كيف نعدل موازين القوى!
جمال الطاهات
يجمع المؤرخون الذين تناولوا الثورات، على أن الوعي بأهمية تعديل موازين القوى لصالح الشعب، وبدء العمل به هي بداية نهاية المستبد الفاسد. فالقانون المركزي للتغير والتخلص من الاستبداد والفساد هو أن تتعدل موازين القوى لصالح الشعب، إما عبر اضعاف المستبد وافقاده لبعض أو أغلب مصادر قوته، او تقوية الشعب وتشكيلاته المختلفة في مواجهته.
والسؤال هو كيف يتم تحقيق ذلك؟ هل تتعدل موازين القوى نتيجة تحولات موضوعية دولية وإقليمية، وتكنولوجية؟ أم تتحقق نتيجة وجود نخبة تحررية تسعى لتعديل هذه الموازين بشكل مخطط له ومدروس بعناية؟ والجواب هو أن تعديل موازين القوى حاصل لهما معاً. فلا مجال للنخب التحررية أن تقوم بالمعجزات، كما أن الظروف المهيأة والفرص قد يتم تبديدها إذا لم تنتبه نخب العمل التحرري وتستثمرها بشكل مناسب. فتعديل موازين القوى لا يتحقق بشكل تلقائي، ولكنه ثمرة التفاعل الخلاق بين الفرصة والقدرة على استثمارها.
أحياناً قد تُقْدِم النخب التحررية على تبني استراتيجية الـ 300، والتي تتلخص بخوض معركة بطولية لرسم خطوط مواجهة واضحة بين الشعب والمستبد الفاسد، رغم معرفتهم المسبقة بأنهم لن يكسبوها، فالنصر بهذه المعركة يتحقق بخوض المعركة بغض النظر عن نتائجها.
إن استراتيجية الـ 300، المستوحاة من تاريخ الحرب الفارسية اليونانية قروناً قبل الميلاد، خيار من عدة خيارات لترسم نخب العمل الوطني طريق التخلص من الاستبداد والفساد، وتنجز عبر البطولة والتضحية، تعبئة قوى الشعب وتشكيلاته المختلفة للمضي في المواجهة حتى يسترد مصيره.
ولكن لنتذكر بأن النخب لا تنجز النصر وتتخلص من المستبد الفاسد وعائلته نيابة عن الشعب. مهمتها المركزية هي تمكين الشعب من خوض معركته، وليس خوضها نيابة عنه. ومعارك التضحية والبطولة التي تخوضها النخب بشكل معزول، تهدف لتقديم نموذج الفعل الذي يمكن للشعب أن يقوم به حتى يسترد مصيره.
من هنا، فإن المهمة المركزية لأي تنظيم تحرري ديمقراطي هي تعبئة الشعب وتمكينه من أدوات الفعل لاسترداد دولته سلطة وموارد، وهذه المهمة لا تتحقق بإنشاء تنظيم شعبي ضخم لإلحاق الهزيمة بعصابات المستبد الفاسد، بل بتقديم المفاتيح والمقترحات لتمكين شعبنا من تفكيك منظومة التي مكنته من الهيمنة.
صحيح أن التنظيم التحرري ما زال ضرورة، ولكن مهما بلغ حجمه وقوته لن يستطيع أن يكون بديلاً عن الشعب في مشروع التحرير واسترداد الدولة سلطة وموارد، ولا بد من قوة شعبية لا يمكن للمستبد الفاسد أن يسيطر عليها تقوم هي بتفكيك منظومته. وهذا يستدعي تطوير شكل التنظيم ومهامه وآليات عمله.
فالتنظيم السياسي حسب النموذج اللينيني الذي ما زال سائداً في بلادنا، وإن كان في عصره ابداع عظيم ومميز، وحقق منجزات استثنائية، لكنه لم يعد ملائماً ولا يخدم المرحلة الراهنة. فالحزب اللينيني صيغة عمل متعددة الوظائف: تعبئة وتنظيم واتصال وتصميم شكل الدولة القادم في آن معاً، وأغلب هذه المهام لم تعد بحاجة لحزب.
