انبوب نفط البصرة-العقبة

الاعتبارات الاقتصادية والقانونية والجيوسياسية والجيوستراتيجية

 

احمد موسى جياد*

في اقل من اربعة أشهر في عام 2021 عرض وزير النفط الحالي موقفين متناقضين تماما يتعلقان بكلفة ونوعية عقد تنفيذ هذا الأنبوب حيث تباينت الكلفة بما يزيد على 14 بليون/مليار دولار رغم بقاء الأساسيات

 الفنية ومكونات المشروع على ما هي عليه وبدون تقديم أي تفسير لهذا التباين غير المسبوق. ولا زالت التصريحات الرسمية للوزير وللوزارة وشركة المشاريع النفطية وتوجيهات مجلس الوزراء لغاية تاريخه تفتقر الى الوضوح والشفافية والدقة والتنسيق فيما يتعلق بكلفة المشروع وتمويله ونوعية العقد والاتفاقية الاطارية واطرافها ومكوناتها الاساسية وغير ذلك من المسائل المهمة التي يفترض، بل يجب، عرضها وتوفيرها.

ليس من الغريب مطلقا ان يثير هذا التباين اهتمام، بل وحتى استغراب وغضب العديد من المعنيين بالشأن النفطي، خاصةً عندما يكون الاصرار على تنفيذ هكذا عقد يأتي من قبل حكومة لا تمتلك الصلاحيات الدستورية ولم تقدم ما يثبت الجدوى الاقتصادية المقارنة مع بدائل توسيع وتعدد منافذ تصدير النفط الخام الاخرى بما يضمن أفضل مردود للاقتصاد العراقي، الى ان وصل الامر حد اقامة دعاوى قضائية.

سبق لي في ثلاث مداخلات ان تناولت مشروع هذا الانبوب بكثير من المعلومات والتحليل الاقتصادي وحسابات الكلفة،..، والان وجدت من الضروري اعداد وتقديم هذه المداخلة لاسباب عديدة منها: التغير الكبير في كلفة المشروع ونوعية العقد التنفيذي له؛ اقامة دعاوى امام المحكمة الاتحادية العليا تتعلق بشرعية ودستورية القرارات المتعلق بالمشروع؛ تناقض المواقف الرسمية والشرخ الواضح ضمن اجهزة السلطة التنفيذية؛ غياب وافتقار الفهم الصحيح والواقعي للمخاطر الجيوسياسية وللاعتبارات الجيوستراتيجية ومتطلبات الامن الاقتصادي الوطني التي تساق لتبريرالمشروع؛ الشكوك العميقة بالجدوى الاقتصادية والتسويقة لهذا المشروع النفطي وانعدام الشفافية بشكل مقلق لمكونات المشروع والاتفاقية الاطارية الثنائية/الدولية الخاصة به.

 

تبدأ هذه المداخلة باستعراض المفاتحات الرسمية والقرار الاخير لمجلس الوزراء الخاصة بمشروع الانبوب؛ يتبع ذلك عرض ما يشير الى ضبابية المعلومات وتباين وتناقض التصريحات بسبب انعدام الشفافية؛ في ثالثا تقدم المداخلة ايجازا عن متابعات مجلس النواب لمشروع الانبوب؛ اما الجزء الرابع فيناقش مجموعة من الجوانب الدستورية والقانونية والتعاقدية التي يمكن ان تحد من حرية حركة الحكومة الحالية في السير قدما بهذا المشروع. تنتقل المداخلة بعد ذلك لمناقشة منافذ وطاقات التصدير المتاحة والممكنة وذلك لخدمة التحليل المقارن للبدائل ومدى تاثير الاعتبارات الجيوسياسية على الاهمية الجيوسترايجية لمنافذ تصدير النفط العراقي.  اما التقييم الاقتصادي للمشروع فقد استخدم ثلاث منهجيات تثير جميعها اسئلة كثيرة تحتاج الى إجابات مقنعة حيث اشرت نتائج الحسابات الى الاحتمالية العالية لعدم جدوى المشروع؛ واخيرا تنتهي هذه المداخلة ببعض الملاحظات الختامية.

 

اولا: المفاتحات الرسمية بين وزارة النفط ووزارة التخطيط وقرار مجلس الوزراء الاخير

لاعتبارات مهمة من النواحى المنهجية والمهنية والتوثيقية أجد من الضروري ادراج المفاتحات الرسمية التاليه وذات العلاقة المباشرة بالموضوع لتُكَون الاسس المادية والشواهد التي يجب اخذها بنظر الاعتبار عند مناقشة مشروع الانبوب بشكل موضوعي وهادف. كذلك لهذه الشواهد اهمية كبيرة في حالة اللجوء الى القضاء او المحكمة الاتحادية العليا عند الضرورة.

  • وجهت وزارة النفط/ دائرة الدراسات والتخطيط والمتابعة بموجب كتابها المرقم (34718) المؤرخ في 20/10/2021 ومرفقه دراسة الجدوى الفنية والاقتصادية الخاصة بمشروع (انبوب تصدير النفط الخام الخط العراقي- الاردني) الى وزارة التخطيط تطلب فيها ادراج المشروع المذكور ضمن الموازنة الاستثمارية لوزارة النفط.

