بعد تزايد إرهاب قوى التطرف
الأزهر فى قلب المعركة
بقلم د. رفعت سيد أحمد
*مرة إثر آخري يضرب الارهاب بخسة في مصر والبلاد العربية ..يضرب المدنيين والمنشآت المدنية منذ 2011 وحتي اليوم 2022 ويحاول أن يضرب قوي الجيش والشرطة في غدر مشهود له به …هذة الضربات الجبانة تستدعي ليس فحسب ردا من الجيش والشرطة وهو قائم ومستمر بشجاعة وتضحية بل ردا من رجال الفكر ومؤسسات الدعوة ليبينوا للامة شذوذ عقيدة هذة التنظيمات المتطرفة وخروجها عن صحيح الدين ..وهنا يأتي الازهر بدوره التاريخي المشهود ..ليدخل وبقوة معركة المواجهة لضلال الفكر المتطرف وهو دور قديم للازهر الشريف آن له يتجدد هذة الايام وبقوة …فى هذه الدراسة نحاول أن نقترب من هذا (الدور) بأبعاده التاريخية والدعوية والسياسية ، فماذا عنه ؟ .
***
بداية يحدثنا التاريخ ان الازهر الشريف قد تميز بما تميزت به الشريعة الغراء من الوسطية والاعتدال ، يقول الله تعالى : (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس …. )
كما تميز الأزهر بالبعد عن الغلو والتعصب الممقوت والتشدد المنفر الذى ظهر فى هذه الأيام على أيدى الاخوان والدواعش .
كما تميز الأزهر بالبعد عن رمى الناس بالكفر أو التبديع أو التفسيق ، فكانت الدقة لدى علمائه فى وضع النصوص فى مكانها ومعناها الصحيح ، فلا تستخدم أية ـ نزلت فى الكفار ـ فى محاربة المؤمنين وإخراجهم عن ملة الإسلام . فهذا ما لجأ إليه الخوارج فى كل عصر وزمن ، وقد ورد عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما أنه قال : شرار خلق الله الخوارج عمدوا إلى آيات نزلت فى المشركين فجعلوها فى المسلمين ، وقال ذلك ابن عباس أيضا ، كما ورد فى بعض الروايات .
وهذا التميز ، وكما قلنا من قبل ، إنما هو منهج العلماء الثقاة ، فقد ورد عن الإمام مالك قوله : لو سمعت الرجل يتفوه بالكلمة تحتمل الكفر من تسعة وتسعين وجها وتحتمل الإيمان من وجه واحد ، حملتها على الإيمان .
كما تميز الأزهر بالتمسك بالدعوة إلى الله عز وجل بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بما هو أحسن ، يقول الله عز وجل :{ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}[النحل125] .
كما تميز الأزهر بالدعوة إلى الله سبحانه وتعالى والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فى رفق ولين والتزام بما أمر الله به فى قوله تعالى:{وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}[آل عمران104] .
كما تميز الأزهر بأنه لا يحكم على الناس بالظن ، وإنما يقدم حسن الظن ، التزاما بما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” إنى لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم ” ، والتزاما أيضا بما بينه فى حديثه العظيم الذى قام عليه جل الدين الحنيف ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: : ” إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ”
***
فى عهد د. احمد الطيب وقبله بمئات السنين تميز الأزهر بتبنى الوسطية فى أمور كثيرة ، كما تبنى الاعتدال فى الآراء فى أمور عديدة ، فمشى على منهج السلف الحق ، ومنهج الجمهور من العلماء .
ظهر هذا فى قضايا الحج وفتاواه كما تبنى التيسير فى قضية الحجاب وبنى رأيه فى النقاب بعدم اعتباره فرضا على ما ذهب إليه الجمهور من العلماء أيضا ، كما تبنى رأيه فى الزكاة خاصة زكاة الفطر ، حيث تبنى رأيه الذى ذهب إليه الخلفاء الراشدون والبخارى الحنفى وسعيد بن المسيب والحسن البصرى وسفيان الثورى وأبو حنيفة وغيرهم ممن ذهب إلى جواز القيمة فى هذه الزكاة ، تيسيرا على الناس ووصولا إلى مصالحهم التى تقتضى أن تكون كذلك .
وهناك قضايا كثيرة تبنى فيها الأزهر الرأى الراجح لدى الجمهور ، أو الرأى الذى يرونه ميسرا لمشاق الحياة ، ولم يخرج عن هدى الشريعة وأقوال الأئمة من الفقهاء المعتمدين .
ومن الجدير بالذكر أن نتكلم أيضا عن التعليم الآزهرى ، حيث إن هذا التعليم ـ المتنوع والدارس لكافة الآراء والمنفتح على التراث الدينى العظيم ـ هو الذى يؤدى بالطلاب ـ الذين سيصبحون علماء فى المستقبل ـ إلى هذا الأسلوب الدعوى الجميل .
