نقد في نظرية هيغل!
رنا علوان
بدايةً تعريف بسيط عنه ، هو جورج فيلهلم فريدريش هيجل ، الفيلسوف الألماني ، وهو من طوّر المنهج الفلسفي الجدلي الذي يعتقد من خلاله أن سير التاريخ والأفكار يكون بوضع أطروحة ونقيضها ومن ثم التوليف بينهما، والأطروحة هي اقتراح فكري أو وجهة نظر ومقارنتها مع فكرة أو وجهة نظر مناقضة لها ، وبعد ذلك يتم التوليف بينهما للخروج بأطروحة جديدة تجمع بين الفكرتين ، ويعد هيغل من أهم فلاسفة العصر الحديث ، ومن رواد الحركة المثالية الألمانية في أوائل القرن التاسع عشر

يبين لنا هيغل في كتابه “فينومينولوجيا الروح” كيفية التمهيد للمعرفة المطلقة ، وبإعتقاده أن وضعية الإنسان تبدو مختلفة تمام الاختلاف عما هي عليه من منظور فلسفة التاريخ الكلاسيكية

[ فالإنسان ، برأيه (ليس هو الذي يؤوِّل الوجود) ، بل الوجود هو الذي يُعبّر عن ذاته عن طريق الإنسان ]

بهذا الفهم لن يكون الإنسان هو المطلق أو الغاية الأسمى ، بل مجرد كائنٍ متلقٍ وهو يعمل كواسطةٍ ، ومن خلالها فقط يكون ثمة عقل أو روح مطلق

وبما ان هيغل يرى ان الإنسان [ يتلقى الأقدار من دون أن يكون بوسعه ردُّها أو تبديلها ] فهو واقع وأحداث لا بد ان تتحقق شاء ام أبى ، ابتكر هيغل فرضيته الملتبسة حول “مكر العقل وخديعته” ولقد عنى بالخديعة والمكر ، الواسطة التي يعتمدها العقل المطلق ، وبمعزلٍ عن إرادة الإنسان ، من أجل تمرير غاياته أيٍّ كانت النتائج المترتبة عليها غير أخلاقية . وهنا هيغل لا يقصد تبرير الخدعة كمعصيةٍ أخلاقيةٍ ، بل أساسًا جريئاً لفلسفة التاريخ ، وتجلِّيًا للعقلانية التي تتجذر في حياة الأمم وتاريخ الحضارات البشرية

وعلى الرغم من أنّ المخادعة مرفوضةٌ عمومًا من الزاوية الأخلاقوية (moraliste) ، فقد أعطى هيغل صورةً باهرةً لخديعة العقل بوصفها قدرًا محتومًا يحكم تطورات العالم البشري وتحولاته

ولنا هنا أن نسأل عن الكيفية التي سوَّغت لهيغل أن يصِل إلى هذا المفهوم الغريب ليجعله أساسًا في فلسفته للتاريخ ؟

وبيد أن صاحب “فينومينولوجيا الروح” لا يضيره على ما يبدو أن تصبح الأهواء( بسبب هذه الخديعة المدَّعاة ) حاكمةً على التاريخ الإنساني كله
فهي كما يرى هيغل بأنها هي التي تحدد افعال الانسان ، بمن فيهم أولئك الرجال الاستثنائيين الذين تتطابق خصوصيتهم الذاتية مع المضمون الموضوعي لروح الزمن
وهكذا تبدو خديعة العقل[ بعيدًا من إعرابها العميق عن هُوَام توتاليتاري ] منساقة مع مفهوم التجلِّي التاريخي للعقلانية المتجذرة في الروح الأوروبية ، وهي العقلانية الأداتية نفسها التي ورثها هيغل عن أسلافه ليمضي في (الأسطرة الفلسفية) لأي حضارة ، وأولها لحضارة الغربية

هيغل الذي أراد ان يستعيد رونق التنوير والقه لم يكن أمامه وهو ينظر إلى الحداثة كيف تتداعى أواصرها إلا أن يجد في الدولة المقتدرة تجسيدًا خاصًّا لفينومينولوجيا الروح ، وذلك عن طريق إرادة [ الاقتدار التي يحل فيها كلّ فردٍ في هيكل الجماعة الحضارية]