  • اجابت وزارة التخطيط/دائرة تخطيط القطاعات بموجب كتابها عدد (2/5/32717) بتاريخ 17/12/2021 حيث ابدت الوزارة بعض الملاحظات وقررت ” عدم امكانية النظر” بطلب الوزارة بسبب ” عدم وضوح الرؤية الخاصة بتنفيذ المشروع” نتيجة ” عدم توقيع الاتفاقية الاطارية الخاصة بتنفيذ المشروع” و” عدم امكانية ضمان تامين المبالغ المطلوبة لتنفيذ المشروع”، وضرورة ” مقارنة كلف النقل مع البدائل الاخرى” وتقدير “المخاطر الامنية” وغيرها. سوف اعتمد المعلومات الواردة في هذا الكتاب لاغراض التقييم الاقتصادي للمشروع في هذه الداخلة.

  • استفسرت وزارة التخطيط (كتابها رقم 6141 في 3 اذار 2022) من وزارة النفط حول اجراءات الاخيرة لتمويل المشروع “ضمن الموازنة العامة الاتحادية ام اي منفذ اخر”. وتبعا لذلك ذكرت مذكرة الدائرة الاقتصادية – وزارة النفط (رقم 1032 في 14 نيسان 2022) مقترح شركة المشاريع النفطية (التابعة للوزارة) تمويل المشروع عن طريق الاتفاقية الاطارية العراقية الصينية. إلا ان الدائرة الاقتصادية شككت بتوفر التمويل المطلوب من تلك الاتفاقية وابدت تحفظها على تمويل المشروع من الموازنة العامة الاتحادية لان “اي تاخر من قبل وزارة المالية في إطلاق التخصيصات المالية سيؤدي الى تاخر في تنفيذ المشروع” (من المحير جدا ان نرى كل هذا الحماس لتنفيذ المشروع حتى عن طريق الاقتراض دون ان تقدم الدائرة الاقتصادية الجدوى الاقتصادية للمشروع!!!!). اشار الوزير الى قرار مجلس الوزراء الاخير (ادناه) ونَسَبَ تمويل المشروع عن طريق الاتفاق الاطاري مع الصين لانه “اقل مخاطرة من الابواب الاخرى” وطلب “التواصل الحثيث مع وزارتي التخطيط والمالية لضبط الموضوع”. ومن الجدير بالذكر عدم تناول مذكرة الدائرة الاقتصادية لملاحظات وزارة التخطيط التي وردت في كتاب الاخيرة المذكور في الفقرة (2) اعلاه!!!

  • تضمن قرار مجلس الوزراء رقم 95 لسنة 2022 الذي اتخذ في جلسته الاعتيادية 13المنعقدة في 5/نيسان/2022 ما يلي: الموافقة على اعتماد خطة تنفيذ مشروع انبوب تصدير النفط العراقي- الاردني على ائتلاف الشركات التي تقوده شركة (CITIC) الصينية في ضمن اتفاق اطار التعاون الستراتيجي الصيني – العراقي وبالهيكلية المبينة في كتاب وزارة النفط المرقم بالعدد (و/677) المؤرخ في 16/12/2021 (تصميم، تجهيز، تنفيذ، تمويل) لكامل المشروع من البصرة الى العقبة وباشراف مستشارين دوليين (Worley Engineering)، بعد اقرار مشروع قانون الموازنة العامة الاتحادية للسنة المالية/ 2022.        

يستخلص مما تقدم ما يلي:

اولا: عدم توفر اي منفذ لتمويل المشروع لغاية 14 نيسان 2022؛

ثانيا: لا يوجد اي مؤشر لتوصل وزارات النفط والتخطيط والمالية (من الجانب العراقي) الى امكانية تمويل المشروع ضمن اتفاق إطار التعاون الإستراتيجي الصيني – العراقي وهل تمت مفاتحة الجانب الصيني بذلك ام لا؛

ثالثا: ليس من الواضح هل ان هيكلية كلفة المشروع التي قدمتها وزارة النفط الى مجلس الوزراء في 16/12/2021 هي نفسها التي قدمتها الوزارة الى وزارة التخطيط في 20/10/2021، فاذا كانت مختلفة فما هي الان؟؛

رابعا: المضي بالمشروع مشروط ومرتبط باقرار قانون الموازنة العامة الاتحادية لهذا العام؛ 

وخامسا: لم تعرض وزارة النفط لغاية تاريخة دراسة الجدوى القتصادية للمشروع رغم التغيير الهائل في كلفة المشروع وتبديل ونوعية العقد التنفيذي واحتمالية شمول او عدم شمول تمويل المشروع ضمن اتفاق إطار التعاون الإستراتيجي الصيني – العراقي!!!

ثانيا: ضبابية المعلومات وتباين وتناقض التصريحات بسبب انعدام الشفافية

على الرغم من قيام وزارة النفط بتغيير كلفة المشروع ونوعية العقد الخاص به في شهر تشرين اول/ اكتوبر 2021، الا انها والشركات التابعة لها استمرت في تقديم المعلومات وإطلاق التصريحات غير الدقيقة وهذا ساهم في تعميق اشكالية هذا المشروع، بل وحتى التشكيك في جدواه.

