الانحطاطية العربية الثانيه واستعادة الذاتيه/3!

عبدالامير الركابي

 تنتهي التوهمية الغربية تصورات تفكرية ونموذجا، مع القرن العشرين وانتقال الفلسفة الى الايديلوجيا، والديمقراطية الى “الانسان ذو البعد الواحد”، فلا تبقى من متخيلات القرن التاسع عشر، الا قوة الاستمرارية والعادة، تعززها مظاهر القوة والجبروت العسكري والانتاجوي، هذا بينما تتراجع مكانه اوربا والامبراطوريات التي لاتغيب عنها الشمس، وتنكسف بسرعه هي ومشابهاتها الاستعمارية مع القرن العشرين، القرن الامريكي، الموضع الابعد مايكون عن الغرب وبنيته وتكوينه المجتمعي الانشطاري الطبقي الاحادي، فالغرب هو القرن التاسع عشر ومرويته وتخيلاته الاحادية عن نفسه والمعمورة، سرعان ماانكشفت مع القرن العشرين والحروب التي تقتل 70 مليون انسايوان، والتناقض الانتاجوي البيئي، ومسارات قتل النصف العقلي من الكائن البشري لصالح الجسدية، بتضخيم الحاجاتية، وتحويلها الى محور اساس ومدار وجود، يكاد يحول الكائن البشري تكوينا من الازدواج ( العقلو/جسدي) باعتبارة قفزة مابعد حيوانيه سائرة الى “الانسان”، الى جسدوية متراجعه الى الحيوانيه.

فالغرب الحاجاتي السلعوي، صانع ومفبرك الحاجات ومحولها الى غاية وجودية، هو غرب انتكاسي تكويني بنيوي، يخلخل التوازن البنيوي البشري، اي حالة انحطاطية استثنائية غير مسبوقة، يتغول معها الجانب الحيواني من الكائن البشري بقوة حضور التغلب الجشعوي الربحي المستند للالة، وقمة فعاليتها من خارج المجتمعية، ومجتمعية كهذه لاصلة تصلها بالديمقراطية، او بالدول المدنيه التي يجري اعلاؤها نموذجا كل يوم كشعارات تلوكها الدعاية الغربية الكاذبه، ويتبناها بشر فقراء اعقاليا ووعيا على مستوى المعمورة، وفي العالم الشرق متوسطي كشكل مزر من اشكال الببغاوية المنحطة.

حين تنبثق الالة لايكون العالم مهيئا ولا مؤهلا لان يعيها ويدرك دلالتها والنتائج المترتبه على حضورها، خصوصا مع توقف الديناميات الشرق متوسطية، والازدواجية منها بالذات، وغلبة اشتراطات الانقطاع بين الدورات، ذلك في الوقت الذي تكون فيه الانقطاعية وانتهائها هذه المرة، مرهونه بالحدث الفاصل ونتائجه، ومترتباته، بظل حالة التعميم والشمولية الكوكبية التي يولدها الانقلاب الالي، ومايواكبه ويتمخض عنه من نماذج وتفكرات احادية ذروة، متفوقة على صنفها ونمطها، من دون ان تتعدى حدوده، او تتخلص من احكامه في الجوهر.

في القراءة الابعد والاشمل من نطاق الغرب ولحظته، يصبح الغرب مع الالة والثورة البرجوازية مقاربا للخروج من الارضوية، وبينما هو ينظر لها ارضويا، فانه بالاحرى يكون هو ذاته قد صار عند لحظة ونقطة الانتقال من الارضوية، الامر الذي ياخذ واقعا حالة تناقض اقصى، بين التوهمية ” التقدمية” التي لاتتوقف، ولا افق يحدها، وبين المعاش والحقيقي السائر مطردا الى التازم المتفاقم، والمفضي الى استحالة الاستمرارية، ومنذ القرن العشرين ظهرت دلائل من قلب الغرب تقول ب ” افول الغرب”، وصولا لاعلان نهايته بحسب بريجنسكي متاخرا، وغيره ممن راوا انه قد “مات”، وانه موجود بصورته التي اشيعت بفعل مرويات القرن التاسع عشر، وحكم العادة، ولان الثورة المفترض ان تواكب الانقلاب الالي وتمنحه مايستحق من تفكر ملائم متطابق، ليست من اختصاص الغرب اصلا.

