[ أعمدة الحكمة السبعة ]!
رنا علوان
كتاب اعمدة الحكمة السبعة ( Seven Pillars of Wisdom) صدر في عام 1922 ، من تأليف الضابط الإنكليزي توماس إدوارد لورنس
يعتبر لورنس صاحب [ شخصية تاريخية استشراقية دخلت على ثقافة الشرق أوسطية وأثرت على هذه الثقافة بشكل كبير ] ، وذلك أثناء الحرب العالمية الأولى ، ولد لورنس عام 1888 و توفي عام 1935
كان لورنس مولعًا بحضارة الشرق منذ البداية محبًا للتاريخ ومولعًا بدراسة الآثار وكان شغوفا بشخصية نابليون بونابرت وكان قصير القامة مثل لورنس واهتم بدراسة استراتيجيات الحرب والخطط العسكرية لا سيما الخاصة بنابليون
تعلم لورانس اللغة العربية وأتقن تحدثها بطلاقة
وضع فيه لورنس العرب خلاصة تجربته السياسة في إدارة أنظمة دول ( الشرق الأوسط ) بعد سقوط الدولة العثمانية ، حيث ساهم في قيام الثورة العربية الكبرى ، وكانت مهمته تجنيد [ القبائل العربية ضد الدولة العثمانية]
في طيات هذا الكتاب ، نرى بوضوح كيف كان لورنس يرغب في توظيف تجربته “الجيوسياسية” لأغراض “جيوشاعرية”
من يقرأ “أعمدة الحكمة السبعة” يُلاحظ بشكل جلي ، استغراق الكاتب في وصف الأمكنة وتفاصيلها “المورفولوجية” والقبائل التي تعمرها والأحوال الجوية السائدة فيها وصفًا دقيقًا ، ما يدُل ذلك على أننا أمام متمرس في علم الجغرافيا ، وليس أمام رجل أدب أو جندي انكليزي عادي من وسط مؤسسة عسكرية
ولربما يعود ذلك ، كونه قد عُيّن سابقًا خلال الحرب العالمية الاولى بصفة رسام خرائط من قبل الجانب البريطاني
صحيح ان لورنس وظّف المعطيات الجغرافية التي تَأتَّى له جمعها خلال مغامراته في الجزيرة العربية توظيفًا أدبيًا وفنيًا راقيًا ، حيث ذهب به الشغف في طريقة وصفه للفضاء ، لدرجة يشيح عندها بنظره عن الأشخاص الماثلين أمامه ليسترسل في الوصف ، منساقًا وراء لغة المجاز ، فيقول على سبيل المثال
[ كان الوقت زوالاً ، وكان ضوء الشمس في الشرق ، كما هو ضوء القمر ، يُغشِّي الألوان النعاس ]
يعطينا الفصل الأول من “أعمدة الحكمة السبعة” انطباعًا قويًا بأننا لسنا أمام تقارير تؤرخ لما يعاينه “لورنس” العسكري في الميدان ، بل أمام كتابة تتوسل بأسلوب يغلب عليه المجاز الشعري ، فيصف لورنس الصحراء بأنها عارية ، والسماء لامُبالية ، والشمس الحارة التي تُخمِّرنا ، وضروب الصمت التي تعلق بالنجوم ، والريح اللافحة الضاربة
لكنها أيضًا لم تخلُ من الخباثة أبدًا ، فكانت هذه المعطيات تُجمع لتقديمها لاحقًا كمنطق “جيو-سياسي” يهدف إلى تعبيد الطريق لتدخل المؤسسة العسكرية في الفضاء الموصوف
ويقول لورنس في كتابه هذا [ بشكل عام أفضل الكذب على الحقائق ، وخصوصًا إذا ما تعلق الأمر بي شخصيًا ]
ظل لورنس يتخبط في هذا التناقض ، ولا يدري على أي جنب يميل ، فلا هو استطاع أن يندمج في الوسط المؤسساتي او السياسي أو العسكري ، ولا هو استطاع أن يحيى مثقفًا وشاعرًا
