رنا علوان
يشهد كيان العدو منذ مدة مظاهرات وفوضى تعم شوارع الإحتلال الغاصب ، ومن الواضح فقدان السيطرة على احتواءه وامتصاص غضبه
بعد أن أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي ، بنيامين نتنياهو ، رفضه خطة الحل الوسط التي طرحها الرئيس يتسحاك هرتسوغ ، لإصلاح الجهاز القضائي ، ما دفع آلاف المتظاهرين للإحاطة بمقره في القدس وبيته الشخصي في قيسارية وبيوت بقية الوزراء في شتى أنحاء البلاد ، رافعين شعارًا
[لا نريد أن يحكمنا ديكتاتور]
و[الديكتاتوريون إلى الخارج]
كما توجهوا بنداء إلى زعماء العالم يطالبونهم بمقاطعة نتنياهو ووزرائه ، وأعلنوا أنهم يعدون لجعل المظاهرات المقبلة في الأسابيع اقادمة أكبر وأكثر حدة
والأهم هو قرار مجموعة ضباط الإحتياط في سلاح الجو والإحتياط في الوحدات المختارة وقوات الكوماندوز المختلفة بالبدء برفض الإستجابة لطلبات التجنيد للخدمة
وإزاء ما يجري ، تبرز أيادي خفية ، كتلك التي يستخدمها العدو في مكره ضدنا ، حيث قام نشطاء في الشبكات الاجتماعية بحملة تحريض شخصية على هيرتسوغ ، ما جعل المتظاهرين يتهمون الحكومة بالتخطيط للإعتداء عليه وتحطيم هيبته
فضلًا عن إقدام مجموعة ، بالكتابة على سور منزل وزير العدل ياريف ليفين عبارة كراهية
[ليفين أنت عدو الشعب]
علماً أن الوزير ليفين يمكث في بيته في حداد على وفاة والده ، فيما شرعت الشرطة في التحقيق بحثًا عن مرتكبي هذا العمل
وأدان بيني غانتس ، هذا العمل بتغريدة على صفحته
مصرّحًا [لدي خلاف عميق مع وزير العدل ليفين بخصوص الانقلاب السلطوي الذي يدفع به وسأفعل كل ما بوسعي لأمنعه من تحقيق ما يضرب الديمقراطية في مقتلها ، ولكن حتى وإن كان البيت مشتعلاً ، فعلينا وضع ضوابط أنا أشجب الكتابات على سور منزل الوزير ليفين] [الاحتجاجات حفاظًا على الديمقراطية حرجة ، ولكن كتابة كهذه عمل غير شرعي]
أما عضو الكنيست حيلي تروبر ، من الحزب نفسه قال [كم من القبح والكراهية يكمنان في نفس من أقدم على مثل هذا العمـل!]
وفي سياق ما سلف ، نستذكر أبرز ما جاء في كلمة الامين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصرالله في مهرجان (شهادة وإنتصار) في الذكرى السنوية للقادة الشهداء
[الوضع في كيان العدو هو غير مسبوق على المستوى الداخلي والبيئة الإستراتيجية والحكومة الحمقاء الحالية تدفع الامور الى صدامين كبيرين الاول داخلي إسرائيلي والثاني فلسطيني وقد يمتد في المنطقة]
وأضاف [لأول مرة في الكيان الصهيوني نسمع الحديث من رئيس الكيان ورؤساء وزراء سابقين ووزراء حرب سابقين وجميعهم يتحدثون عن حرب اهلية وسفك للدماء وقرب الانفجار ويتحدثون عن الهجرة المعاكسة]
[رئيس كيان الاحتلال نفسه أقرّ بمخاوفه من انفجار وشيك داخلي وإنهيار الكيان]
كما وجه كلمة لأميركا قائلًا [إذا دفعتم لبنان إلى الفوضى فستخسرون و عليكم أن تنتظروا الفوضى في كل المنطقة وستمتد ايدينا الى ربيبتكم “اسرائيل”
[ومن يريد ان يدفع لبنان الى الفوضى او الانهيار عليه ان يتوقع منا ما لم يخطر في وهم]
وقد علّق أحد محللو الشؤون العربية ، روعي كايس على كلمة نصر الله زعيم قائلا ً ، [إن الذي وضع نظرية “بيت العنكبوت” للمجتمع الإسرائيلي وعدم الوحدة فيه بعد الانسحاب من جنوب لبنان ، لم يفوت الفرصة للتطرق الى الصراع الداخلي في “إسرائيل” هذه الأيام ، وتطرق الى ذلك بتوسع كبير ، وتحدث عن ان الحكومة في “إسرائيل” تدفع نحو تصادم داخلي ومع الفلسطينيين]
اما صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية فعلّقت
[نصر الله يقول بصوت عالٍ ما قرأه ضباط المخابرات في التقارير ، وأعطاها الرئيس هرتسوغ علانية في خطابه الأخير
هو يشخص الضعف وحرب الأشقاء ويقدر أن العدو الصهيوني لن يصل إلى إحتفالات مرور الثمانين عامًا
ليس لدينا (في إسرائيل) من يوقف التدهور نحو الهاوية
[قصف تل أبيب هو الحل …!!!]
