ذكريات من الزمن العابر.
موسكوفيات- الثمانينات من القرن الماضي.
بقلم: صلاح عبدالفتاح إسماعيل .
كان الرفيق خالد بكداش رحمة الله تغشاه مؤسس الحزب الشيوعي السوري و امينه العام تربطه بوالدي علاقة رفاقية قديمة تعود الى سبعينيات القرن الفائت ، فكان طيب الله ثراه يزور الوالد كل اسبوع تقريبا في مقر إقامة الوالد في الغابات الفضية بضواحي موسكو تطل على ضفاف نهر الفولجا و كان مناضلا جسوراً و رجل ودود جدا و ناضج فكريا و مثقفاً و كان كثيرا ما يتحدث عن كل ما يجري في الشرق الاوسط كمنطقة ملتهبة متعددة النزاع فيها و همه ان تتحرر اقطارنا من القنابل الموقتة التي زرعتها ببراعة قوى بقايا الاستعمار ، فالاستعمار صحيح انه خر ج من بلداننا التي تحررت و انتزعت الاستقلال المجيد و دحرت المستعمرين من ارضنا و طهرتها بدماء قوافل الشهداء التي روت جبالنا و السهول ، و قال لي ذات مرة : ( نعم الاستعمار خرج من الباب و عاد من النافذة و هذه هي المصيبة .)، الاستعمار ترك له ركائز و عملاء ظل يتعامل معهما و يوجههما في تخريب و تدمير كل ما تبنيه القوى الخيرة الجديدة في المجتمع و لهذا كان لابد من اليقظة الشديدة و عدم اعطاء فرصة لاعداء الوطن ان يتوغلوا في اجهزة الدولة و التامر على الشعب و الوطن ، و على قوى الاستقلال التفرغ لحماية كافة المنجزات الجديدة و مكافحة و مقارعة قوى الظلام هذه ، و لهذا كان تصوره بان عناصر الثورة المضاد و الطابور الخامس و المرتزقة الجدد هم ادوات الاستعمار الحقيقيين.
و كان كلامه حينها غير ملموس للمعنى البعيد للفكرة لانه كان صاحب نظرة ثاقبة يقراء المستقبل و يستشفه من تجربته النضالية العميقة و كان يتنبأ ما سوف يحصل حين تتمكن هذه القوى من الامساك بزمام الامور و تقلب عاليها سافلها على رؤوس الكل بحقد دفين بلا هوادة و لا رحمة لانها تنفذ اجندات قاتلة للتاريخ البشري بدون انسانية!! .
فبعض الاشخاص او العناصر الذين جاؤو من المهجر و ممن كانوا مغتربين لفترة طويلة اي الذين زاد تواجدهم خارج البلد كمهاجرين او مغتربين و مكثوا هناك لاكثر من عقدين و نيف من الزمان وانخرطوا اولادهم و اندمجوا داخل تلكم المجتمعات و اصبحوا شباب منهم و فيهم ، تعلموا في مدارسهم و جامعاتهم و خدموا في معسكراتهم و صار الولاء لتلكم الدول و لحكامها و اصبحوا متجنسين حاملين الجنسية الثانية و لديهم جوازات لتلكم الدول يتم انتقاء منهم عناصر مختارين بعناية و يتم ايضا تكليفهم بخطط و باجندات ينفذوها لاسيادهم الذين اصبحوا عبيد لهم و لهم الطاعة و الولاء و يصبحون هولاء قادة لاعوانهم الذين موجودين في الداخل و قد هيئوا لهم الارضية و الطريق التي يسيرون عليها ليتمكنوا من الانقضاض و للاستيلاء على كل شي ، للاسف الشديد حين تخرب الاوطان بايدي ابناء جلدتها وفق اجندات خارجية لاذلال الامة و نهب مقدرات الشعوب من عناصر بني جنسها حيث استطاعوا هولاء الوصول الى السلطة بغفلة من القوى الخيرة التي كانت مشغولة بالاثراء على حساب الشعب و التمتع بامتيازات السلطة و الاستحواذ على الوظيفة العامة لحاشيتهم فقط و اغفلت الدفاع عن الوطن و الاهتمام بمعيشه الشعب و مصالحه العليا في العيش الكريم و الامن و الاستقرار و الحفاظ على السيادة و كل حبة رمل من تراب الوطن ، رغم وجود الجيش المأهول و القوات الخاصة الضاربة و ألحرس الجمهوري الا انهم وقت الشدة ذابوا بلمح البصر كانهم فص ملح و ذاب في غمضة عين.
