الدولة الواحدة التي تنطلق من الحقائق، نقيض للدولة الواحدة التي تنطلق من الحقوق!
غانية ملحيس
في تطور غير مسبوق ، نشرت مجلة فورين أفيرز الأمريكية بتاريخ 14/4/2023، مقالا بعنوان “حقيقة دولة إسرائيل الواحدة. حان الوقت للتخلي عن حل الدولتين”.
وكنت قد نشرت ترجمة للمقال في 17/4/2023 مع تقديم موجز للفت انتباه القارئ الفلسطيني والعربي إلى أهمية متابعة الخطاب الأمريكي المستجد اتجاه الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، ومتابعة ما يتضمنه من فرص للإفادة منها بفعل سياسي وميداني فلسطيني وعربي مؤثر، لتعزيزه وتصويب مساره. والانتباه في الوقت ذاته إلى مآرب أخرى خفية، قد يسعى الخطاب لتمريرها في مرحلة تاريخية فارقة يعاد فيها تشكيل النظام الإقليمي والدولي.
فالمقال يبدو وكأنه يؤسس لمراجعة نقدية جذرية للسياسة الأمريكية اتجاه الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، من خلال :
أولا : تضمينه مكاشفة غير مسبوقة حول الواقع العنصري لدولة إسرائيل. رغم أن الجهر بذلك كان ،وما يزال، أحد المحرمات في السياسة الأمريكية، ومدعاة للاتهام بمعاداة السامية والملاحقة القضائية.
فاللافت إسهاب المقال في توضيح خصائص عنصرية دولة إسرائيل وأبرزها :
-
سيطرة دولة إسرائيل اليهودية المتواصلة لأكثر من نصف قرن على كامل أراضي فلسطين الانتدابية ، وعلى جميع السكان فيها.
-
إفلات إسرائيل من مسؤولياتها القانونية اتجاه سكانها الفلسطينين الخاضعين للاحتلال في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ العام 1967، لعدم قيامها بضمها رسميا، والإيحاء للمجتمع الدولي بأن وضع الاحتلال مؤقت.
-
انتهاج إسرائيل لنظام فصل عنصري اتجاه السكان الفلسطينيين الذين يخضعون لمنظومة قانونية تختلف جذريا عن تلك المطبقة على سكانها اليهود. الذين يتمتعون بحقوق مواطنة وديموقراطية حصرية تقتصر عليهم. فيما يخضع السكان الأصلانيين الفلسطينيين الخاضعين لسيطرتها( 50% من إجمالي السكان) لأنظمة وقوانين عنصرية تتباين درجات حدتها وفقا لأماكن تواجدهم الجغرافي :
-
ففلسطينيي إسرائيل يعاملون كمواطنين من الدرجة الدنيا ، بحقوق مدنية وسياسية منقوصة ومقيدة، وحرمان من المساواة القانونية والقضائية، ومن الحق في تقرير المصير الذي يقتصر على السكان اليهود فقط.
-
وسكان القدس الشرقية الفلسطينيين يعاملون كمقيمين دائمين، بحقوق مدنية تمييزية، وليس لديهم أية حقوق سياسية.
-
وسكان الضفة الغربية يخضعون لنظام حكم عسكري.ومحاصرون في معازل سكانية تحيط بها المستعمرات الاستيطانية اليهودية المتنامية .
-
وسكان قطاع غزة يخضعون لحصار سياسي وعسكري واقتصادي محكم ومستدام .
وينظر إلى الوجود الفلسطيني بأسره في “دولة إسرائيل الواحدة” كوجود مؤقت بانتظار فرصة مواتية للتخلص منه .
-
نفاذ فرص التسوية السياسية التفاوضية القائمة على حل الدولتين وفقا لحدود العام 1967، لتعذر تحققه .
-
سيطرة ائتلاف اليمين الديني العنصري المتطرف على القرار الإسرائيلي، واستبداله منهج التدرج الذي كانت تتبعه الصهيونية العلمانية في بسط سلطة الدولة اليهودية الواحدة على كامل فلسطين الانتدابية، بمنهج الحسم العاجل وفرض دولة إسرائيل اليهودية الواحدة بالقوة.
ثانيا : إشارة المقال بوضوح إلى المسؤولية الأمريكية المباشرة عن تشكيل واقع “دولة إسرائيل الواحدة”، من خلال توفير الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي والمالي، والحصانة الاستثنائية التي تمنحها لإسرائيل وتحررها من نفاذ القانون الدولي والإنساني، ما يمكنها من إدامة الاحتلال والإفلات من المساءلة والمحاسبة عن سياساتها وممارساتها العنصرية.
ثالثا : تنبيه المقال للتغيرات النوعية في الرأي العام الأمريكي والغربي، وخصوصا لدى الأجيال الشابة اتجاه مسألة حقوق الإنسان وترابطها وشموليتها من جهة.
ولتحول موضوع الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي من مسألة تقتصر على السياسية الخارجية الأمريكية إلى موضوع يتصل بالسياسة الداخلية والتنافس الاستقطابي الحزبي من جهة ثانية.
ولتنامي اهتمام الشباب اليهودي الأمريكي بتطورات الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي ، وتزايد مخاوفهم من التداعيات السلبية للسياسات والممارسات العدوانية الإسرائيلية على أمنهم ومصالحهم واستقرارهم في الولايات المتحدة الأمريكية. وتنامي قلقهم ازاء تداعيات التناقض بين النضال ضد العنصرية واللاسامية المتنامية التي تستهدفهم، وبين تأييد دولة إسرائيل التي تطبق نظام فصل عنصري اتجاه الشعب الفلسطيني من جهة ثالثة .