برزت هذه الجملة في شارع العدو الاسرائيلي المنقسم على نفسه بشكل حاد جدًا ، كما يومًا بعد يوم تزداد جرعة التصعيد بين طرفي الانقسام ، إنذارات ساخنة أطلقها الشاباك بإحتمالية عالية أن تقع عملية [إغتيال لشخصية عامة في الكيان]
وكانت قد نجت سارة (السيدة الأولى للكيان الغاصب) من محاولة الاعتداء عليها ، وهذا الأمر إعتبره البعض (سابقة لم تحدث في تاريخ الكيان)
كما أن الصهيونية الدينية أحرجت نتنياهو أكثر من مرة أمام أمريكا و المجتمع الدولي بسبب تصريحات تخلو من الدبلوماسية ، وهذا يدل على الخناق الذي يزداد على نتنياهو و حكومته ، وأنها ستسقط في أي لحظة
ونتنياهو مرعوب جدًا من شبح السجن في حال سقطت حكومته ، كما أن اليسار يضغط أكثر وأكثر على نتنياهو من خلال المظاهرات في الشارع و الأصطدام بالشرطة التي يقودها الأرعن بن غفير (والإحتكاك بين الشرطة و المتظاهرين ممكن أن يتدحرج فجأة إلى مستوى حرج جداً ما سيؤثر على استقرار أوضاع الجبهة الداخلية)
ونجد أن نتنياهو أستنفذ كل الخيارات للخروج من هكذا أزمة تعصف و تهدد تماسك المجتمع المؤقت ، كما شاهدنا بالأمس مظاهرة مقابل الأخرى ، وهذا مؤشر واضح على الشرخ الحاصل
وعلى سياق ما يجري يرى البعض أن الحل ربما يكمن في تنفيذ (عملية إغتيال لشخصية وازنة من الجهاد الإسلامي)وقد تكون كفيلة بتفجير حالة الهدوء المقابل ، الأمر الذي سيدفع الجهاد إلى قصف تل أبيب
واذا قصفت تل أبيب ، سيصبح الأمر محرجًا لليسار ، وحتمًا ستتوقف المظاهرات لأن الدولة في حالة حرب ، أما السؤال الذي يطرح نفسه لماذا سيختار نتنياهو الجهاد وليس حماس؟! ، فببساطة لأنه يريد مواجهة مضبوطة ومحدودة كتلك المواجهة التي افتعلها لابيد مع الجهاد سابقاً
أعتقد أن الشاباك و الموساد يبحثان الآن عن شخصية جهادية بحجم العجوري مثلاً لإخراج اسرائيل من أزمتها ، وهذا بكل تأكيد يبقى مجرد تحليل على صعيد قراءة ما يجري
[الفوضى مقابل الفوضى]
وليشربوا من نفس الكأس ، فلأول مرة منذ نشوئه على أرض فلسطين المحتلة، يجد الكيان المؤقت نفسه ساحة تصفية حسابات نتيجة سياسات أميركية عنوانها نشر الفوضى لفرض أجندات سياسية تخدم مصالح واشنطن ، وبطبيعة الحال قد تصب أيضًافي مصلحة “تل أبيب”
فمنذ ما بعد عام 2019 ، وهو عام مفصلي في كامل المنطقة ، يُخضع الأميركيون لبنان لحصار غير معلن أعد له مسبقًا ، ضمن خطة وضعتها إدارة دونالد ترامب تهدف إلى تشديد الحصار على طهران عبر عقوبات الضغوط القسوى ، وبالتوازي استهداف ما تسميه واشنطن “أذرعها”، وهم حلفاءها ، في لبنان وسوريا واليمن والعراق وفلسطين
نجد في بداية أحداث تشرين ، وفي أحد خطاباته ، أشهر السيد حسن نصرالله ، سلاح المقاومة في مواجهة سياسة التجويع ، إنطلاقًا من مؤشرات تبين أن قرارًا اتخذ لخنق لبنان ماديًا واقتصاديًا