حتى انه بعد مرور السنوات ، يتذكر لورنس لقاءه بالجنرال أللنبي ، حيث يقول [ لم يستطع أللنبي أن يكتشف على وجه الدقة مقدار الجزء الحقيقي والجزء الزائف في شخصيتي ] اي ان هذا التناقض في شخصيته كان ملموسًا بالفعل للعديد ممن عرفوه ، وهو نفسه كان يعيه
يقول لورنس في مذكراته [ لو لم أكن مجنونًا لاستطعت أن أتبين أنه إذا ربحنا الحرب فلن تكون الوعود التي بذلناها للعرب إلا حبرًا على ورق ولو أنني كنت مستشارًا شريفًا لسرَّحت رجالي ، ولما تركتهم يعرِّضون حياتهم للخطر من أجل هذه المغامرة ، ولكن الإيحاء العربي كان أداتنا الوحيدة لكسب الحرب ، ولذا أكدت لهم بأن إنجلترا تحافظ على كلمتها قولاً وفعلاً ، لكن وبطبيعة الحال كنت على الدوام متألمًا وخجولاً من هذا التأكيد
اما حقيقة الثورة العربية الكبرى ، فلم تكن من بنات افكاره ، بل كانت من بنات افكار الشريف حسين الذي كان يخطط للقيام بثورة ضد الحكم التركي و تأسيس دولة عربية و جمع ألاف القبائل و الإمارات تحت قيادة حكومة واحدة ، فدخلت الأمبراطوية العثمانية الحرب و كانت أكبر غلطة قامت بها منذ تأسيسها
وضع البريطانيون جنودًا لهم في كل مكان و وجد لورنس دورًا له في الحرب بسبب تمكنه من اللغة العربية و معرفته بالعرب
فأخذ منصبًا في الإستخبارات العسكرية البريطانية في القاهرة ، حيث تم تعينه في جزء مهم من الإمبراطوية
استطاع لورنس إقناع العرب بأنَّه يسعى فقط إلى منحهم الحرية والاستقلال عن الدولة العثمانية ، إلا أنَّ التقارير التي كان يرفعها إلى المخابرات البريطانية تكشف زيفه ، فقد حدد أهدافه في أحد تقاريره الرسمية في عام 1916 بقوله:
[ أهدافنا الرئيسية تفتيت الوحدة الإسلامية ودحر الإمبراطورية العثمانية وتدميرها ، وإذا عرفنا كيف نعامل العرب ، وهم الأقل وعيًا ، فسيبقون في دوامة من الفوضى السياسية داخل دويلات صغيرة حاقدة ومتنافرة ، غير قابلة للتماسك ، إلا أنها على إستعداد دائم لتشكيل قوة موحدة ضد أي قوة خارجية ]
لقد كان “لورنس” يعي تمام الوعي أن علم الجغرافيا ، كما يقول [ إيف لاكوست Yves Lacoste ] الجغرافي والجيو سياسي الفرنسي ، في مقالته المشهورة ، بأن علم الجغرافيا يصلح أولًا لقيادة الحرب (La géographie, ça sert, d’abord, à faire la guerre)
وفق إيف لاكوست ، لا جدال في أن العلاقة بين لورنس والمؤسسة العسكرية الإمبريالية ، فهي من جنس العلاقة القائمة بين الجغرافيين الذين يوجدون في الطليعة وبين حس الغزو المرتبط بأجهزة الدول الكبرى
والدليل أن المتحكم في تحديد وجهة الرحالة المكتشفين بحسب لاكوست ، كانت الأطماع الإمبريالية الاستعمارية ، لانه ليس من المصادفة أن ينصب اهتمام المكتشفين الفرنسيين على الفضاء المغاربي بالأساس ، بينما ينصب اهتمام المكتشفين البريطانيين على صحراء الجزيرة العربية