اولا: لغاية تاريخه لم تقدم وزارة النفط ولا شركة المشاريع النفطية –سكوب- التابعة للوزارة والمعنية مباشرة بتنفيذ المشروع المعلومات الكافية الشاملة وبكل شفافية عنه رغم اعتباره ” استثماري، اقتصادي، استراتيجي، تنموي”1  

فاذا كان المشروع بهذه الاهمية فلماذا لم تعلن الوزارة وبكل شفافية عما يدلل، بالأرقام والبيانات والتحليل، وما يثبت ويؤيد ادعاءاتها.

ثانيا: لا زالت الوزارة وشركة المشاريع النفطية (في 19 كانون الثاني 2022) تعتبران المشروع “استثماري” في حين ان الوزارة نفسها قد غيرت طبيعة العقد من استثماري (BOOT) الى تنفيذي بتمويل محدود جزئي (EPCF) وذلك بموجب كتابها الى وزارة التخطيط في 20 تشرين اول 2021. فما تفسير عدم الاتفاق ضمن منظومة الوزارة حتى على نوعية العقد التنفيذي للمشروع؟

ثالثا: يصبح التباين في تقدير كلفة المشروع مصدرا للقلق ومدعاة للتساؤل وسببا للحيرة خاصة عندما يكون التباين كبيرا وخلال فترة قصيرة وعدم تقديم ما يدلل على اعداد او اعادة النظر بالجدوى الاقتصادية للمشروع او تقديم تفسير رسمي لهذا التباين وكما في ادناه.

  • في 20 تشرين اول 2021 تذكر وزارة النفط ان كلفة المشروع تبلغ 12.1 مليار /بليون دولار وتشمل أربع فقرات وهي الكلفة الراسمالية وكلفة التمويل ومبلغ الاحتياطي ومبلغ الاشراف والمراقبة (تبلغ الكلفة الراسمالية وكلفة التمويل 10.917 مليار دولار).

  • في 19 كانون الثاني 2022 ينشر موقع الوزارة تصريح لشركة المشاريع النفطية والذي ذكرت فيه ان ” الكلفة التخمينية للمشروع لا تتجاوز (9) تسعة مليار دولار”

  • بتاريخ 17 نيسان 2022 أعلن المكتب الاعلامي لوزارة النفط ان ” كلفة المشروع لا تتجاوز (8.5) مليار دولار”

يتضح من اعلاه ان الفرق بين اوطا واعلى تقدير لكلفة المشروع بصيغة (EPCF) يبلغ أكثر من 3.6 مليار دولار وخلال اقل من ستة أشهر…. بدون تقديم اي تفسير من قبل تلك الجهات المعنية على هذا الفرق!!!

 

رابعا: التناقض في تاكيد اهمية او عدم الاهتمام او عدم فهم الاعتبارات السياسية (الجيوسياسية والجيوستراتيجية) للمشروع والموقف بشأن كلفة الانبوب وحسب تصريحات وزير النفط الحالي، كما يتضح من العرض التالي.

1-     خلال مقابلة لوزير النفط على قناة الفرات الفضائية بتاريخ 16 نيسان 2022 قال الوزير انه ليس هناك علاقة للانبوب بالسياسة؛ المشروع تجاري بحت2؛ لكنه لم يقدم ما هي المؤشرات التجارية للمشروع!!!

2-     تراجع الوزير بعد بضعة ايام وذلك من خلال برنامج “تحت خطين” الذي قدمه كريم حمادي على قناة العراقية يوم الاربعاء 20 نيسان 2022 مع الوزير ومدير عام سومو ومدير عام الاستكشافات النفطية حيث اشار الوزير ان الوزارة تعتمد اسلوب يتضمن المتغيرات الفنية والاقتصادية، والتجارية، والتشغيلية، والسياسية. وشدد على ان المتغيرات الاربعة الاولى تقدرها وتحددها الوزارة، ولكن متغير السياسة يحدده مجلس الوزراء. المتغيرات الاربعة موجودة ومبررة في مشروع انبوب البصرة العقبة والامر السياسي متروك للحكومة!!! وهنا أيضا لم يذكر الوزير أي شيء عن المتغيرات الفنية والاقتصادية، والتجارية، والتشغيلية.   

ولكن كيف يمكن لوزير النفط الذي هو في نفس الوقت نائب رئيس الوزراء لشؤون الطاقة ورئيس اللجنة الوزارية للطاقة ان يتجاهل او يقلل من او لا يعلم باهمية الجوانب السياسية والجيوسياسية والجيوستراتيجية لمشروع الانبوب؟ علما انه غير رايه بالكامل بعد اربعة ايام فٌقط!!!

