ما هي دلالات المناورة الجوية للناتو في ألمانيا..؟
أنس القباطي
تحمل المناورة الجوية للناتو في الاجواء الالمانية رسائل عدة تشير في مجملها إلى ان الحرب الأوكرانية لن تحسم في حال نجحت روسيا في حسم المعركة البرية.
واعلن حلف شمال الأطلسي “ناتو” اجراء مناورة جوية ضخمة في الأجواء الألمانية، ستستمر حتى 23 يونيو/حزيران 2023، وبمشاركة 25 دولة، واطلق على هذه المناورة اسم “Air Defender 2023” وستضم 250 طائرة مختلفة الطرازات، والف جندي. ويؤكد الناتو ان هدف المناورة تعزيز قابلية التشغيل البيني والجاهزية لحماية الحلفاء ضد المسيرات وصواريخ كروز في حال وقوع هجوم على المدن أو المطارات أو الموانئ البحرية داخل أراضي الناتو.
ويرى مراقبون ان تزامن هذه المناورة مع احتدام المعارك في اوكرانيا يعد بمثابة رسالة تهديد لروسيا، ومؤشر على ان الحرب الأوكرانية ستدخل منعطف جديد في حال فشل الهجوم الأوكراني المضاد.
يرى خبراء عسكريون ان حلفاء اوكرانيا اصبحوا في مواجهة واحدة من أكبر الازمات الامنية منذ اندلاع الحرب في اوكرانيا نهاية فبرائر/شباط 2022، وان الحديث خلال الشهرين الماضيين عن احتمالية تزويد اوكرانيا بطائرات مقاتلة من قبل دول في حلف الناتو أصبح اقرب للواقع، ولاجل ذلك رتب الحلف لهذه المناورة استعدادا للمعركة الفاصلة مع روسيا، خاصة وان الترتيب لتدريب طيارين اوكران على قيادة طائرات f16 يقرأ بانه مؤشر على احتمالية توسع الحرب الأوكرانية نحو الدول المجاورة، كون اقلاع هذا النوع من الطائرات المقاتلة لن يتم الا من مطارات الدول المجاورة لأوكرانيا كبولندا ورومانيا ودول اخرى، ما سيجعل من مطارات الاقلاع هدفا لسلاح الجو والصواريخ الروسية، وفي حال حصل ذلك فإن الناتو سيكون ملزما بالدفاع عن اراضيه، وهو ما يعني ان نشوب المعركة بين روسيا والناتو تعد بداية لحرب عالمية ثالثة ان لم تطوق تداعياتها من اول لحظة.
يؤكد الناتو ان مناورة ألمانيا مخطط لها منذ سنوات، وليس لها أي هدف ضد روسيا. لكن مناورة بهذا الحجم لا يمكن الحديث عنها بمعزل عن الحرب الاوكرانية المستمرة للشهر السادس عشر. وبالنظر للمناورة التي بدأت الاثنين 12 يونيو/حزيران 2023 بتحليق مقاتلات وقاذفات قنابل وطائرات شحن في الأجواء الالمانية وستستمر لعشر ايام؛ فالأمر هنا ليس روتيني، ويقرأ على الأقل بأنه استشعار من الناتو بأنه اصبح يواجه تحدي امني كبير جراء استمرار الحرب الأوكرانية. تقول صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، ان المناورة تأتي ضمن خطط الناتو المقرة في العام 2018، وان هذه الخطط جاءت استجابة للتحديات العسكرية التي بدأ الحلف يواجهها بعد ضم روسيا شبه جزيرة القرم في العام 2014، لكنها أصبحت اليوم أكثر إلحاحاً بعد الهجوم الروسي على أوكرانيا، الذي أثار قلق أعضاء الناتو الذين يقعون في ظل روسيا، وبالتالي فإن الحلف اصبح مضطرا لإعادة تقييم نفسه بعد سنواتٍ من السبات. وما اوردته الصحيفة يعد مؤشرا على ان الدافع لبدء المناورة ليست بعيدا عن تداعيات الحرب الاوكرانية.