كما ذهب “لاكوست” إلى حد القول بأن مفهوم [ المنظر الجميل ] لم يكُ إلا وليد القرون الاخيرة والذي امتاز به كل من الادباء والشعراء ، وأن الأصل فيه هو العقل الجيو إستراتيجي الذي يربط بين [جمال المنظر والقدرة على التصويب نحوه ] أو [ التحكم فيه (visible, visable) ]
نستنتج ان علم الجغرافيا هو السبيل الأوحد لخدمة التاريخ
حيث يقول “اللورد كورتزن” عام 1912 [ بفضل علم الجغرافيا ، (ولا شيء سوى علم الجغرافيا) ، يُمكّننَا من أن نفهم حركة قوى الطبيعة الكبرى ، وتوزع الساكنة ، ونمو التجارة ، وتوسع الحدود ، وتطور الدول ، والنتائج المذهلة التي تفضي إليها الطاقة الإنسانية في جميع تجلياتها ، فنحن ندرك أن الجغرافيا مُسخّرة لخدمة طموحاتنا التوسعية ، ومن المؤكد أيضًا أن الدراسات الاستشراقية “واجب نحو الإمبراطورية”
أما لورنس فيجتهد في كتابه ( أعمدة الحكمة السبعة ) كي يجعل التاريخ في خدمة الجغرافيا على عكس كورتزن
إذا كان هذا الاهتمام ذو الطبيعة العسكرية الاستراتيجية بالفضاء يفسر مهمة “لورنس” ويحكي قصته كصانع خرائط في المؤسسة الإمبريالية ، فإنه لا يكفي بالمقابل لتفسير حضور الجغرافيا كقيمة مضافة في “أعمدة الحكمة السبعة” ، هذه القيمة التي تجعل القارئ يتلقف الكتاب بوصفه عملاً أدبيًا راقيًا ، لا بوصفه تقريرًا أو سلسلة تقارير وضعت تحت تصرف جهة عسكرية أو استخباراتية
إن انحراف الدفة عند “لورنس” عن تاريخ الحرب العالمية الاولى ، أو عن التاريخ عمومًا ، بغرض التعبير عن لحظات وجودية ترتفع فيها الحواجز بين الإنسان والطبيعة
يدل على توجه أدبي وفكري باتجاه تكثيف الحضور الإنساني في المكان بغرض تخليص هويته من عوالق حضارة أصبحت تورث من القلق أكثر مما تورث من السكينة
وقد استعار لورنس من البيئة البدوية مقومات بلاغية تسعفه في توصيل أسلوب آخر في الوجود ، أسلوب يسمح بتناغم الحياة مع الترحال والتجوال
وبأسلوب براغماتي تملصت بريطانيا من وعودهم بشأن المناطق التي وعدوا بها العرب مرات عدة ، حتى أن الشريف حسين أعلن استقلاله وولادة الثورة العربية الكبرى، ففي يناير/كانون الثاني عام 1917، بدأ جيش فيصل البدوي زحفه رافعًا راياته عاليًا وكان “لورنس” يركب إلى جانبه مرتديًا زيًا بدويًا كاملاً
يبقى أن “أعمدة الحكمة السبعة”، إذ تكشف لنا جانبًا من جوانب ما وقع ، بينما تُخفي حقائق كبرى أيضًا ، لا يجليها إلا البحث في تاريخ صراع القوى الأوروبية حول المشرق العربي
لذلك نستنتج بانه ، على الرغم من ما يحمل هذا الكتاب في طياته ، الا انه عبارة عن سيرة ذاتية للورنس ، خاصة بالمرحلة التي قضاها من حياته مع البدو ، والمعارك التي خاضها إلى جانب الملك فيصل بن الحسين ، وفلسفته في الحياة ، والتي كما يزعم البعض انه اكتسبها بسبب معاناة كبيرة رافقته منذ الصغر فهو ابن غير شرعي ، وقد أجبره ذلك الأمر على مواجهة صعوبات حياتية اثرت في ثقل شخصيته وصولاً لاضطرابها