3-     وفيما يتعلق بكلفة المشروع فقد صرح وزير النفط ولثلاث مرات مُوَثقة منذ بداية تموز2021 لغاية 20 نيسان 2022 ان كلفة الانبوب كمشروع استثماري (بوتBOOT/BOT ) تبلغ 26 مليار دولار. لم يكن للوزير أي موقف بشأن كلفة المشروع في تصريحه الاول3؛ ولكنه صرح خلال لقائه مع اعضاء مجلس النواب بانه وجد العقد جاهزا للتوقيع، ولكنه رفض ذلك مما سبب له مشكلة مع رئيس مجلس الوزراء مصطفى الكاظمي.4 لكنه لم يذكر على اية شركة تمت الاحالة السابقة عليها!!، كذلك اعاد الوزير نفس الموقف في برنامج “تحت خطين” المشار اليه اعلاه.

هذه التصريحات الثلاثة لوزير النفط تثير العديد من الاسئلة والاستفسارات: لماذا لم يتخذ الوزير في تصريحه الاول ما اتخذه من موقف في التصريحين التاليين!!! كما وانه لم يقدم اي تفسير لهذا الفرق الهائل في كلفة المشروع؛ وكيف يمكن لرئيس مجلس الوزراء مصطفى الكاظمي ان يتبنى المشروع بهذه الكلفة الكبيرة دون اخذ راي وزير او وزارة النفط!! واخيرا لماذا لم يتخذ وزراء النفط السابقين (ثامر الغضبان، جبار لعيبي، عادل عبد المهدي (كوزير نفط اسبق ورئيس مجلس الوزراء السابق)) أي موقف او توضيح او رد على وزير النفط الحالي بان العقد كان جاهزا للتوقيع قبل استيزاره، مما يعني انهم جميعا او بعض منهم او أحدهم سبق ان وافق على المشروع بهذه الكلفة العالية؟؟!!! وإلا من كان خلف هذا المشروع بهذه الكلفة دون علم وزراء النفط السابقين؟؟؟؟؟؟

4-     ضعف حجة انعدام البديل. قال وزير النفط بتاريخ 16 نيسان 2022 بانه لا يوجد للعراق اي خيار عدا البديل الاردني5. ثم ورد في تصريح وزارة النفط في 17 نيسان 2022 ما يلي ضمن خطط تعدد المنافذ التصديرية فإن مشروع خط (حديثة – عقبة) يعد هو الخيار الواقعي، وذلك لتوفر البيئة السياسية، القانونية، وهو أفضل الخيارات التي يمكن تنفيذها، بسبب الظروف المحيطة بمشاريع كل من منفذ (سوريا “عدم الاستقرار السياسي”)، و (تركيا “لوجود مشكلة قانونية حول الاستخدام اللاقانوني للخط الاستراتيجي الحالي).  و” وتم الاتفاق مع الجانب الاردني على تخفيض طاقة الضخ الدنيا الى (200 ألف برميل باليوم). “

 لم تكن تصريحات كل من الوزير والوزارة موفقة على الاطلاق وغير مقنعة بكل تأكيد.

ثم ان اعتبار هذا المشروع أفضل الخيارات مقارنة مع تركيا “لوجود مشكلة قانونية حول الاستخدام اللاقانوني للخط الاستراتيجي الحالي” فهذا امر غريب جدا وغير دقيق وغير صحيح ايضا.

اولا: يقع الخط الاستراتيجي ضمن الحدود السيادية العراقية وحصرا بين محافظتي البصرة وكركوك، وعليه ليس من الصحيح القول ان تركيا تستخدم الخط داخل الحدود العراقية قانونيا او غير ذلك!!.

ثانيا: ما قامت به تركيا من عمل غير قانوني هو استخدام جزء من انبوب النفط كركوك- جيهان الواقع ضمن الاراضي التركية؛ وهذا الاستخدام غير قانوني لأنه يخالف بنود اتفاقية الانبوب الموقعة بين الحكومتين العراقية والتركية والاتفاقيات الثنائية بين البلدين وحسب ما ورد في حيثيات دعوى التحكيم الدولي التي اقامتها وزارة النفط امام غرفة التجارة الدولية في العاصمة الفرنسية.

ثالثا: حسب الممارسات الدولية والتعاقدية المتعلقة بالمشاريع النفطية فان اقامة دعوى التحكيم الدولي لا تقود بالضرورة الى قطع العلاقات التعاقدية القائمة بين الاطراف المعنية ولا تحول دون اقامة علاقات تعاقدية جديدة. وهذا واضح جدا وموثق في عقود جولات التراخيص في المادة المتعلقة بالتحكيم (المادة 37.7 من عقد تطوير حقل الرميلة مثلا). كذلك لم تتضمن “اتفاقية تعديل اتفاقية النقل عبر منظومة الخط العراقي – التركي” لعام 2011 ما يدعم راي الوزارة، وهذا ايضا ما اشار اليه مدير عام شركة تسويق النفط- سومو حديثا.6

رابعا: اقيمت دعوى التحكيم اعلاه في شهر ايار/ مايس 2014 وجميع المعلومات المتاحة تشير الى احتمالية اصدار قرار التحكيم قبيل نهاية هذا العام ويحتمل عاليا ان يكون لصالح العراق. فان تحقق ذلك تصبح حجة وزارة النفط واهية بأفضلية خيار الاردن على خيار تركيا او حتى خيار سورية.

