الحرب الغربية على مستقبلنا … 3!
ابو زيزوم
الدولة
الدولة بشكلها الحديث ليست امتداداً للدول القديمة من حيث وظائفها عدا موضوع السلطة وجيشها. فالحكم هو الحكم في كل العصور وان تغيرت المظاهر. وحالات دعم التعليم مثلاً او تنشيط القضاء تُعد استثناءات في مراحل ازدهار الممالك الاغريقية والعباسية. اما توسع الجهاز الاداري في اواخر العهد العثماني فجاء محاكاة غير موفقة لنشوء الدولة الحديثة في اوربا. القاعدة المستمرة في الدولة القديمة هي جمع المال من الناس ليتصرف به الحاكمون.
الدولة الحديثة نشأت في اوربا على انقاض الاقطاع المتداعي امام البورجوازية الصاعدة، وتطورت تبعاً لحاجات النظام الراسمالي الممسك بالثورة الصناعية. ومرت عبر مسيرتها بمشاكل كثيرة ومصائب قبل ان تنتهي الى الصيغة الاخيرة المرفهة والمثمرة والخالية من الاورام الزائدة عن الضرورة. وبعد زمن جاءت دولنا كتقليد مشوّه لنموذج الدولة الغربية.
مبدئياً لا يرقى التقليد الى مستوى الاصلي مهما فعل. فدولنا نسخ مزيفة عن الدولة الغربية. الدولة هناك ليست عبئاً على الافراد في حركتهم وعملهم وحرياتهم بل عامل مساعد وموثوق لتلبية متطلبات الحياة. والدولة عندنا كابوس يجثم على صدور الافراد، اذ لم تعد المعاملات عندنا عملاً هامشياً يأخذ من جهد المواطن حيزاً لا يكاد يذكر وانما باتت المعاملات غاية بحد ذاتها. ولا غرابة ان يركض الانسان معظم ايام حياته من دائرة الى دائرة لإنجاز اشياء غير مطلوبة من المواطن الغربي اصلاً، كإثبات انك من ابناء هذا الوطن ومتواجد على ارضه وغير خائن له …الخ. هذه البديهيات وما شاكلها لا تتحقق في بلداننا من تلقاء نفسها وانما تتطلب مساعياً لها اول وليس لها آخر. واحياناً تنتهي بالفشل.
اسباب ذلك عديدة، يدخل ضمنها العامل الخارجي الذي اشرف على تشكيل اغلب بلداننا. وطبعاً لا يدخل العامل الخارجي في كل التفاصيل فذاك ليس من شأنه. انه كفاعل متطور يعرف الحلقات المؤثرة ويمسك بها ويترك الباقي للشعوب الجاهلة تكمل ما يريد. ونضرب مثلاً واحداً على ذلك ان الغربيين قسموا المنطقة الى دويلات، فرضوا ذلك من خلال موقعهم المهيمن. كل ما فعلوه انهم رسموا خطاً للحدود على الورق وارسلوا نسخة منه الى المنظمات الدولية. لم يرسلوا جنودهم لحراسة الحدود ولم يحاسبوا العابرين ولا حتى وضعوا اشارات على الارض فكل تلك الاشياء يقوم بها اهل البلد انفسهم .. تراهم يسبون الاستعمار الذي جزّأ الامة وفي نفس الوقت يبنون المخافر ويرسلون الحراس وينصبون الكمائن حتى يخيل اليك انهم عازمون على منع الهواء من العبور. فالدولة ربق يقبض على رقاب المواطنين، فالعالم المتقدم غير مستعد للتعامل مع كل فرد على حدة، لقد اوجد هيكلاً متدرجاً وامسك برأس الهرم ليتولى هذا الرأس تأدية المهام حتى وهو لا يدري احياناً انه بذلك يخدم الاعداء.
والمثل الاخر الذي اسهم العامل الخارجي (الغربي) في ارسائه هو نظام الحكم، ونوضحه في المنشور القادم.
___ يتبع
( ابو زيزوم _ 1395 )
2023-02-09