كما تم تحويل هذا الكتاب إلى فيلم ملحمي بريطاني صدر عام 1962 من بطولة بيتر اوتول ، وعمر الشريف ، وأنتوني كوين ، وحقق نجاحًا باهرًا ، لكن يظل الكتاب الصادر عام 1926 يحمل فلسفة عميقة لا زالت تسحر كل من يقرأه
فعلى سبيل المثال ، تحدث لورنس عن الشخصية العربية ، وكيف استطاع أن يحول القبائل المتناحرة ، التي لا تدين لأحد أبدًا ، لتقف صفًا واحدًا مع الإنكليز ضد الأتراك
وفي كتاب [أعمدة الحكمة السبعة ] قال عنه ونستون تشرشل وزير المستعمرات البريطانية آنذاك [ لن يظهر له مثيل للورنس مهما كانت الحاجة ماسه له ]
اختلفت الآراء حول شخصيته ، فمنهم من وصفه بالبطل والمغامر و[ملك العرب غير المتوّج] وأنه صانع الثورة الفعلي ، ومنهم من لقبه بـ [الجاسوس] الذي اندس بين العرب لأغراضٍ استعمارية بحتة، و”المخادع” صاحب الخديعة الكبرى (وهي إشارة للثورة الكبرى)، الذي خان أصدقائه العرب مع الدبلوماسيين البريطانيين والفرنسيين في اتفاقية سايكس-بيكو التي قسمت الدول العربية تمامًا
فيما اعتبره البعض كاتبًا كبيرًا وأحد أهم علماء الأثار في القرن العشرين ، بينما يرى آخرون أنه في أفضل الحالات يمثل علامةً هامشية على الأيام الأخيرة من الإمبراطورية البريطانية
وفي الحقيقة ، يعتبر لورنس من الاعمدة التأسيسية التي قامت عليها [ فكرة تقسيم منطقتنا العربية والاسلامية بدءً من خديعة بعض زعماء قبائل العرب وليس انتهاءً بدعم فكرة انشاء الدين الوهابي وشبه جزيرة العرب التي ما زال المسلمون يعانون منها الى يومنا هذا ]
حضر لورنس مؤتمر السلام في فرساي عام 1919 الذي وقَّع عليه الحلفاء المنتصرون ، عضوًا في الوفد البريطاني ومترجمًا للأمير فيصل الأول الذي أيقن تمامًا أن لورنس وحلفائه قد خدعوه “الخديعة الكبرى”، وبعد إنتهاء المؤتمر عاد لورنس إلى بلاده وشرع في تأليف كتابه [أعمدة الحكمة السبعة ]
ويُقصد بالخديعة الكبرى أنّ لورنس العرب ، وبدعمٍ من الحكومة البريطانية قد وعد العرب بدولةٍ مستقلةٍ خاصةٍ بهم بعد انهيار الدولة العثمانية، إلا أنه في عام 1916 تحديدًا وبعد إنتهاء مراسلات الشريف حسين- مكماهون ، كان الفرنسيون والبريطانيون قد أبرموا فيما بينهم اتفاقًا سريًا اسمه “سايكس-بيكو” لتقسيم الشرق الأوسط بينهما
وباختصار كان دور لورنس يكمن في تهيئة الأوضاع السياسية والأمنية في المنطقة العربية ، والتلاعب بالعرب وإقناعهم بالانضمام للإنكليز مقابل توهيمهم بأساليبه الاستخباراتية المقنعة ، بأن بريطانيا ستحقق لهم مطالبهم
[ نستخلص ان كل هذا كان تمهيدًا لتطبيق الوعود الحقيقية التي توعدت بها بريطانيا لليهود في وعد بلفور في 2 تشرين الثاني 1917 التي تكفل بإعطاء وطن قومي لليهود في فلسطين ، فضلاً عن اتفاقية سايكس بيكو التي قسمت العالم العربي كله ]
2023-08-07
![[ أعمدة الحكمة السبعة ]!رنا علوان [ أعمدة الحكمة السبعة ]!رنا علوان](https://www.sahat-altahreer.com/wp-content/uploads/2022/09/cropped-rnaalwan.jpg)