والغاية ، كما كان يُصرّح أميركيون ، هو استهداف بيئة المقاومة ، تمهيدًا لفوضى تفضي إلى ليّ ذراع حزب الله أولًا ، وبالتالي فتح ملف “سلاح المقاومة”
جاء خطاب السيد حسن نصرالله ، يومها ، بعد أن قرأ جيدًا الأحداث في “تل أبيب”، التي تعلم علم اليقين أنها ساحة رد الفعل على أي خطوات أميركية حادة اتجاه لبنان
[كان الإسرائيليون يومها يحاولون توظيف ما يمكن توظيفه من الحصار لإنتزاع تنازلات مستعجلة تتعلّق بحقوق لبنان البحرية] لكن هذا لم يحدث ، وهم كانوا بمثابة جزءًا مهمًا من الحصار عبر تشجيع دول أوروبية على ذلك ، ومباركة الخطوات الأميركية
لقد باء بالفشل ما كانوا له يسعون ، وليس فقط في الوقت الراهن بل مع مروره ، خاصةً فيما يتعلق ببيئة المقاومة المباشرة ، وهو ما يمكن أن يكون قد دفعهم إلى بعض المراجعات لحساباتهم وسياسياتهم ، ولملمة خيبتهم ، دون التخلي عن أهدافهم
من المعروف أنهم يحاولون تدوير الأمور واتباع تكتيكات مختلفة تصب في خانة تحقيق ما يبتغون
لقد انقلب السحر على الساحر حتى أصبح إعلام العدو الإسرائيلي يبث خطاب هرتسوغ ، قائلاً إنّ “كلامه يشكل تهديدًا حقيقيًا ، إذ إنّ تصريحه بشأن استعداده للتضحية بكل شيء ، حتى إن كان ثمن ذلك الاستقالة ، له عواقب بعيدة المدى”
منذ متى يخرج أكثر من 130 مظاهرة في الكيان المحتل خلال أيام ، ضد حكومة نتنياهو ، إذ تدفّق منذ أيام محتجون معارضون للتعديلات القضائية ، على مطار بن غوريون الرئيسي في “إسرائيل”، في محاولة لتعطيل رحلة نتنياهو إلى الخارج ، والزيارة التي يقوم بها وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن”
ومنذ متى يخرج ربع مليون مستوطن في تظاهرات كبرى ، وُصفت بأنها إحدى أكبر المظاهرات التي شهدها كيان الاحتلال ، وتحدّث عنها إعلامهم ، وعن وجود “160 ألف متظاهر في شوارع تل أبيب” وحدها ( إنه الربيع الصهيوني )
في لبنان سعوا لإنجاح ما نراه اليوم ناجحًا على أرضهم الذين اغتصبوها ، فلبنان الذي مرّ بمفاصل عدة
أولًا الانتخابات النيابية ، والتي فشل الأميركيون فيها بقلب الموازين كما أرادوا ، ثم تحديد المساحة البحرية الاقتصادية بين لبنان والأراضي المحتلة ، ونتيجة معادلة كاريش وما بعد بعد كاريش التي أعلنها السيد نصر الله ، كما فشلوا في تحقيق أحد أهم أهدافهم وهو مصلحة “العدو الاسرائيلي”فيها ، وبدلًا من المس بسلاح المقاومة ، نجح هذا السلاح في تحصيل حقوق لبنان ، وهو ما اعتبرته أوساط اسرائيلية انتصارًا لأمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله
