تحياتنا
البيان المرفق هو اقتراح موقف للتحرك من قبل عدد من المثقفين، لم يضعوا أسمائهم، كي لا تسجل المبادرة باسم احد. نتشرف بوضع اسمك على النداء ان رغبت. الرجاء التفاعل معه ونشره بين أوساط المثقفين، وذلك لأهمية دور النخبة الثقافية في الشأن العام، سيما والبلد يمر بمنعطف خطير، وبانتظار أي فكرة او مقترح للتحرك والنشاط، بهدف تحريك الوسط الثقافي الذي نؤمن برسالته ودوره.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
دفاعاً عن مستقبل العراق ومن أجل التغيير!
كل الأنظمة الفاسدة والمستبدة تشيخُ بسبب انغلاقها البنيوي واستعصائها على الإصلاح، وعند ذاك تشرع بالتفكك والانحلال من داخلها بسبب عجزها الوظيفي وانكشاف زيفها الأيديولوجي في المخيال السياسي العام، ساحبةً مصير الناس والوطن وراءها نحو احتمالات مجهولة قاتمة. وفي ظل الفراغ السياسي الذي يبدأ بالاتساع كلما ازدادت عوامل التفكك والانحلال تلك، تبرز على نحو متعاظم فكرة “التغيير” بوصفها حاجة موضوعية وعملية لا غنى عنها لبزوغ شرعية سياسية جديدة تملأ ذلك الفراغ، بما ينقذ البلاد من خطر التفتت الهيكلي والاقتتال الأهلي، ويعيد تأسيس عقد اجتماعي جديد يحفظ للمجتمع حقوقه وكرامته في إطار دولة تسترشد حقاً بمبادئ المواطنة والديمقراطية بشقيها الاجتماعي والسياسي.
وأوضاع العراق اليوم تُعدّ مثالاً حرفياً لما تقدم، لكن فكرة “التغيير” التي نفهمها لا تعني حلاً لبرلمان عاجز وميت سريرياً فحسب، ولا تعني استبدالاً نمطياً لوجوه سياسية بأخرى عبر انتخابات مبكرة أو غير مبكرة فحسب، ولا تعني تعديلات في دستور قابل للانتهاك الانتقائي في أي وقت فحسب. وإنما مفهومنا للتغيير قد يستوعب كل هذه الإجراءات الإصلاحية المذكورة، لكنه يتسع بعيداً ليشمل تغيير فلسفة الحكم في إطار فعلٍ سياسي جذري ينهي حقبة مأساوية كاملة، وبما يحقق استيلاد الجديد الواعد ودفن القديم الفاسد بعد معاقبته وفق إجراءات العدالة الانتقالية.
وتمسكاً بهذه الرؤية، وقدر تعلق الأمر بنا نحن المشتغلون في الحقل الثقافي والأكاديمي والتعليمي والنقابي ومنظمات المجتمع المدني، نؤكد وعينا التفصيلي بالمهمة التاريخية التي يمكن أن نؤديها للإسهام في إنجاز التغيير السياسي الجذري المنتظر في العراق، عبر وسائل الإقناع الفكري والاحتجاج الجماهيري السلمي، مستندين إلى قيم الوطنية والعدالة والديمقراطية، ومتمسكين بروح المثابرة والإصرار على توجيه التطور السياسي في بلدنا نحو تجسيد تلك القيم. كما نلخّص رؤيتنا التحليلية والموقفية من الأزمة السياسية المستعصية الحالية بالآتي:

1ـ​إن نظام المحاصصة القائم على تسييس الهويات الفرعية المتناحرة وتغييب الهوية الوطنية الجامعة ومأسسة النزعة الطائفية واقتسام ثروات البلاد بأدوات الفساد السياسي والجريمة المنظمة، قد بدأ متماسكاً شكلياً بعد 2003 نظراً لحاجته إلى مشروع سياسي يحقق له أدوات السلطة والمال والنفوذ، بديلاً عن النظام الدكتاتوري السابق الذي تهاوى على يد الاحتلال الأمريكي. إلا أن انشطار المكونات السياسية الطائفية فيما بعد بسبب التكالب على نهب المال العام، وانتشار السلاح خارج سلطة الدولة بوصفه أداة لتحقيق مكاسب سياسية، أديا إلى تفكك النظام تدريجياً بسبب تصدع التحالفات السياسية حتى داخل المكون الإثني الواحد، في صراع سلطوي ومالي شرس، دون أن يستفيد من الفرص التاريخية التي وفرتها له الحركات الاحتجاجية الجماهيرية منذ 2010 وصولاً إلى تشرين 2019، لتغيير بنيته وإصلاح ووظائفه، متجاهلاً الحراك الاجتماعي المعارض العميق، ومتمسكاً بأوهامه بإمكانية التحكم اللانهائي بمجريات الأحداث.

2.​ولذلك فإن الأزمة السياسية الحادة التي تعصف بالنظام السياسي اليوم، هي نتاج متوقع ومفهوم لحالة العقم البنيوي التي نشأ على أساسها بعد 2003، وبالتالي استحالة استمراره بأداء وظائفه الدستورية لإدارة الدولة، بل تحوّل إلى هادمٍ قصدي لما تبقى من مؤسساتها، دون أي رادع قانوني أو قضائي يحدّ من تغوله. لكننا في الوقت نفسه، وبسبب تداخل الخنادق السياسية واختلاط الأهداف السياسية بحقوق الناس المنتهكة، ندركُ أن شريحة أساسية من محرومي ومهمشي البلاد (التيار الصدري) اندفعت بشكل مشروع للاحتجاج على أوضاعها المزرية سعياً لتحقيق إصلاح سياسي ما، دون أن يتم تحديد ماهية هذا الإصلاح أو خطته وفق برنامج سياسي يحظى بمقبولية وطنية عامة. ولذلك نرى أن هذا الحراك الاحتجاجي الذي يحدث في إطار النظام السياسي نفسه، لن يتحول إلى فاعل حقيقي، ما لم يسعَ إلى انفتاح اجتماعي وتقارب تنسيقي مع القوى السياسية والمجتمعية الأخرى الساعية إلى التغيير.

3.​وبناءاً على هذه الرؤية، ندرك أن التغيير المنشود لن ينبثق تلقائياً بسبب الصراع الداخلي الحالي المتعاظم بين قوى النظام القديم إلا بنسبة ضئيلة غير مؤثرة، بل ينبثق –إذا كان له ذلك- من التحالفات السياسية العابرة للإثنية والمناطقية، التي قوامها قوى المجتمع المدني- السياسي بتياراته الديمقراطية والليبرالية واليسارية والنقابية والثقافية، وإسناد الفئات المحرومة والوسطى والنخب التنويرية وكل من يرى أن ثمة فائدة عملية أو أخلاقية من التغيير. كما نعتقد بوجود ضرورة موضوعية للتنسيق بين قوى التغيير من خارج النظام وبين الداعين إلى الإصلاح من داخل النظام إذا أثبتوا جدية نواياهم ومساعيهم، بما يسهم في ضمان الانتقال السلمي العسير في نمط الحكم من سياسات الطوائف والأعراق النهّابة لثروات البلاد والمنتجة للتطرف والإرهاب، إلى دولة المواطنة القائمة على العدالة الاجتماعية والتمثيل المدني لا الهوياتي للمواطنين.

| | | Next → |