدفرسوار وتطويقها الجيش المصري الثالث وصولا الى الكيلو 101. وتهديد القاهرة.
ابطال و متخاذلون
———
لقد ابلى الجنود والضباط المصريون بلاءً اشاد به العدو وهم يعبرون قناة السويس ويوقعون بالعدو خسائر كبيرة بالأرواح والمعدات لم تتوقعها غولدا مائير ولا أركانها.
كانت حرب اكتوبر ستحقق نصرا مؤزرا لولا حسابات أنور السادات الخاطئة الغريبة وتجاهله لخطط الضباط المصريين الأبطال أمثال سعد الدين الشاذلي وضربه عرض الحائط مشورة الخبراء السوفيت وعديدهم بالالاف في مصر قبل طردهم بطريقة مهينة سجل بعض جوانبها كتّاب مذكرات خدموا في مصر بصفة خبراء ومستشارين سياسيين وعسكريين.
حدثني سفير الاتحاد السوفيتي المرحوم فلاديمير فينوغرادوف في مصر انه شارك في اجتماعات القيادة المصرية أثناء سير المعارك وكان يتمنى على الرئيس السادات التقدم في العمق متجاوزا الخط المرسوم لتحرك القوات المصرية في سيناء مستفيدين من تقهقر الإسرائيليين ونكوصهم بفعل الصدمة وبسالة الجنود والضباط المصريين المندفعين كالسهام وهم يكبرون.
وأفاد بلهجة مصرية أحبها وتعلم بعض مفرداتها رغم انه لم يكن مستعربا:
– كنت اقول ليه ياريس توقف الزحف. خليهم يفوتوا يفوتوا كتير!
لم يستمع السادات لا للسفير فينوغرادوف ولا لمشورة الخبراء السوفيت؛ لكنه في اليوم العاشر للحرب وبعد ان تمكن الاسرائيليون من ثغرة الدفرسوار، أخذ يتوسل موسكو باستخدام ثقلها في مجلس الأمن الدولي لوقف الحرب.
الوفاء والجحود
——————-
وقف العالم على شفا المواجهة بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة أثناء حرب أكتوبر 1973 فقد كان المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفيتي يعقد اجتماعات يومية منذ اليوم الأول لاندلاع الحرب ولم يغادر العسكريون المعنيون ومثلهم الدبلوماسيون مكاتبهم ليل نهار.وعلى حد قول أحدهم فان كمية القهوة السادة التي تناولها خلال تلك الأيام تكفي لعشر سنين ولعشرة أشخاص .
أما الزعيم السوفيتي ليونيد بريجنييف فقد كان على إتصال مستمر مع القادة العسكريين ووزير الدفاع آنذاك اندريه غريشكو المعروف بمواقفه المتشددة والصلبة في التعامل مع إسرائيل والولايات المتحدة خلافا لموقف وزير الخارجية أندريه غروميكو الذي أطلق الإسرائيليين أسمه على أحد شوارعهم تثمينا لدوره في إنشاء الدولة حين كان يراس بعثة الاتحاد السوفيتي الدائمة في الأمم المتحدة عام 1948.
درست القيادة السوفيتية مختلف الاحتمالات بما في ذلك قيام إسرائيل بتدمير سد أسوان العالي وإغراق مصر. ووضعت خططًا طارئة من بينها تحريك قطعات الأسطول البحري السوفيتي الى البحر الأبيض المتوسط وبلغت مع تصعيد إسرائيل تهديداتها 95 قطعة بحرية بينها طراد يحمل رؤوسا نووية الأمر الذي رصدته أقمار التجسس الاميركية.
ليلة 25 أكتوبر لم تطفأ اضواء المكتب البيضاوي في البيت الأبيض فقد استدعى الرئيس ريتشارد نيكسون وزير الدفاع جيمس شليسنغر ورئيس هيئة الأركان المشتركة الأميرال توماس مورير والجنرال الكسندر هيغ نائب مستشار الأمن القومي ومدير سي آي إيه وليام كولبي اضافة الى مستشار الأمن القومي ( العزيز ) هنري كيسينجر.
كان نيكسون تلقى رسالة تحذير شديدة اللهجة من ليونيد بريجنيف، يدعو فيها الزعيم السوفيتي الرئيس الأميركي التدخل وردع إسرائيل عن القيام باعمال تهدد المنطقة؛ وان موسكو قد تضطر الى اتخاذ خطوات أحادية للدفاع عن استقلال مصر وسوريا.
تزامنت رسالة بريجنيف مع مناورات عسكرية واسعة للقوات السوفيتية في منطقة القوقاز المحاذية للشرق الاوسط.
في نفس الوقت حلقت طائرة ( ميغ 25 ) الحديثة وتفوق سرعتها سرعة الصوت بثلاث مرات فوق تل ابيب وعلى أرتفاع لا تصله الدفاعات أميركية الصنع، في إشارة واضحة ان موسكو لا تترد عن التدخل ان أقتضى الامر ردا على الجسر الجوي الأميركي لإسرائيل.
في تلك الأثناء وصلت برقية مشفرة من وزارة الدفاع السوفيتية الى وزارة الخارجية يأمر فيها وزير الدفاع أندريه غريشكو الملحق العسكري السوفيتي في مصر، السماح للقوات المسلحة المصرية إطلاق صاروخ( ام 17) او ما يسمى في الغرب صاروخ سكود ومداه 300 كيلومتر وضرب ميناء في سيناء تصله الامدادات الأميركية لإسرائيل.
تنبه موظف الشفرة لخطورة الرسالة فاتصل على الفور بالوزير أندريه غروميكو عبر الخط الساخن.
صمت الوزير الذي اشتهر بلقب
” مستر نيت ” اي (لا )لدقيقة، ثم رد على الطرف الاخر بصوت خفيض:
-لا تبعث بالرسالة الى القاهرة.
كان غروميكو يدرك خطورة انطلاق صواريخ سكود السوفيتية نحو أهداف في اسرائيل ما يعني الدخول في مواجهة مباشرة مع حليفتها الأميركية. بيد ان الإجراءات السوفيتية ذات الطابع الاستعراضي المصحوب برسائل التحذير الجدي ، حققت هدفها باجبار الإدارة الأميركية على إرسال هنري كيسينجر الى موسكو ومنها الى تل ابيب وبدء ما عرف بعدها بجولات ( العزيز) هنري المكوكية وصولا الى رحلة السادات الصادمة الى القدس وخطابه المدوي في الكنيست يوم 20 نوفمبر / تشرين الثاني 1977 بحضور موشي دايان و غولدا مائير التي لم تولم للرئيس المصري حساء البورش كما للعزيز هنري، فقد كانت طبخة التطبيع مع الكبيرة مصر، قد أعدت على نار هادئة وقودها طرد الخبراء السوفيت وقلب ظهر المجن لموسكو وإغفال الدور السوفيتي الحاسم في وقف الحرب ومنع زحف القوات الاسرائيلية نحو القاهرة ودمشق بدبلوماسية القوة.
لعل المصريين الذين ترفض غالبيتهم الساحقة التطبيع مع العدو الاسرائيلي؛ يحفظون في الذاكرة الجمعية الوفاء للشعوب السوفيتية التي قدمت تضحيات كبيرة دفاعا عن استقلال ومناعة مصر وسوريا في حرب أكتوبر 1973.
الموقف التأريخي الذي نأمل ان يبعث مجددا فيما أبطال غزة يقاتلون اليوم ببسالة جيش الاحتلال.
سلام مسافر
2023-10-08