الخيار الثوري متعلق بمسارات تحقيق الأهداف والتخلص من العقبات التي تمنعها. ليس الهدف هو الذي يفرض الخيار الثوري، ولكن وجود عائق يمنع الشعب من الحصول على حقوقه الطبيعية والبديهية، هو الذي يجعل الثورة ضرورة لا بد منها. وظيفة الخيار الثوري، متعلقة بالتخلص من العوائق التي تمنع تحقق الأهداف بوسائل ومسارات سلمية، فإذا انتفت العوائق التي تمنع الديمقراطية وتصادر إرادة الشعب بالتزوير، انتفت ضرورة الثورة، وأصبح بالإمكان تحقيق أهدافها بوسائل ديمقراطية.
الثورات الحديثة اكتسبت ملامحها من ثلاثة عناصر، الأول هو الهدف المتعلق ببناء الدولة الحقيقية التي تعبر عن القيم العليا للشعب، وتخدم مصالحه في ذات الوقت. والثاني هو تحديد العقبات أو الخصم الذي غرّب الدولة عن شعبها، وحولها من رافعة لخدمة الشعب إلى وسيلة للاستبداد به ونهب موارده. والثالث -بعد أن تم تعريف الهدف والعقبات التي تمنع تحققه- هو البحث عن المسارات والوسائل الضرورية للتخلص من العقبات، التي تعترض بناء الدولة الحقيقية في الواقع.
فالهدف هو بناء الدولة الحقيقية، وهو حق مبدأي للشعب الأردني -كما لكل شعوب العالم- وليس موضوعاً للمساومة مع المستبد الفاسد وعائلته. ولن يكون مقبولا أن نستمر بالعيش ونورث لأبنائنا واحفادنا دولة تنكر الحقوق، وتربط فرص العيش بالحصول على مكارم الملك المستبد الفاسد وعائلته، الذين استولوا على السلطة ونهبوا الموارد، ويوظفوا المؤسسات الأمنية لقمعنا وإذلالنا وتخويفنا، لنقبل لأنفسنا ولأبنائنا العيش الذليل، نستجدي ما تجود به أنفسهم الدنيئة مما نهبوه من ثرواتنا واموالنا.
فالثورة تفقد بوصلتها إذا أصبح الهدف غير واضح. مبررات الثورة هي التخلص من العقبات التي تعترض مسار تحقيق الهدف البديهي والمبدأي. فنحن لا نتحدث عن دولة ترسم الإيديولوجيا ملامحها وألوانها، فالهدف هو دولة حقيقية ترسم ملامحها القواعد القانونية والاطر المؤسسية، لضمان انفاذها بشكل موضوعي ومعياري.
إلا أن الهدف يتحول إلى مجرد اغنية جميلة يرددها العاجزون، إذا لم يترافق مع وعي العقبات التي تمنع تحققه. فبناء دولة حقيقية في الأردن هدف ممكن وسهل، وكان يمكن ان يتحقق بكل سهولة ويسر، لو لم تكن هناك عائلة تعتقد أن الأردن غنيمة حرب، اكتسبتها لقاء ما قدمته من خدمات للاستعمار. وكان يمكن بناء الدولة الحقيقية دون التفكير بالخيار الثوري، والتخلص من العائق واسترداد الدولة قسراً من مغتصبها، لو لم يلجأ الملك وحواشيه إلى الكذب والخداع، في مواجهة المطالب الشعبية على مدى السنين الماضية.
الملك يتحدث كاذباً عن الإصلاح والتطوير السياسي ويراكم السلطة بين يديه، ويتحدث مخادعاً عن حقوق الناس الاقتصادية، ويسمح لنفسه ولعائلته سرقة المزيد من موارد الدولة وثرواتها، ويتحدث مضللاً عن الديمقراطية، ويستبد بالناس ويكمم الأفواه ويعتقل المعلمين والكتاب، ويتحدث عن الحرية مستهزئا بها ويصادرها، حتى أصبح مجرد التعويل عليه، أو التفكير به كشريك صادق ومؤتمن ضرب من العبث والسذاجة.