رابعا : لفت النظر إلى مركزية القضية الفلسطينية في الوعي والضمير الشعبي العربي. وتعثر عملية تطبيع العلاقات مع إسرائيل بسبب تزايد مخاوف الأنظمة العربية من تداعيات التطبيع وتجاوز الحقوق الفلسطينية على استقرار ساحاتها الداخلية المهيأة للانفجار بسبب أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية المتردية .
خامسا : الإشارة إلى تباين المصالح الأمريكية – الإسرائيلية ، خصوصا بعد سيطرة الائتلاف اليميني الديني على السلطة في إسرائيل وانقلابه على القضاء، وتهديده لديموقراطية الدولة اليهودية. وانعكاس ذلك سلبا على مصداقية الولايات المتحدة الأمريكية ودورها القيادي في الساحة الدولية بسبب دعمها لإسرائيل .
سادسا : الانطلاق مما تقدم للدعوة إلى تغيير النهج الأمريكي في مقاربة الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، ليصبح أكثر توازنا. وذلك من خلال المساعدات الأمريكية المشروطة لإسرائيل. والمساءلة حول أوجه استخدامها. ووقف الحماية لاستثناء إسرائيل من نفاذ القانون الدولي والإنساني. والتوقف عن قيادة أمريكا لجهود تطبيع علاقات إسرائيل بالمحيط العربي والإسلامي .
وعلى الرغم مما يؤشر إليه المقال من تطور نوعي غير مسبوق في الخطاب الأمريكي، وتناوله لأول مرة قضايا جوهرية تتصل بالصراع الفلسطيني – الاسرائيلي ، ظلت محظورة على ساحة النقاش العام الأمريكي والغربي لأكثر من قرن .
إلا أن هذا التغيير الجذري المفاجىء، الذي يرقى إلى مستوى الثورة في السياسة الخارجية الأمريكية عموما، والشرق أوسطية خصوصا. يثير الشكوك بوجود مآرب أخرى قد يسعى لها المقال. كونه يأتي خارج السياق العام للسياسة الأمريكية الثابتة والمتواصلة منذ عهد الرئيس ودورو ويلسون (الذي أسهم مستشاروه في صياغة وعد بلفور وأقر بنفسه الصيغة النهائية قبل إصداره عام 1917). مرورا بكل الروساء الأمريكيين ،ووصولا إلى الرئيس الحالي جو بايدن. الذي لخص السياسة الأمريكية اتجاه إسرائيل بقوله : ” لو لم تكن إسرائيل موجودة ، لتوجب علينا خلقها ” ووصف إسرائيل بأنها أهم استثمار أمريكي لحماية المصالح الحيوية الأمريكية.
يعزز الشكوك بمقاصد المقال، توافق الحزبين الجمهوري والديموقراطي حد التطابق في مقاربتهما للصراع الفلسطيني-الاسرائيلي، وإخراجه من دائرة الصراع الاستقطابي المحتدم بينهما. ولا نغالي القول بأن صفقة القرن التي أبرمها الرئيس دونالد ترامب، وروج ،آنذاك، بأنها تشكل خروجا عن السياسة الأمريكية، ربما الوحيدة من القضايا التي التزم بها الرئيس بايدن – خلافا لوعوده الانتخابية- وقام بتسريع وتائر تنفيذها واستكمالها لتحقيق الأهداف الثابتة للسياسة الأمريكية اتجاه الصراع الفلسطيني- الاسرائيلي والتي تسعى الى :
-
تمكين وتشريع سيطرة دولة إسرائيل اليهودية على كامل فلسطين الانتدابية
-
إخراج القضية الفلسطينية من إطار منظمة الأمم المتحدة .
-
منع الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة على أي جزء من الأرض داخل فلسطين الانتدابية.
-
تصفية قضية اللاجئيين الفلسطينين /7 مليون/ ورفع الشرعية عن حقهم في المطالبة بالعودة . والسعي لتوطينهم خارج حدود فلسطين الانتدابية. والعمل على تصفية وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينين / الأونروا / عبر التقليص المتدرج لخدماتها. وتقييد التمويل المتاح لعملياتها، وربطه بإعادة تعريف اللاجىء الفلسطيني لمنع توريث صفة اللاجىء لذرياتهم، وحصره في بضعة آلاف فقط .
-
استخدام حق النقض /الفيتو / لحماية إسرائيل من تداعيات خرقها للقانون الدولي والإنساني.
-
تكثيف الضغوط لمنع الشعب الفلسطيني من اللجوء للمحاكم الدولية/ محكمة العدل الدولية ومحكمة الجنايات الدولية / لمقاضاة إسرائيل على جرائم الإبادة والجرائم ضد الإنسانية التي تواصل ارتكابها ضد الشعب الفلسطيني.
-
إضفاء صفة قانونية ملزمة على مصطلح معاداة السامية وفقا للمعنى المعتمد من قبل التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست، الذي يساوي العنصرية ومعاداة اليهود بمعاداة الصهيونية وبانتقاد السياسات والممارسات الاسرائيلية. واستخدام معاداة السامية وفقا لهذا التعريف كسلاح لمنع النقاش السياسي في مجال الصراع الفلسطيني – الاسرائيلي. .
-
تجريم مقاومة الاحتلال والاستيطان .
-
تجريم كآفة أشكال المعارضة غير العنيفة للسياسات والممارسات الاسرائيلية( BDS).
-
تكثيف الضغوط على الدول العربية والإسلامية لتسريع تطبيع علاقاتها بإسرائيل .