اختيار ألمانيا لتكون المكان الذي تجري فيه المناورة يحمل دلالات تشير إلى أنها ستكون مكان الانطلاق للهجمات الجوية والتموين الجوي في حال اندلعت المعركة بين الناتو وروسيا، لأن دول شرق أوروبا ستتحول إلى ميدان رماية، وأن انطلاق الهجمات الجوية لن يتم من المطارات الاوكرانية، كونها اصبحت مدمرة وما تبقى منها اصبحت تحت السيطرة النارية لروسيا، وهنا لابد من ان تنطلق الهجمات من مطارات الدول المجاورة الاعضاء في الناتو، ما سيجعل مطاراتها عرضة للهجمات الجوية والصاروخية الروسية، اي لن تكون آمنة، قياسا بالمطارات الألمانية بعد الضربات الأولية.
وبالنظر للدول المشاركة في مناورة ألمانيا، سنجد ان جميع الدول المشاركة هي اعضاء في الناتو، بما في ذلك فنلندا الأحدث انصماما، كما ستشارك السويد التي تسعى للانضمام إلى الحلف، واليابان العضو المراقب، كما ان المناورة التي ستشمل تدريباً عملياتياً وتكتيكياً في ألمانيا، ستمتد إلى إستونيا ولاتفيا والتشيك، وكل ذلك يهدف بحسب خبراء عسكريين إلى تعزيز التشغيل المشترك والحماية من المسيرات وصواريخ كروز الروسية، في حال حصل هجوم على أراضي الدول الاعضاء في الناتو.
وبالتالي فإن امتداد المناورة الى الدول الثلاث خارج ألمانيا يعد بمثابة تحديد لمسرح العمليات الحربية باتجاه الدول القريبة من اوكرانيا، ما يعني ان الرسالة موجه لروسيا اولا، وللعالم بشكل عام، لتحقيق أهداف الردع لروسيا ومن يفكر بالاصطفاف إلى جانبها من الدول الأخرى التي بدأت تحبذ التغريد في السرد الروسي.
منذ بدء الحرب الأوكرانية يستخدم الناتو اوراق مختلفة، استجابة للواقع الذي يتعزز على الأرض، بهدف وضع روسيا امام خيارات صعبة، لاجبارها على التعاطي مع اجندات الغرب في حال فكرت باللجوء لخيار التفاوض، حيث دفعت دول في الحلف بعدد من انظمة اسلحتها الحديثة لمساندة الجيش الاوكراني، بما فيها تبادل المعلومات الاستخبارية الفورية والحرجة للغاية والتدريب على الحرب غير المتكافئة والمساعدة المالية المباشرة. ولما تزايدت الخسائر في ارتال الدبابات والعربات المدرعة الغربية التي وصلت للجيش الاوكراني، من بينها دبابات حديثة، كانت فكرة اللجوء لاستخدام سلاح الجو مستقبلا لتحقيق تقدم مروم يرهق الجيش الروسي ويؤثر على معنوياته، فكانت هذه المناورة التي تعد البداية لتدشين المعركة الجوية، وان حصلت هذه المعركة فلن تكن الا بداية لتوسيع جغرافية مسرح العمليات الحربية، واعلان نشوب حرب عالمية. والملاحظ ان الناتو هو الممسك بمبادرة توسيع جغرافية الصراع، رغم عدم التوسع عمليا على الارض، فالحلف اتجه لتوسيع نطاق أراضيه بضم فنلندا والسويد، اللتان حافظتا منذ فترة طويلة على حياد رسمي لتجنب أي صراع مع روسيا، وسعيه لضم دول من خارج قارة اوروبا من خلال سعيه لفتح مكاتب تنسيق ومنح عضوية مراقبة لدول في قارة آسيا كاليابان.
