الانحطاطية العربية الثانيه واستعادة الذاتية.6!

عبدالاميرالركابي

تتلازم استعادة الذاتيه في الموضع الشرق متوسطي، مع النطقية المؤجله وكشف النقاب، المهمة الكبرى على مستوى المعمورة، بحيث ياتي المنقلب من غير صنف الدلالة التي يوحي بها اعتيادا، بحكم كون المقصود ذاهب الى قلب قواعد النظر السائد والمكرس للتاريخ ومسار التصيّر، وبالذات ماتكرس منه بحكم الظاهرة الغربية الراهنه، وماقد اشاعته من رؤية متوهمه للوجود والعالم.

فالتاريخ البشري تاريخان، اول احادي يرى الى المجتمعات والبشر رؤية احادية نموذجه التقليدي النيلي المصري، حيث النموذجية الابتدائية الوطنيه الاحادية السكونية ذات الدورة الوحيده، وهو ماتبناه الغرب الحديث، ويعتمده منطلقا في النظر للابتداء التاريخي، وابتداء اخر اسبق، مبعد من التداول والنظر، هو اللاارضوي السومري، السابق على المجتمعية الارضوية الاحادية، يقوم بناء على اشتراطات معاكسه كليا لتلك التي تقوم عليها الصيغة الارضوية بتوافقها مع الاشتراطات البيئية انتاجا، مقابل حالة الطرد البيئي القاهر للمنتجين، وبالمقدمه التدميرية العاتية للرافدين المعاكسين للدورة الزراعية في ارض سومر والسواد، مايجعل المجتمعية تتشكل ضمن اشتراطات “العيش على حافة الفناء”، وهي “مرحلة” سابقة زمنيا، تستغرق مئات السنين من الاصطراعية المجتمعية والتشكل النوعي البيئي، تتقدم على الاصطراعية المجتمعية، المتولدة لاحقاعن تشكل المجتمعية الثانيه، ضمن اشتراطات الاحادية الارضوية شمالا في “عراق الجزيرة”، اعلى ارض السواد، لتهبط طامحة لاحتواء ووضع المجتمعية اللاارضوية تحت هيمنتها، الامر الذي تثبت بالاصطراع استحالته النوعية، فما هو قائم في ارض السواد بعكس ماتتوهم الارضوية، التغلبية بالطبيعه، صنف مجتمعي بذاته، لامجرد تجمع من البشر، له مقوماته واسباب وجوده، وخواصه غير القابله للاخضاع، الا بشرط الافناء.

هذا مع العلم ان الارضوية الرافدينيه العليا موضعا، وان هي قاربت، وكانت من حيث المقومات التكوينه الاسا س، غيرما تعرفه ارض النيل، ذلك لان القائم هنا مختلف كليا من حيث اشتراطات النشاة والنوع، فوجود اللاارضوية في موضع مابين النهرين، وجود ازدواج اصطراعي لا كينونه افرادية احادية “وطنيه”، تغلب عليها وعلى تشكلها الدولة المتطابقة مع حدود جغرافية بعينها، الامر الذي يطابق منظور الغرب الحديث للمجتمعية وتشكلاتها.

التاريخ البشري اذن مجتزا ومقطوع، وماقد عاشه “الانسايوان” الى اليوم من مجريات وتصورات ورؤى، هو الجزء الاحادي الارضوي من التصيّر المجتمعي، وجد متطابقا مع ممكنات العقل ومامتاح له من طاقة على الاعقال وقتها، بانتظار بلوغ العقل لحظة الانتقال الى مابعد ارضوية احادية، اي على مستوى الكينونه مابعد غلبة جسدية حاجاتية، هي مقتضى طبيعة، وضرورة ضمن عملية ارتقاء العقل والكائن البشري.

تنشأ المجتمعات والحالة هذه وبحسب المروية اللاارضوية، لاارضوية غير قابله للتحقق في حينه، لنقص موضوعي على مستويي، الاعقال، وبما خص الوسائل المادية اللازمه للتحول اللاارضوي الى مابعد مجتمعية، وهو المكنون المضمر في اللاارضوية ابتداء، مايمنح الارضوية الاحادية من يومه، المجال لكي تصير هي “المجتمعية”، ومع البداهة والملموسية والمعاش، تتكرس هذه على انها “الحقيقة”، سواء خلال فتراتها الاولى الطويلة، او حتى ابان الفترة المعتبرة قمه انقلابية شامله، وعلى مستوى الادراكية كما صار عليه الحال ابان النهضة الاوربية الاخيرة الالية البرجوازية، وما عرفته عند منتصف القرن التاسع عشر، مما عد من قبيل “علم الاجتماع” اخر العلوم، فما قد جرت مقاربته من حينه، لم يتعد مجال الاحادية الارضوية ومنطلقاتها الاساس، الامر الذي تولدت عنه انعكاسات ونتائج تعدت هذه المرة نطاق التفكرية واختلافاتها، الى الخطر الوجودي.