خامسا: تم تصميم وتحديد طاقة المقطع الاول للانبوب المقترح الذي يقع داخل الاراضي العراقية (البصرة- حديثة) من الانبوب للاردن على اساس احتمالية التصدير من خلال تركيا، بل وحتى من خلال سوريه. وهذا بحد ذاته يوضح مدى هشاشة تبريرات الوزارة وتناقضها مع نفسها!!

سادسا: لم تقدم الوزارة اية بيانات ومقارنات اقتصادية تثبت افضلية الخيار الاردني، بل اكتفت بترديد عبارات لغوية رغبوية منحازة تزيد من مستوى الشك في اصرارها على تبني هذا الانبوب.

سابعا: ان قرار المحكمة الاتحادية العليا بعدم دستورية قرارات وقوانين وممارسات حكومة الاقليم تعزز الاسس القانونية لاعتماد الخيار التركي في توسيع منافذ تصدير النفط العراقي.7   

يتضح من خلال العرض اعلاه ان وزير ووزارة النفط لم يوفقا في تقديم ما يقنع بأفضلية الانبوب باتجاه الاردن على غيره من البدائل المتاحة والممكنة؛ وهذا ما ساتناوله لاحقا ادناه.

ثالثا: متابعات مجلس النواب

نال مشروع الانبوب اهتمام العديد من النواب سواء كان ذلك من خلال توجيه استفسارات نيابية رسمية او إطلاق التصريحات او التحرك القانوني بإقامة دعوات قضائية وغير ذلك من الاجراءات والتحركات. 

  -وجه النائب هادي حسن السلامي “سؤال برلماني” الى وزير النفط حول مشروع الانبوب.8 اجابت الوزارة بموجب كتابها المؤرخ في 7 شباط 2022 وبتوقيع الوزير بما يلي:

  • لم يتم التوقيع على احالة المشروع كونه ما زال قيد الدراسة والتحليل والتقييم من قبل اللجان المختصة في الوزارة ولم يتم اصدار أي توصية بالاحالة لغاية تاريخه اعلاه علما ان الكلفة التخمينية للمشروع هي 8.5 مليار دولار وليس كما ذكر في كتاب النائب؛

  • المشروع يتكون من الانبوب ومحطات الضخ والمستودعات ومرفأ للتصدير في العقبة ولا يتضمن المشروع أي منشئات اخرى كالمصافي وغيرها؛

  • هناك العديد من المبررات الفنية والاقتصادية لأقرار المشروع….

  • تصريح النائب احمد طه الربيعي الذي تضمن بعض المعلومات عن التطورات الاخيرة بشأن الانبوب مؤكدا ان الحكومة الحالية لا تملك صلاحية منح وتوقيع هكذا عقود لأنها حكومة تصريف اعمال.9

  • قال النائب السابق يوسف الكلابي في تغريدة على “تويتر” بتاريخ 14 نيسان 2022، إنه “انطلاقا من المسؤولية الوطنية والدستورية والاخلاقية سنقوم نحن فريق من القانونيين ونواب وطنيين بإقامة شكوى امام المحاكم المختصة حول ملفات انبوب النفط بصرة- عقبة”10

  • رفعت النائب د. حنان الفتلاوي بتاريخ 17 نيسان 2022 دعوتين قضائيتين الى المحكمة الاتحادية العليا تتعلق بعدم دستورية تحرك كل من رئيس مجلس الوزراء ووزير النفط: الاولى وهي الدعوى المرقمة (107/اتحادية/2022) بخصوص الطعن بدستورية التخويل والتعاقد مع الشركات الصينية (CITIC) لتنفيذ مشروع انبوب نفط البصرة – العقبة، والثانية تطلب فيها اصدار امر ولائي بايقاف كافة القرارات المتخذة من قبل المدعي عليهما، كل من رئيس مجلس الوزراء ووزير النفط، المتعلقة بالأنبوب لحين حسم الدعوى الاولى.11  

 

رابعا: الجوانب القانونية والتعاقدية

ساحاول في هذا الجزء تناول بعض الجوانب القانونية والاجرائية ذات العلاقة المباشرة او غير المياشرة بمشروع الانبوب.

اولا: المخالفات الدستورية والأجرائية

اعتقد بان الحكومة الحالية لا تمتلك الشرعية الدستورية التي تؤهلها للمضي في او الدخول باي التزام سيادي يتعلق بتنفيذ هذا المشروع.

  • تعتبر الحكومة الحالية مستقيلة اعتبارا من 7 تشرين اول 2021 استنادا الى المادة (64- ثانيا) من الدستور العراقي النافذ، ويواصل مجلس الوزراء منذ ذلك التاريخ “تصريف الامور اليومية”؛

  • تم توضيح وتفصيل ما المقصود بتعبير “تصريف الامور اليومية” وذلك بموجب المادة “42- ثانيا” من النظام الداخلي لمجلس الوزراء رقم (2) لسنة 2019 الذي تمت موافقة مجلس الوزراء عليه بموجب قرار المجلس رقم (83) لسنة 2019. 12 وعليه لا يمكن ولا يجوز مطلقا ان يعتبر اي قرار يخص مشروع الانبوب من ضمن “تصريف الامور اليومية” سواء كان بتكليف، او الموافقة، او احالة، او صياغة عقد، او اتفاقية اطارية او حتى التصريح بما يشكل التزاما على الجانب العراقي.