وبالعودة إلى تصريحات قائد سلاح الجو الألماني الجنرال إينغو غيرهارتس الذي اكد إن التدريبات ليست ضد روسيا، وأن حلف الناتو مصمم على الدفاع عن “كل شبر” من أراضيه، وان الحلف دفاعي، والمناورة خُطط لها على هذا الأساس، يتضح ان الحلف بات في مواجهة تحدي امني املته التطورات الميدانية على ارض المعركة في اوكرانيا، وهو ذاته التحدي الامني الذي دفع روسيا لاعلان الحرب قبل 16 شهرا، وهذا التحدي الامني الذي يواجهه الحلف سيفرض تغير قواعد الاشتباك في الحرب الاوكرانية، وتغير القواعد لا يعني سوى توسع جغرافية الحرب. وهذا الامر ظهر بشكل اوضح في تصريح السفيرة الأمريكية لدى ألمانيا، إيمي غاتمان، والتي قالت للصحفيين “سأفاجأ إن لم يُلاحظ أي زعيم في العالم ما يظهره هذا لناحية روح هذا التحالف، وماذا تعني قوة هذا التحالف، وهذا يشمل السيد بوتين الرئيس الروسي”، مؤكدة بالقول: “نُضاعف قوتنا من خلال تنسيقنا المشترك”.
ويؤكد الحشد الجوي في ألمانيا ان الناتو بدأ يسل سيفه لمنازلة روسيا بشكل مباشر، ولم يتبق غير موعد اطلاق رصاصة البدء، والتي لم يتخذ القرار ببدء انطلاقها، والذي يبدو مرتبطا بمستوى المواجهات على الارض. والواضح ان المناورة تحمل رسالة استراتيجية وجيوسياسية، ولو قُبل التداعي “الروتيني” للجبهة الغربية، لأن الغرب اصبحوا يأخذون التهديد الروسي على محمل الجد، بحسب تعبير عضو هيئة التدريس بجامعة إسطنبول أيدن التركية، البروفيسور طارق أوز أوغلو.
تبدو التداعيات في الحرب الاوكرانية متسارعة منذ بداية يونيو/حزيران 2023، فتفجير سد كاخوفكا جنوب اوكرانيا، ادخل الحرب مرحلة تدمير البنى التحتية لصالح العمليات الحربية، وفي حال لم تمنح هذه المرحلة الجيش الأوكراني تقدم على الارض، فإن مرحلة جديدة ستدخلها الحرب، وهي التدخل المباشر للناتو جوا لتغيير معادلة الحرب، حيث بدأت مقاتلات الناتو منذ الثلث الثاني من يونيو/حزيران الجاري باعتراض المقاتلات الروسية التي انحرفت بالقرب من المجال الجوي لدول البلطيق، حيث سجلت خلال الايام الماضية أكثر من 10 عمليات اعتراض، وهذا الانحراف عدته وزارة الدفاع الليتوانية استجابة من روسيا للمناورة الجوية في ألمانيا.
وتعطي هذه المناورة انطباع بأن الناتو سيسعى على الاقل بتركيز مزيد من القوات والمعدات العسكرية بشكل دائم على مقربة من الحدود الروسية، ما يستوجب المزيد من تكامل الخطط الحربية بين اعضاء حلف الناتو، والمزيد من الإنفاق العسكري، بعد ثلاثة عقود من تقلص الميزانيات العسكرية.
ومما سبق يمكن القول ان الغرب بدأ يستشعر احتمال فشل الجيش الاوكراني في حسم المعركة البرية، وان الحلف لن يسمح لروسيا بحسم الحرب، بمجرد انتصارها بريا، وان الحلف مصمم على هزيمة روسيا حتى وان استدعى الأمر تدخله مباشرة عن طريق الجو، وان المعركة الجوية هي من ستلحق الضرر بالأراضي الروسية التي فشلت المعركة البرية في نقل الضرر إليها، لكن الضرر لن يكون مقتصرا على روسيا وانما سيستمد لأراضي الناتو، فلدى الروس سلاح جو وقوة صاروخية قادرة على تحقيق ذلك، وهنا ربما يراهن الغرب بقيادة امريكا على ان توسع الحرب جغرافيا إلى دول مجاورة لاوكرانيا سيساهم في حشد تلك الدول إلى جانب واشنطن ولندن واستخدامها في المواجهة المباشرة مع روسيا.
2023-06-19