في كل ماتقدم لم تكن اللارضوية الشرق متوسطية الازدواجية الرافدينيه غائبة، او بلا فعل، على العكس من ذلك، استمرت هي حاضرة عمليا ووجوديا من دون نطقية ولا انتباه من قبل الارضوية، التي تظل تتاثر بحضور اللاارضوية وفعاليتها الازدواجية المحكومة للدورات والانقطاعات كما هي ايقاعية تاريخ مابين النهرين، وماتنتجه ويعم، انطلاقا منها من تعبيرية اولها عامل الازدواج الارضوي اللاارضوي، وتحقق الصيغة الازدواجية المجتمعية المؤقته الملائمه لزمن الغلبة الاحادية، وضمن حالة تسيدها، وهو ماتنتجه الدورة الاولى السومرية البابلية الابراهيمة لمابين النهرين من رؤية كونية ، هي بالاحرى مجتمعية مفارقة موازية داخل المجتمعات الاحادية، تخترقها على مستوى غالب على مستوى المعمورة.

بمقابل ذلك وبما يوافقه سيرورة واليات، فان الكينونه العراقية الامبراطورية للكيانيه المتعدية للكيانيه/ المحلوية” الوطنيه الاحادية، اسهمت بقوة في نقل التاريخ البشري من اليدوية الانتاجوية، الى الاعقالية المعروفة بالالية، ومع الدورة الثانيه، والصعود الامبراطوري العباسي القرمطي الانتظاري، وسعه مداه غير العادي، الواصل الى الصين شرقا واوربا غربا، وماقد تمخض عنه من عملية اقتصادية تجارية ريعية كنظام عالمي، مع تراكماته، فقد توفرت الاسباب لحصول القفزة الاوربية اليرجوازية التجارية اولا، فتهيات بناء لمفاعيله المحفزات ابتداء من القرن الثالث عشر، كي تاخذ مسارها الواصل الى الانقلابيه الالية، العنصر او المعطى اللازم الضرورة من خارج عنصري الاصطراعية الطبقية الاوربية المقفلة ، بين الاقطاع /البرجوازية.

وياتي التضخم الهائل في مكانة ونفوذ المنظور والاعقالية الاحادية المواكبة والناتجه عن الصعود الاوربي الحديث، وكانه المكافاة التي كانت الازدواجية الامبراطورية اللارضوية تنتظرها بعدما اسهمت في حصوله، وهيات اسبابه، ليزداد بناء عليه وبما يقارب الاطلاقية، مع التجديد اللازم، طغيان المروية الاحادية من جهة، وتعاظم غياب المنظور الاصل اللاارضوي لدرجة محوه، ماقد جعل ممكنتا تضخم المنجز الحداثي المتشعب وغير العادي المتحقق عند لحظة استثنائية الايهام، منطوية على كل اسباب الغلبة السيادية.

غير ان كل هذا لايمنع كون المتحقق يتعدى الكينونة، ومن ثم نوع تعبيرية الاحادية، بما انه ينطوي فعليا على انتهاء موجباتها، ودخولها زمن انتهاء الصلاحية، مايجعل كل ماتراه وتقوله عن نفسها والعالم اليوم غير قابل للاستمرار، موقت برغم سطوعه الغامر، سرعان مايصل الحد المقرر، وتصير الحياة والاشتراطات التي اسهم هو في ايجادها، مستحيلة وغير قابلة للاستمرار، وحينها تنبثق اللحظة النطقية العظمى، ويتحول العالم الى الضرورة الانيه الثانيه، فيحين زمن “اعادة كتابه قصة الخليقة” انطلاقا من الابتداء اللاارضوي، والمنتهى التحولي الاعظم مابعد المجتمعي.

حينها يظهر الكتاب الرابع “قران العرق”، ويصير البدء الثاني حصنا ضد الفنائية المخيمه على العالم، باستحضارها المخبوء والمضمر، بالتحولية، هكذا يسر العالم من يوم بدئه الى احتمالية انتهائه التي نعلن عن تفاقماتها المطردة السائرة الى ماهو اسوأ على الصعد كافة، وهكذا وفي ساعته، ويجب استثناء، كشف النقاب، بعد انتظار طويل، فتستعاد الذات المطوية المنكرة، ويبدا معها -الزمن الاخر، زمن ” الانسان” خليفة “الانسايوان” الحالي، والمجتمعية العقلية اللاارضوية، مكان “المجتمعية الجسدية الحاجاتية” الارضوية.

وكل هذا برسم من مازالوا يبحثون في سوريا ومصر والعراق واليمن عن ” الدولة المدنيه”، و” الديمقراطية”، و ” حقوق الانسان”، بعدان ظلوا يطلبونها لقرنين، لينتهوا الى ماانتهت اليه بلدانهم وشعوبهم، الاصل والمنطلق، والغاية التي هي مؤئل الاجابه العظمى الكونية.

‎2022-‎09-‎06