واليوم مع دخول لبنان مرحلة انتخاب رئيس جديد للجمهورية بعد انتهاء ولاية الرئيس ميشال عون ، ثمة محاولات جديدة لإحداث فوضى إجتماعية تتبعها فوضى أمنية في لبنان ، وهو ما يمكن تلمّسه من حالة “شبه الفراغ” التي يعشيها لبنان ، والصراعات السياسية التي ارتفعت وتيرتها ولا تهدأ ، وقد جرى توظيف سبل عدة لإنجاحها ، منها إعادة إستغلال ملف إنفجار مرفأ بيروت ومحاولة دفعه تحو التدويل لإستهداف المقاومة ، ومنها لعبة الدولار التي تشكل سلاحًا قاسيًا في وجه اللبنانيين ، والنتيجة المظاهرات تتأجج في رحب دارهم المسروق
ومع ذلك نجد (الأم للطفل المدلل )بدل أن تحل مشاكله ومشاكلها ، تصب جام مجهودها على لبنان ، فثمة مؤشرات واضحة على [خطة أو جولة أميركية جديدة] قد تدفع نحو التفجير ، والهدف منها فرض رئيس للجمهورية يسير وفق الارادة الأميركية ، وضمان رئيس حكومة خاضع لسياساتهم ، وهو ما تتصدى قوى وازنة له على رأسها حزب الله.
في خطاب السادس عشر من شباط ، وضع السيد نصر الله معادلة في وجه الأميركيين
[ ما رح نجوع ، ورح نقتلك ]
الصادق الذي لا يخلف وعده ، يوضح لهم بصريح العبارة أنه ، [ إذا دفعتم لبنان الى الفوضى ستخسرون كثيرًا فيه ، كما كنتم تخسرون في السابق ، وعليكم أن تنتظروا الفوضى في المنطقة]
عندما تمتد مؤامراتكم الى اليد التي تؤلمنا وهي ناسنا سنمد ايدينا وسلاحنا الى اليد التي تؤلمكم وهي “إسرائيل”
هذه المعادلة ، تختلف حساباتها عن المعادلات الموضوعة في وجه الكيان الاسرائيلي المؤقت ، فهي تتعلق بلقمة عيش اللبنانيين ، كما معادلة كاريش العام الماضي ، التي ذكر بها السيد نصر الله من باب التأكيد على بقاء سريان مفعولها من جهة ، ومن جهة أخرى لمنع محاولات التسويف من قبل دول وشركات ووضع عراقيل أمام بدء لبنان مرحلة التنقيب
وهي أيضًا تأكيد على أن سلاح المقاومة هو ضمانة لتطبيق أي تفاهم وليس فقط التفاهم البحري ، لا الولايات المتحدة أو الأمم المتحدة
فيما يتعلق [بمعادلة الفوضى مقابل الفوضى] في المنقطة وتحديدًا مد اليد الى الكيان الاسرائيلي المؤقت ، فهي رفعت بوجه الأميركيين، بالتالي، تجد “تل أبيب” نفسها لأول مرة منذ نشوء الكيان ساحة لتصفية حسابات بين طرفين آخرين ، هما المقاومة في لبنان، وواشنطن التي تحاول حصار هذا البلد بهدف مصالح خاصة بعضها يخدم الكيان الإسرائيلي
وعليه ، يمكن القول إن مرحلة حساسة بدأت ويجب تقييم حساباتها بدقة ، وتحديدًا عند الطرف الآخر سواء في واشنطن أو تل أبيب ، فلا شيء أمام المحاصَر ليخسره ، فيما الخسائر لدى الآخرين أضعاف مضاعفة وجمّة ، منها لا بل أهمها الإستقرار الذي تقوم عليه والذي عملوا لسنوات على تثبيته
ختامًا ، يمكننا القول ، إن “إسرائيل” وصلت إلى مرحلة قد تجد نفسها عبئًا حتى على نفسها ، وأنها قد تدفع ثمن حسابات خاطئة ، قد لا تكون هي الطرف الأساسي فيها ، وهو ما يعني أن الآية في المنطقة انقلبت إلى حد كبير ، [وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30)]
2023-03-19