هذا التعليم الأزهرى متنوع ، فبدءا من التعليم الثانوى ، والذى يسبق الجامعة يتعود الطالب على دراسة المذاهب المختلفة فى دراسته للفقه ، فيدرس الفقه على المذاهب الأربعة .
وفى الدراسة الجامعية يتعرض الطالب لدراسة المذاهب الفقهية الثمانية ، الأربعة السنية (مذهب الإمام أبى حنيفة النعمان ، ومذهب الإمام مالك ، ومذهب الإمام الشافعى ، ومذهب الإمام أحمد بن حنبل) ، بالإضافة إلى مذهبين من مذاهب الشيعة (الشيعة الزيدية ، والشيعة الإمامية) ، كما يدرس أيضا مذهب الإباضية (وهى فرقة معتدلة من فرق الخوارج) ، كما يدرس مذهب الظاهرية ( وهو مذهب داود الظاهرى ثم ابن حزم والذى تجلى فى كتابه المحلى )
كما يدرس الطالب المدارس والمذاهب الكلامية المختلفة ، كالأشاعرة ، والماتريدية ( وهما قد أسسا مذهب أهل السنة ) ، والمعتزلة ( وعلى رأسهم واصل بن عطاء الذى اعتزل الحسن البصرى وكون مذهبه الكلامى ، وهؤلاء المعتزلة كان لهم الفضل فى دحض آراء الملحدين فى بداية نشأتهم وعبر العصور المختلفة ) ، يتعرف الطالب على هذا كله مع معرفته ترجيح الآراء .
إذا ، فالطالب فى الأزهر معرفته متنوعة ، ويتعود منذ نعومة أظفاره على رؤية الاختلافات الفقهية التى نشأت أو هذا ما يجب أن يكون ويستمر..
وهذا التنوع والتعرف على الاجتهادات المختلفة للعلماء والفرق المختلفة ، يجعل الطالب مستعدا لقبول الرأى الآخر ، ودراسته ، ومناقشته ، ومجادلته ، ورده بالأدلة والبراهين ، أو ترجيحه .
فيكون مهيئا لهذا ، ويكون عنده رؤية متكاملة عن الأمور .
الأزهر قديما كان له دور بارز فى وحدة الأمة وفى لم شمل المسلمين على مر العصور ، ويسعى إلى ترك الفرقة ، وصولا إلى الوحدة التى حث عليها القرآن الكريم ،والتى حث عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وكان الأزهر على طريقة السلف الصالح يرفض التكفير الذى يهدد الأمة ، وينال من وحدتها ، ويفرح أعداءها ، فهذا ما يريدونه فى تفريقنا المعنوى والفكرى والمذهبى بعد أن سعوا إلى تفريقنا الحسى إلى دويلات .
والأزهر منذ إنشائه يسعى إلى التقريب ، وذلك كما مثلنا سالفا هو يقوم على التنوع فى دراساته للآراء والمذاهب المختلفة ، كما سبق أن ذكرنا ، وفى ذلك محاولة للتقريب ، فدراسة المذاهب والاطلاع على الآراء المختلفة يعطى هذه الفرصة للتقارب لا للتشاجر .
وقد أنشئ فى الأزهر منذ الاربعينيات من القرن الماضي دار التقريب بين المذاهب الإسلامية وكانت فى حينها ثورة في الفكر والسلوك الديني والدعوة وما أحوج الامة اليوم الي ثورة مثلها !
***
هذا ويعلم الإمام الأكبر الشيخ الدكتور احمد الطيب جيدا ان الأزهر كان قائدا فى مجال الدعوة لوحدة الامة . وأنه كان رائدا من رواد مواجهة فكر الغلو والتطرف لذلك يسعي هو وصفوة العلماء والدعاة اليوم الي بعث هذا الدور مجددا.
هذا و يذكرنا التاريخ فى مجال فقه الوحدة الإسلامية تلك الفتوى الشهيرة للشيخ شلتوت شيخ الأزهر الأسبق بأن المذهب الشيعى الجعفرى يعد مذهبا خامسا يجوز التعبد به كبقية المذاهب الإسلامية .
وهذه الفتوى أنارت الطريق أمام الذين يسعون إلى التقريب بين المذاهب الإسلامية ، وإلى وحدة المسلمين فى كل مكان ، وقد أيد كثير من علماء الأزهر هذه الفتوى وهذه الوجهة التى قال بها الشيخ شلتوت ، من هؤلاء العلماء شيخ الأزهر الحالى . وعلي ذات النسق أتت فتاوي رفض العنف والغلو الداعشي والاخواني والتي تطالب الامة كلها أزهرنا الشريف بزيادة وتيرتها ونشر دعوتها علي أوسع نطاق لان كلمة الازهر مسموعة ومقدرة من الامة كلها ..وآن لها أن تدوي مجددا ضد غلاة الفكر وشذاذ الافاق من التكفيرين والارهابيين الذين لم يسيئوا للوطن فحسب بل أساؤا للاسلام ذاته .
2022-06-25