  • وعليه يمكن، بل يجب، الطعن امام المحكمة الاتحادية العليا بقرار مجلس الوزراء المتخذ في جلسة المجلس المنعقدة في 5 نيسان 2022 المشار اليه اعلاه، وذلك استنادا الى المادة (93- اولا وثالثا) من الدستور النافذ؛

  • كذلك ارى وادعم الطعن امام المحكمة الاتحادية العليا استنادا الى المادة (112- ثانيا) من الدستور النافذ التي تلزم بتحقيق “اعلى منفعة للشعب العراقي”، وذلك لفشل وزارة النفط ومجلس الوزراء بتقديم ما يثبت، بالارقام والبيانات، ان تنفيذ هذا المشروع يحقق “اعلى منفعة للشعب العراقي”؛ خاصة وان الحسابات التي تضمنتها هذه الدراسة تشير بكل وضوح الى التشكيك بالجدوى الاقتصادية للمشروع واهميته الاستراتيجىة في ضوء محدودية البيانات والمعطيات المتوفرة.

ثانيا: الاتفاقية الاطارية

لم تقدم وزارة النفط لغاية تاريخه مسودة الاتفاقية الاطارية الحاكمة لمشروع الانبوب ولا حتى المكونات الاساسية لتلك الاتفاقية، علما ان الاتفاقية الاطارية تشكل الاساس المادي القانوني الذي تستند عليه الاتفاقية الثنائية بين البلدين الخاصة بالانبوب والتي لا يمكن مطلقا السير في تنفيذ المشروع دون التوصل الى وتوقيع هذه الاتفاقية مع الحكومة الاردنية.

يجب ان تتضمن الاتفاقية الاطارية وبشكل واضح جدا العديد من المسائل والاسس المتعلقة بتنفيذ وادارة وتشغيل الانبوب ومنها: ملكية الانبوب وبقية المنشئات السطحية وميناء التصدير؛ ملكية النفط في الانبوب؛ المسائل المتعلقة بالمادة المتعلقة بالتحكيم الدولي؛ الالتزام المتبادل بشأن حد الضخ الادنى؛ رسم المرور- ثابت ام متغير كما هي عليه الحال في الاتفاقية المماثلة، المعدلة، مع تركيا.

ومن الجدير بالذكر والتاكيد ان الاتفاقية الثنائية الاطارية تعتبر اتفاقية دولية وعليه لابد ان تشرع بقانون استنادا الى احكام البندين (أولا) و(رابعاً) من المادة (61)، المتعلقة بدور مجلس النواب، والبند (ثالثاً) من المادة (73)، المتعلقة بمصادقة رئيس الجمهورية، من الدستور النافذ، وبموجب ما ورد في قانون عقد المعاهدات رقم (35) لسنــة 2015.

وهذا يحتم على وزارة النفط التنسيق المسبق مع مجلس النواب للحصول على الموافقة المبدئية على الاتفاقية الاطارية قبل عرضها والتفاوض بشأنها مع الجانب الاردني، ثم تشريعها لاحقا بقانون حسب الاصول الدستورية العراقية.

ثالثا: العقد التنفيذي للانبوب

لا زال العديد من المسائل الاساسية المتعلقة بالعقد التنفيذي يشوبها الغموض بسبب اصرار الوزارة على انعدام الشفافية وتقديم معلومات اما منقوصة، او متناقضة، او مغلوطة.

  • منذ بداية تموز2021 لغاية تاريخه أكد وزير النفط ولثلاث مرات ان كلفة الانبوب كمشروع استثماري (بوتBOOT/BOT ) تبلغ 26 مليار دولار. ولكن لم يقدم الوزير ولا الوزارة اية تفاصيل عن هيكلية هذه الكلفة وخاصة الكلفة الراسمالية للمشروع وربحية المستثمر وكلفة تمويل الاستثمار؛

  • لم تقدم الوزارة اي تفسير او توضيح للفرق الهائل وغير المعقول بين كلفة المشروع الاستثماري البالغة 26 مليار دولار وكلفة نفس المشروع البالغة 10.917 مليار دولار بصيغة عقد تنفيذ مع التمويل (EPCF) بموجب كتابها الى وزارة التخطيط في شهر تشرين اول 2021. الفرق في الكلفة يبلغ أكثر من 15 مليار دولار ويعادل 138:2% من كلفة تنفيذ الانبوب بصيغة عقد التنفيذ مع التمويل. ارى من الضروري جدا ان تقدم الوزارة التوضيح المطلوب وارى ايضا إلزام الوزارة، قضائيا، بتقدم التوضيح الشامل الكامل والصحيح والموثق بالأرقام لان ضخامة المبلغ يبرر اي توجه بالتحقيق في نزاهة العقد الاستثماري واحتمالية وجود ممارسات فساد كبيرة للغاية من جهة ويشكك الى حد كبير بنزاهة ومصداقة ومهنية المستثمر الاجنبي وتبرير الاستثمار الاجنبي عموما من جهة ثانية.