يبدا الانقلاب الالي مع القرن السابع عشر، ويجري التصدي لاعقاله وادراك منطوياته في القرن التاسع عشر، في موضع انبثاقه في اوربا وعيا قصوريا زائفا، يعطي الاله من الصفات والممكنات ماهو مضاد على طول الخط، لدورها ومهمتها بظل الاحادية التي لن تلبث بعد الاجهازعلى الكينونه البشرية المتوازنه، باسم “الحرية” ان تذهب الى العوز المادي الذي بشر به ماكرون الفرنسيين مؤخرا، داعيا اياهم الى نسيان ايام “الوفرة”.

هنا تصبح استعادة الذاتيه الشرق متوسطية الازدواجية اللاارضوية تحديدا، مهمة كونية استثنائية، ومتطلب راهن ملح فوق العادة، توججه حال التازم المفتوح الشامل، حروبا، وتعسرات حياتيه يومية، وجوائح، العالم والغرب بمقدمته، عاجز كليا عن مواكبتها، مادام هو ذاته، وكينونته، وبالذات قصوريته الاساس وعيا، السبب في اخذ العالم اليه باسم الوهم الاكبر الحداثي في التاريخ البشري.

لكن كيف، وهل يمكن تصور احتمالية انتقالية من هذا القبيل، وهل يمكن تخيل ماسيقف بوجه انتقال كهذا، اذا افترضنا احتماليتة، اولا ذاتيا وبين ابناء الشرق المتوسطي انفسهم، ممن غادروا ذواتهم وصاروا في الجهة الاخرى، واثقين بمنطقهم البدائي الانحطاطي الغالب على وجودهم الراهن، من الغرب ومرويته، ومايمكن ان يتمخض عنه ويفضي اليه، وهذا اول الحواجز الصعبة الاجتياز، يقابلها بالطبع الغرب نفسه، ومايمكن ان يتولد داخله من انتباهة، او ردة فعل ضد حضارة ” الطين” اذا هي عادت لتنبعث من جديد، وبعد عظم التوهميه التي عاشها الغرب انفصاما عممه على العالم، فاذا بنا امام حتمالية بدئية ثانيه، بعد الاولى التي يضطر الغرب اصلا للاعتراف بها مجبرا، ليسبغ عليها اسقاطا، مرويته الاحادية للابتداء الارضوي.

الاخطر من هذا وذاك مايستدعية الانبعاث البدئي الراهن من اشتراطات انقلابيه ذاتيه، فالمروية او السردية اللاارضوية ستواجه اعظم المضادات الناجمه عن التكريسية النبوية الايمانيه الابراهيميه وقراءاتها الكبرى الثلاث، وسيكون من باب الاستحالة القبول بموضوعة من قبيل كون القراءات الثلاثة مؤقته، وانها قراءات اللاارضوية خارج ارضها ابان الزمن الذي يغدو التحقق بالانتقال من الثنائية الجسدو / عقلية الى الارجحية العقلية، وبدء تبدل السياقات الوجودية بما خص الحاجاتية، وسلطة الموت الجسدي الراهنه، الامر الذي يتطلب تحقق الرؤية اللاارضوية في ارضها، بالانتقال من النيوية الحدسية الالهامية، الى العلّية السببية بعد ان كانت اصلا قد ختمت، واعلن عن احالة التحقق الى الدورة القادمه بالانتظارية المهدوية اي الانتقال من ( التوراة والانجيل والقران) الى الكتاب الرابع التحققي الكوني العراقي.

هنا ستكون المواجهة الاصعب والاخطر، ومع ان اسباب الكينونة والبنيه التاريخيه سوف تكون حاضرة، الا ان الانتقال من “الايمانيه الحدسية” الى ” العلية”، وحالة انكشاف النقاب، ستكون بالاحرى ليست اقل من تحد على حافة الفناء، لابد من البحث عن محفزاته ومجيزاته المتراكمه على مستوى المعمورة، وفي المنطقة، لنتصور معركة لاسابق لها، مع ان ابناء ارض مابين النهرين سيكونون في الغالب مهيئين بنية وتاريخا لملاقاة ذاتيتهم المؤجلة المطموسة، ولتدبر كتابهم الاول والاخير، الاصل والمنتهى، وهم واثقون من ان ذاتهم هي نفسها ذات العالم والوجود الحي.