الحقيقة التاريخية أن الاستبداد هو “القابلة الوحيدة” لتوليد الثورات. لو لم يوجد الاستبداد لما وجدت الثورات. وتاريخ الأردن في القرن الواحد والعشرين، برهان إضافي لتوضيح الوظيفة التاريخية العظيمة للحركات الاحتجاجية، فهي إما أن تحقق الأهداف عبر تسويات تاريخية بين الشعوب وحكامها، أو أن تقدم المبررات الكافية للخيار الثوري.
وما فعله الملك المستبد الفاسد في الأردن، هو الوصفة النموذجية لتوليد الخيار الثوري من الحركات الاحتجاجية، التي ووجهت بالمنع والقمع والتنكيل بالمشاركين بها. مما يحتم العمل على استبدال النسخة المطلبية والاحتجاجية لمشروع التغيير بنسخة ثورية جديدة، واعتبار الملك المستبد الفاسد وعائلته، العائق الذي يجب التخلص منه لبناء الدولة الحقيقية، التي تعبر عن قيم الشعب وتخدم ومصالحه.
لن يتغير الملك وعائلته بشكل طوعي، فقد وصولوا نقطة “الـ لا عودة” منذ زمن. لقد أنكروا إرادة شعبنا وسعوا وما زالوا يسعون لكسرها. فالملك وعائلته فقدوا فرصة أن يكونوا شركاء مع الشعب، بل تحولوا إلى عائق يجب التخلص منه، حتى يستطيع الشعب الأردني ان يحقق هدفه المشروع، وهو استرداد دولته سلطة وموارد وبناء دولته الحقيقية. ولن يكون الخيار الثوري لتغيير قناعاتهم بأن الدولة للشعب، بل للتخلص منهم، وتقديم برهان جديد على صحة الحقيقة التاريخية، أن الشعب سوف يسترد دولته ويحررها من بين أيدي الطغاة رغماً عنهم، وفي وقت قصير جداً إن شاء الله.
الشعوب لا تؤجل خياراتها حتى يشعر المستبدون الفاسدون بأنهم (شبعوا) واكتفوا مما نهبوه. فالمجموعات الحاكمة التي تتلوث بالاستبداد والفساد، يصبح من المستحيل عليها أن تتراجع بشكل طوعي عما آلت إليه، إذ يسيطر عليها (قصور ذاتي) يمنعها من فهم حقيقة الشعب الذي اعتادوا مشاهدة مظاهر ذله وفقره، فما دام بإمكانهم ان يقوموا بما يقومون به دون تبعات ودون كلف، سوف يستمرون به. فلا تسوية مع مجموعة حاكمة ترى السلطة وسيلة لنهب الشعب، ولا فرصة لإصلاح مثل هؤلاء.
ومن الضروري استمرار التأكيد على أن الخيار الثوري، متعلقة بالعائق الذي يمنع الهدف، وليس الهدف، فالتخلص من العائق ليس إلا ضرورة لتحقيق الهدف. فالشعوب تتقدم نحو أهدافها عبر مسير تاريخي تراكمي، ومهمة العمل السياسي هي ضمان ان تكون الدولة حقيقية، تعبر عن القيم العليا لمواطنيها وتحميهم، وتمكنهم من حقوقهم الأساسية، وعلى رأسها حقهم في السعي الفردي والجماعي لتطوير حياتهم وتحسين نوعيتها.
اخيراً، يجب الانتباه إلى ضرورة الحفاظ على الملامح الواضحة للهدف في كافة المراحل. فالخطاب التعبوي يفقد فاعليته التعبوية في اللحظة التي تغيب فيها الأهداف وتصبح غير واضحة، فارتباك صورة الهدف يصعّب ربطه بمسارات تحقيقه، وبضرورة تنظيفها من العوائق التي تسدها.
2022-10-30