يتحدث المتشائمون عن أن وهم القوة الذي يسيطر على الملك المستبد الفاسد، وما يتاح له من أدوات قمع ووسائل قوة، قد تغريه بدفع الأردن للعنف لإدامة سلطته، خصوصاً أنه لمّح بأن خيار القمع العنيف نجح في كسر إرادة الشعب في سوريا ومصر. ويزيد المتشائمون مبرراتهم بانشغال العالم بقضايا بعيدة عن المنطقة وتفاصيلها، وتراجع فاعلية الضمانات الدولية لضبط سلوك الملك المستبد الفاسد، إضافة إلى تغيرات عميقة في أولويات القوى الإقليمية وخرائط علاقاتها، وحاجتها إلى ساحة تسويات لصراعاتها.
لا يوجد ما يقنع بحتمية العنف، إلا أنه لا توجد في تقديري أطروحة مضادة تفند مبررات التشاؤم، وتؤكد على استحالة جر الأردن لدوامة العنف. وهناك هامش احتمالات واسع لتجنب الفوضى والعنف، شريطة اتخاذ الاحتياطات اللازمة لمنعه. وعلى بالرغم من رعونة الملك المستبد الفاسد، ومحدودية قدراته الفكرية وعدم استيعابه لدروس التاريخ، إلا أن نجاحه في جر الأردن لدوامة العنف ليس حتمياً.
ولا تعني مبالغة الملك المستبد الفاسد وعائلته وحواشيهم في إثارة فزاعة التطرف والعنف حتمية نجاحهم، ولكنها تكشف نواياهم الخبيثة وطريقة عملهم، التي يجب على “قوى التغيير” أن تتصدى لنوايا الملك المستبد الفاسد وعائلته باستراتيجية واضحة، تهدف إلى تخليص الأردن منهم، والحفاظ على فرص التغيير السلمي، ومنعهم من إغراق البلاد بدوامة العنف والفوضى.
وخيار استراتيجية حماية الأردن من العنف المحتمل يستند إلى ركنين: الأول ما يجب عدم القيام به، والثاني ما يجب القيام به. والركن الأول (ما يجب عدم القيام به)، تتلخص بضرورة عدم التورط ببناء مليشيات أو أي صيغة تنظيمية تمارس العنف ضد مؤسسات الدولة.
فتجارب مثل سوريا وليبيا، تثبت أن المليشيات خيار غير مجدي، يمنح المستبد الفاسد كل ما يحتاجه من مبررات وأدوات تعبوية لاستعمال ما لديه من وسائل العنف ضد الشعب، ويحول المليشيات إلى عبئ على الدولة في مرحلة ما بعد الاستبداد. والنتيجة انتشار العنف والفوضى، وتحويل البلاد إلى ساحة لتسوية الصراعات الإقليمية، دون التخلص من المستبد الفاسد مثل سوريا، أو دون القدرة على استعادة الدولة مثل ليبيا. فالمليشيات وسائل بائسة تجاوزتها بيئة الصراع لاسترداد الدولة في الأردن، وظروف الصراعات السياسية عبر العالم، ما يُحتم تطوير آليات عمل جديدة، تستثمر البيئة المعاصرة لحركات تحرر الشعوب.
والمليشيات تمثل نقيضاً موضوعياً لهدف استرداد الدولة سلطة وموارد، فالشعب الأردني لا يخوض صراعاً ضد الدولة، بل من أجل استردادها من المستبد الفاسد. فبدلاً من بناء مليشيات تتبنى العنف وتتصادم مع المؤسسة العسكرية والأمنية، يجب العمل على تحييد هذه المؤسسات ومنع المستبد الفاسد وعائلته من استخدامها ضد النضال المدني السلمي للشعب الأردني، وذلك بتقديم مظلة سياسية وفكرية لكوادر ومرتبات المؤسسة العسكرية والأمنية، تعزز استقلال ضميرها المهني، باعتبارها مؤسسات وطنية لحماية الشعب وصيانة موارده والتعبير عن قيمه العليا، والحفاظ على الدولة وحمايتها من أي تجاوز بغض النظر عن مصدره حتى الملك المستبد الفاسد وعائلته وحواشيهم.
والمظلة السياسية المطلوب تقديمها لكوادر ومرتبات المؤسسة الأمنية والعسكرية لها ثلاث وظائف: أولاً تعزيز استقلال الضمير المهني للمؤسسات الأمنية والعسكرية، على قاعدة ان مهمتها المركزية حماية الوطن والشعب ومؤسسات الدولة، والثانية منع العناصر الانتهازية في المؤسسة الأمنية والعسكرية من ممارسة العنف ضد الشعب، والثالثة الحفاظ على سلمية التحول نحو الدولة الحقيقية، ومنع المستبد الفاسد من جر الأردن لمستنقع العنف ودوامته.
ومما يجب عدم القيام به أيضاً، محاولة تسيس المؤسسة العسكرية والأمنية، وإلحاق كوادرها ومرتباتها بصيغ تنظيمية سياسية، كما عمل حزب البعث في العراق وسوريا. وبدلاً من ذلك يجب الرهان على العناصر الخيرة فيها، وتقديم مظلة سياسية لها، تدعم ثقتها بنفسها كرافعة لتعزيز استقلال الضمير المهني للمؤسسة الأمنية والعسكرية، ومنع أي جهة من جرها للقيام بمهام تتناقض مع مهمة حماية الدولة والشعب.
وهذه الاستراتيجية لمواجهة احتماليات العنف، تنسجم مع الشعار المركزي للمشروع الوطني الأردني، (استرداد الدولة سلطة وموارد من الملك المستبد الفاسد وعائلته وحواشيهم)، وإعداد مؤسساتها للمرحلة القادمة، وضمان تكامل وانسجام الاستراتيجيات والخيارات مع الأهداف النضالية. فما يتم إنجازه في مرحلة التخلص من الملك المستبد الفاسد وعائلته، يجب أن يكون رصيداً لمرحلة بناء الدولة الحقيقية، وليس عبئاً عليها.
العنف ليس ضرورة للثورة، وإن كان أحد سماتها العرضية، التي يبادر المستبد الفاسد باللجوء إليه للتغطية على فشل خياراته السياسية والاقتصادية، مما يستدعي تفويت الفرصة عليه ومنعه من جر الأردن إلى دوامة العنف، باعتماد إستراتيجية تغيير سلمية قوامها: الصمود والاحتمال، وتحويلهما لأداة تعبوية لاستمالة الوحدات العسكرية والأمنية لتفعيل ضميرها المهني المستقل لمنع العنف والفوضى، ليتمكن الشعب من استرداد الدولة سلطة وموارد من الملك المستبد الفاسد وعائلته، والتخلص منهم بوسائل سلمية.
أخيراً، إن احتمالية قيام الملك المستبد الفاسد بجر الأردن إلى دوامة العنف، يقتضي تطوير خطة وطنية لمنعه وعدم الانجرار خلفه، وليس الاستسلام لهذه الاحتمالية. مما يتطلب تجنب خيار المليشيات على طريقة داعش، وتجنب تسيس كوادر ومرتبات المؤسسات العسكرية والامنية على طريقة حزب البعث، واستبدال الخيارين ببناء مظلة سياسية شعبية لتعزيز استقلال الضمير المهني للمؤسسة العسكرية والأمنية، وضمان قيامها بدورها الصحيح في المواجهة المرتقبة بين الشعب والملك المستبد الفاسد وعائلته وحواشيهم، ليتخلص الشعب منهم بكل سهولة ويسر ودون قطرة دم واحدة