واليوم ايضا لايجب ان يغيب النداء الاكبر اللاارضوي، لقد قال الانبياء من قبل انهم سمعوا او راوا مبعوثين اتوا من خارج الارض، لكي يبلغوهم رسائل موجهة للبشرية، وتلك لغة ومروية كانت تطابق وقتها من حيث تكريس ماهو مفارق، بالاعتماد على الجزء الاعقالي المضمر في الكائن البشري، المزدوج عقلا /جسدا، مايفرض حكما توزع المجتمعية الى ارضوية جسدية، تقابلها لاارضوية عقلية، تسمى في العادة “روحيه”، لكن الايمانيه السببية العليّة، لن تقول اليوم بانها تلقت اتصالا من الاعلى، بل ستتوقف امام خاصية من خواص المجتمعية والبشرية، واسباب وجودها على الكوكب الارضي.

وعند هذه النقطه نصير امام واحدة من الظواهر، او الانشغالات التي تاخذ باهتمام “العلماء” وموقفهم من مسالة اذا ماكنا قد وجدنا على الارض ضمن الكون او الاكوان لوحدنا، او ان وجودنا واحد من وجودات كونيه اخرى، ثمة بعض الاستدلالات على وجودها، ومحاولتها الاتصال بسكان الارض، لناخذ بمفهوم الصلة الاصلية بالعالم الاخر، الموجود وغير المرئي كعالم مواز، والعلاقة بينه وبيننا، القائمه واقعا عبر نقطة تماس، وجدت ابتداء في ارض العيش على حافة الفناء في سومر، حيث توجد المجتمعية السماوية اللاارضوية، الذاهبة الى انتهاء دور الحامل الجسدي، وتوفر الاسباب اللازمه للانتقال وقتها، من الارضوية بعد ان تكون هذه والجسدية قد ادت المطلوب، مع توفر الاسباب الموجبه للانتقال العقلي، وقت بلوغه المستوى والهيئة الضرورية للتحول.

ان ايمانيه ابناء ارض مابين النهرين اصلا، هي من الصنف مابعد النبوي التمهيدي، وماعرفته هذه الارض في الدورة الثانيه من تفاعليه، قاعدتها عودة الابراهيمة الى ارضها، كمالا ثمثلت في القرمطية، والتشيع الامامي، والاسماعيلية، والخوارجية، والحلاجية، واخوان الصفا، والمعتزلية، وصولا لاعلان الاستحالة التحولية بالابراهيمه الاولى النبوية بالانتظارية التي تحيل التحول الى دورة قادمه، وهو ماعاد وصار اليوم مع القرن الثامن عشر، وضمن مسار التشكلية الثالته الراهنه المبتدئة مع القرن السادس عشر، غالبا مع تبلور الطور الانتظاري على اعقاب القبلي الاول، بتكرس حضور دولة اللادولة الانتظارية النجفية في ارض اللاارضوية التاريخيه، ارض السواد.

ولابد ان نلاحظ بانتباه، كون هذه اللحظة التاريخيه، والراهنه من تاريخ الانبعاثية الثالثة قد دخلت حالة تازم اقصى، يتزايد اليوم مع انهيار الكيانيه بعد 82 عاما من تاريخ فبركتها، وقبلها ابان صعود الكيانيه النفطية العقيدية 1968/ 2003، وصولا الى عودة صيغة ” العيش على حافة الفناء” الثاني المستمر منذ الحرب العراقية الايرانيه عام 1980 وتحول العراق الى عراق مابعد النهرين، بعدما كان ووجد بصفته عراق النهرين، فاذا اضيف لماتقدم، ماهو غالب اليوم عالميا، وماقد بلغه الغرب والبيئة الكوكبية من ترد خطر، فان اعتقادا اقرب لليقين يمكن ان يداخل من يقول باللاارضوية الثانيه، مابعد النبوية والكونيه، قد صار راهنا ووشيكا.

ـ يتبع ـ

‎2022-‎09-‎07