  • من المهم جدا تحديد حجم وتخصيص النفقات الراسمالية للمنشئات التي تقام ضمن الحدود العراقية وتلك التي تقام ضمن الحدود الاردنية، ومدى مساهمة الشركات العراقية (العامة والخاصة) في مراحل تنفيذ المشروع وتشغيل الانبوب لاحقا وتحديد فرص تشغيل الكوادر العراقية وغيرها من المسائل الاساسية التى تتضمنها عادة دراسة الجدوى الفنية الاقتصادية للمشروع؛

  • من الغريب جدا ان تصرح الوزارة بتاريخ 17 نيسان 2022 ان توجيهات مجلس الوزراء في 5 نيسان 2022 هي مجرد “خارطة طريق” علما ان تلك التوجيهات الواردة في قرار مجلس الوزراء رقم 95 لسنة 2022 ذكرت بالنص ائتلاف الشركات التي تقوده شركة (CITIC) الصينية واسم المشروع وتمويله من خلال الاتفاقية الاطارية الصينية العراقية وتسمية الاستشاري الدولي (Worley Engineering) وبالهيكلية (تصميم، تجهيز، تنفيذ، تمويل EPCF) المقترحة من قبل وزارة النفط في 16/12/2021 لكامل المشروع من البصرة الى العقبة وربط كل ذلك باقرار الموازنة العامة الاتحادية لعام 2022!!!!!

خامسا: الطاقات التصديرية المتاحة والممكنة

للعراق منافذ وطاقات تصديرية استخدمت في السابق وفي فترات زمنية متباينه من خلال تركيا وسورية والمملكة العربية السعودية وموانئ التصدير الجنوبية في شمالي الخليج العربي. لجميع منافذ التصدير من خلال تركيا وسورية والسعودية أهمية استراتيجية للعراق، ولكنها في نفس الوقت، وكما اثبتت الوقائع والشواهد التاريخية، بانها معرضة، وبشكل عالي الاحتمالية، للمخاطر الجيوسياسية. اما منافذ التصدير الجنوبية فتستمد قيمتها الاستراتيجية للعراق من الأهمية الجيوستراتيجية الدولية للخليج العربي وبالتالي هي اقل تأثرا بالاعتبارات الجيوسياسية للمنطقة. بالمقابل يقع ميناء العقبة في أكثر المناطق عرضة للمخاطر الجيوسياسية الموقعية واقل أهمية من النواحي الجيوسياسية الدولية وهذا يقلل من أهمية الانبوب الاستراتيجية للعراق.

نظريا، لو تم تطوير جميع منافذ التصدير تلك فسيكون للعراق طاقات تصديرية تفوق أكثر من ضعفي الطاقة الإنتاجية للنفط؛ وهذا غير ممكن وغير مبرر اقتصاديا على الاطلاق. يبلغ مجموع هذه المنافذ ما يزيد على 13 مليون برميل يوميا، منها 7 مليون برميل يوميا كانت من خلال منافذ التصدير في تركيا وسورية والمملكة العربية السعودية؛ معظم، ان لم يكن جميع، النفط الذي صدر من هذه المنافذ ذهب الى الاسواق الاوربية واميركا الشمالية و6 مليون برميل يوميا من خلال موانئ التصدير الجنوبية في البصرة (ميناء البصرة وميناء خور العمية ومنصات التحميل العائمة – SPMs) تصدر نفطها الى الاسواق الاوربية واميركا الشمالية والاسواق الاسيوية.

نظريا وتحليليا تعتبر جميع المنافذ اعلاه بدائل ممكنة يجب تقييم كل منها بجدية ومهنية وموضوعية لتحديد، بالتحليل المقارن، مدى الجدوى الاقتصادية لمشروع انبوب البصرة – العقبة مقارنة بالمنافذ الأخرى المتوفرة والعاملة حاليا او الممكنة كمشاريع جديدة او إعادة تأهيل لتوسيع وتنويع منافذ تصدير النفط.

لنبدا بمنافذ التصدير الجنوبية في محافظة البصرة. يجري حاليا صيانة ومد انابيب واعادة تحديث منفذ تصدير خور العمية بحيث توفر طاقة تصديرية بواقع 600 ألف برميل يوميا بنهاية هذا العام ويتبعها بوقت لاحق طاقة اضافية بواقع 300 ألف برميل يوميا.13

هذا التوسيع وحده وبدون اية حسابات اقتصادية معقدة يشير وبدون أدنى شك ان تحديث ميناء تصدير خور العمية في شمال الخليج العربي أكثر جدوى وأكثر اهمية من النواحي الجيوسياسية والجيوستراتيجية والامنية والمرونة التسويقية وصافي العوائد المرجعية Netbacks مقارنة بأنبوب البصرة – العقبة.    