تظهر ماكيافلية هيغل على نحوٍ صريحٍ في تأليه الدولة بوصفها تمثيلًا لـ “فينومينولوجيا الروح” حيث تعتبر الدولة أداةً ضروريةً لتحقيق التوافق والانسجام بين المصالح المتناقضة ، إلا أنه سينتهي إلى حصر الإقرار بهذه العناية في الدولة التي هي عنده تعبير عن اللامتناهي ، ولها حياةٌ مستمرةٌ بذاتها ولا يمكن اختصارها في مجموعةٍ من المواطنين وجدوا في فترةٍ معيّنةٍ من الزمن

وعليه لو كان هناك من نعتٍ لميتافيزيقا هيغل السياسية وهو يستظهر تعالي روح الغرب ، لصحّ نعته [ بفيلسوف الإمبريالية ] ، صاحب الميتافيزيقا التي تتغذي من العقل الخادع للتاريخ بذرائعيتها وعوامل ديمومتها
اما من وجد لهيغل مبرّرًا لتحيُّزه العرقي عن طريق إنشائه ميتافيزيقا محكمة الإتقان ، فعليه أن يقرأها بعنايةٍ فائقة ودقيق ليتبين له كيف استحالت فلسفته كهفًا أيديولوجيًّا للمطلق الغربي
فعلى سبيل الميثال
يتحدث هيغل في تاريخه عن “الهنود الحمر” بلغة تحقيرية ودونوية ، وكل الخصال الوضيعة يلصقها بالهنود ، بل إنه يرى حتى في قصر قامتهم دليلاً على حقارتهم العقلية والأخلاقية
أماعن أفريقيا ، فإن الليل الأسود يغطيها ، كما يغطي السواد بشرة سكانها ، [ حيث أن لليل والظلام دلالات سلبية في فلسفته] التي تربطهما بالجهل ، مقابل كل من “النهار” و”النور” و”الشمس” التي تعبّر عن وعي ذاتي وتاريخي

يصف هيغل أفريقيا كبلد طفولي أرعن ، وهو وصف قدحي ، لتجربده من كل العقل ، وهي ، لا ريب طفولة تحتاج لمن يقودها ويحكمها كما ويعتبر الإنسان الأفريقي الأكثر وحشية ويجرّده حتى من صفة الإنسانية ، تاركاً الإنسانية لبلاد الغرب

إن هيغل يُبدي بوقاحة ( بأنه لا يمكننا التماهي مع طبيعة الرجل الأسود كما لا يمكننا ذلك مع طبيعة كلب ) ، وهو ما يجعله يدافع عن تحويل الأفارقة إلى عبيد في مستعمرات الأوروبيين ، لأنهم يملكون طبيعة متطرفة وبهذه الطريقة يُمكن ترويضهم

أخيراً ، يمكن لأي عاقل أن يستنتج بوضوح من ما كتب هيغل ، كيف انه ينظر بعين الغرب المستعلية بثقافتها
ولو أمعن القارئ النظر بما كتبه هيغل عن الثقافات الأخرى ، والحط من ثقافات الآخرين ، فالصفات نفسها تتكرر على مرّ القرون ، الحرية لهم والعبودية لغيرهم ، الانفتاح والتعدد عندهم والتطرف عندنا ، ويجدون مبرر لذلك (مهما كان هذا المبرر وضيع ، فلم يقتصر المبرر على لون البشرة وقصر وطول القامة ، بل تعدى ذلك الى الملابس وطريقتها ، وهذا دليل على عدم تقبل الآخر ) إنها عين هيغل الداخلية ، أو تلك العين المحضة التي تشكّلت في ظل الأحكام المسبقة ، وترعرعت على السردية الغربية ورضعت منها حتى نمت ، تلك العين التي لا ترى العالم الخارجي إلا عبر داخلها وليس عبر الحقيقة المُجردة من التعصب والاستعلاء
‎2022-‎11-‎22