و استطاعت قوى الثورة المضادة و المرتزقة ان تنزل ضربات موجعة بالشعب اولاً لاذلاله و استقوت لتنفذ مخطوطات تعصف بالوطن و الشعب (يتكلمون لغتنا و قلوبهم اعجمية )و مع هذا اختطفوا السلطة و لكن مع هذا القرار ليس باياديهم لانهم فقط ينفذوا ما يامرون بتنفيذه لانهم فاقدين الاهلية و الولاء للوطن و ناكرين الجميل و ليس لهم ولاء و لا صفة و لكنهم بالاخير علينا محسوبين !!!!
و هذه هي الكارثة التي لم ينتبه لها احدا من الساسة الكبار بان هذه القوى كانت تعمل من وقت طويل تهدم كل شي و تبني لنفسها جسور و خرسانة حديدية لكي لا تخرق من اي جهة كانت ، اما الساسة ما صدقوا انهم وصلوا للسلطة ليتنعموا بمغانمها و كانوا مشغولين بتصفية خصومهم السياسيون و الحقوقيون و تصفية الاحقاد القديمة فيما بينهم و مهتمين كيف يقمعون القوى الوطنية و تصفية رموزها و الزج بهم في غائهب السجون و تفريخ الاحزاب السياسية الوطنية و تفكيك قواعدها و ممارسة سياسة العين الحمراء و الترهيب و الترغيب و التفرغ الى بناء القصور و التباهي بالاملاك خارج البلد في العواصم الغربية و العربية و تحويل اموال و ثروات البلد الى البنوك في دول الغرب و العيش الرغدة خارج البلد و بنعيم منقطع النظير، فالشعب لم يسلم لا من حكامه الاولين و لا الجدد فكلهم مرتهنين ولائهم لغير اليمن لهذا مهدوا لهذا القوى الظلامية من الاستحواذ على السلطة و تحولت الى اداة بطش تدمر اليمن و بدات بتخريب و دك البنية التحتية و قصف البشر و الشجر و الحجر في كل المحافظات بطائرتها المرعبة و تدمر كل اثار و معالم اليمن التاريخية و المستشفيات و الجامعات و المدارس و المعسكرات و تعيد اليمن الى القرون الوسطى .
اني اتسال بحق الم يطفح الكيل بعد و نفذ الصبر ..متى تصحون من سباتكم يا معشر اليمانيون لاستعادة وطنكم و ما خطف و ما سلب منكم و انتم في غفلة تجرون وراء تامين اللقمة و الكدمة و الهجمة ، شربة ماء في كوز مركوز ،!!
هناك بيت مشهور للشاعر الكبير معروف الرصافي بتصرف مني :
ناموا و لا تستيقظوا ما فاز النوم
يا قوم لا تتكلموا ان الكلام محرم.
انهضوا و انفضوا غبار المهانة و الارتهان و دافعوا عن ارضكم و عرضكم و توحدوا صفا واحد برجلا ً واحدا بقلب واحد ، ولا تسمحوا لاحدا ان يقطع اوصالهم و لا يمزقون نسيجكم الاجتماعي و لا يدوسون بينكم الفتن الطائفية و المناطقية و العنصرية لاجل إضعافكم فانتم اصل هذه الامة و مناقبكم ذكرها الله في كتابه الكريم القران الحكيم و في سنة رسولنا صل الله عليه و سلم في الحديث الشريف فالله سبحانه و تعالى قد اكرمنا بالعقل و خلقنا احرارا ، و قال سيدنا عمر بن الخطاب{ متى استعبدتم الناس و قد ولدتهم امهاتهم احرارً } فانتم احرار الارض فلا تسمحوا لاحدا الانتقاص منكم و انتم الاشراف و نبلاء الارض.
بمناسبة السنة الهجرية الجديدة ١٤٤٥ اتمنى لكم موفور الصحة و السعادة و كل عام و انتم بخير .اتمنى لكم عاماً خالياً من الأوجاع و المواجع .
2023-07-19