والتطوير المقترح على الصيغة اللينينية له عدة أساب، أهمها أن النظم الاستبدادية استوعبتها وصممت أدوات وتكتيكات قمع خاصة لاجهاضها. فالثورة حدث تاريخي فريد يجب أن يتحقق بطريقة وأدوات وصيغ عمل فريدة وغير مسبوقة وغير مبتذلة. فلكل ثورة ناجحة شكلها الإبداعي وبصمتها الخاصة. وميزة كل الثورات الفاشلة عجز النخب عن تصميم صيغة إبداعية لتنفيذها. ولكن يجب التنبيه هنا بأن الصيغة الإبداعية ضرورة لنجاح الثورة، ولكنها شرط من عدة شروط وليست بحد ذاتها ضمانة للنجاح. فلكل شعب واقعه الخاص، فلا يمكن تعبئة قواه وحشدها بطريقة مستعارة من تجربة وواقع شعب آخر. مما يستوجب تجنب التعسف في فرض أجندات وتوقيتات وخطط العمل على الحركات الشعبية. “فكل أرض ولها ميعادها” ولكل قمة مسارها المميز في سديم المخاطر.
يضاف إلى ذلك ارتباط الموقف الأخلاقي للنخب بالضرورة العملية. إذ أن مهمة النخب هي تمكين الشعب من استرداد دولته، وحمايته من أن تهيمن عليه مجموعة جديدة بدل المجموعة الحاكمة الآن، والخبرة الإنسانية بأن الحزب الينيني استأثر بكل السلطة بعد الثورة، تقدم المبررات والمسوغات الموضوعية لتردد القوى الشعبية، واحجام طلائعها عن الانخراط بالعمل حسب هذا النموذج.
إن بديل النموذج اللينيني بسيط وواضح لمن شاء أن يستمر في خدمة مشروع شعبنا لتمكينه من استرداد دولته سلطة وموارد، ويتمثل في أن تكتفي النخب وتشكيلاتها بمهمتين: الأولى رسم خطوط المواجهة والاشتباك مع المستبد الفاسد، حتى لو اضطرت لرسم هذا الخط بدمائها حسب استراتيجية ال 300 كما فعل أحفاد مبدعيها من طلاب كلية الهندسة في جامعة أثينا، الذين قاموا عام 1973، بتحدي جنازير الدبابات بدمائهم، فقامت اليونان كلها خلفهم، وتمت الإطاحة بالطغمة المستبدة الفاسدة.
والمهمة الثانية صياغة مقترح الإجابات على أسئلة الدولة وتقديمها على شكل سياسات واستراتيجيات بديلة لما يتم عمله الآن، ليكون وضوح أحلام المستقبل ووسائل تحقيقها وسيلة تعبوية من جهة، وأيضاً ضمانة لمواصفات المستقبل المنتظر.
أخيراً، إن تعديل موازين القوى يتطلب تجنب التعسف في فرض صيغ وأدوات تنظيمية غير منسجمة مع البيئة، والتمسك بفكرة الخليط الاستراتيجي الذي يعجز المستبد الفاسد وعائلته المشغولين بنهب الأموال عن فهمه واستيعابه واحتوائه. والخطوة الأولى بهذا الاتجاه تمكين شعبنا من استرداد مركزيته في دولته على مستوى الوعي والتفكير والخطاب، والبقية تفاصيل تمليها اللحظة، وتحددها عناصر القوة المتاحة على ضفتي خط المواجهة. إن الوعي الشعبي بأهمية تعديل موازين القوى عبر اضعاف المستبد الفاسد وبناء أدوات القوة الشعبية، تمثل بداية نهاية المستبد.
2022-06-21