كما ان اضافة منصة تحميل عائمة واحدة تضيف 900 ألف برميل يوميا طاقة تصديرية؛ وهذه تعادل 90% من الطاقة التصميمية لانبوب البصرة- العقبة التي لا يمكن استخدامها إلا في حالة الطوارئ، كما ذكر اعلاه. علما ان نصب منصة تحميل عائمة أسرع زمنيا وأرخص كثيرا مقارنةً بالأنبوب وأكثر ملائمة من الناحية التسويقية وأنها بالكامل ضمن السيادة والادارة العراقية. 

 

كما يمكن التفاوض مع المملكة العربية السعودية بشأن انبوب النفط العراقي عبر المملكة ومنشئات التصدير والخزانات في ميناء المعجز/ينبع على البحر الاحمر. تبلغ طاقة الانبوب 1.65 مليون برميل يوميا وبطول من الزبير الى ميناء المعجز حوالي 1575 كم وبكلفة راسمالية قدرها 2.7 مليار دولار وكلفة تشغيلية قدرها 6 مليون دولار شهريا وبوشر بتحميل اول ناقلة في 18 ايلول 1989. (من كتاب عصام الجلبي-2019)

في حالة موافقة السعودية على اعادة ملكية وشان الانبوب الى العراق فان اعادة تاهيل الانبوب يتطلب بعض التكاليف الراسمالية؛ ولكنها تكون اقل كثيرا عن كلفة انبوب البصرة – العقبة وان طاقته التصميمية تزيد بواقع 65% على انبوب بصرة-عقبة. يضاف الى ذلك انه يمكن التصدير من ميناء ينبع الى الاسواق الاسيوية والامريكية والاوربية؛ أي يوفر مرونة تسويقية تمكن من تحقيق عوائد مرجعية عالية.

من الجدير بالذكر ان دراسة اعدت لمعهد بيكر الامريكي في عام 2012 قد بينت ان اعادة تاهيل وصيانة الانبوب للاستخدام السعودي يستغرق بحدود سنتين فقط (OGJ, 14 Feb., 2012)14

وبشأن هذا الانبوب قال وزير النفط والنائب الاسبق إبراهيم بحر العلوم في تصريح صحفي انه من الضروري استعادة الانبوب وذكر “سبق وناقشتُ هذا الموضوع مع الجانب السعودي”.15 ولكن يعتقد مدير عام سومو، علاء الياسري، أن “الأنبوب العراقي السعودي القديم الذي يصل إلى البحر الأحمر تم استخدامه لأغراض أخرى ومتهالك وان المعلومات الأولية التي وصلتنا بأنه غير قابل للاستخدام ويحتاج إلى إنفاق كبير لإعادته وإلى اتفاقيات جديدة”.16 اما وزير النفط الاسبق عصام الجلبي فقد ذكر ان المعلومات تشير الى قيام السعودية في مطلع تشرين اول 2018 البدء بتشغيل مرافق التحميل في المعجز (عصام الجلبي- ص 161).17

في ضوء ما تقدم أجد من الضروري قيام الحكومة العراقية/ وزارة النفط بالتواصل مع الجانب السعودي لإعادة ملكية وادارة الانبوب للعراق واعتبار هذا الامر من اهم متطلبات تعزيز العلاقات بين البلدين. 

 يوفر المنفذ التركي ثلاثة بدائل او امكانيات لتعزيز صادرات النفط العراقية

البديل الاول يتضمن اعادة تاهيل انبوب النفط من كركوك الى محطة القياس في الفيشخابور على الحدود العراقية التركية. يشكل هذا المقطع من الانبوب امتدادا للخط الاستراتيجي في العراق والذي يربط بمقطع انبوب كركوك-جيهان الواقع في الاراضي التركية. انني ارى ان هذا البديل ممكن جدا وان تكلفته الراسمالية والتشغيلية اقل بكثير من كلفة مقطع “حديثة – عقبة” ضمن انبوب البصرة العقبة. اضافة الى افضليته الاقتصادية والتسويقية والتشغيلية الواضحة. 

البديل الثاني هو الاستمرار في استخدام انبوب الاقليم (الذي تمتلكه وتديره شركة كار الكردية (40%) وشركة روزنفط الروسية (60%)). وبسبب الظروف والعوامل الجيوسياسية المرتبطة بالحرب في اوكرانيا قد يكون بامكان الحكومة الاتحادية امتلاك حصة شركة روزنفط؛ وهذا ممكن، ولكنه يتطلب المزيد من الجهود الدبلوماسية بين الحكومتين العراقية والروسية والمفاوضات الفنية المالية بين وزارة النفط العراقية وشركة روزنفط الروسية من جهة والمفاوضات السياسية بين الحكومة الاتحادية وحكومة الاقليم من جهة ثانية.

انني ارى امكانية تحقق هذا البديل وخاصة في ضوء قرار المحكمة الاحادية العليا الاخير بشأن عدم دستورية تشريعات واجراءات الاقليم في الشأن النفطي. كذلك يساهم هذا البديل بتطوير الحقول الشمالية وحقول الاقليم وضمان تسويق نفوطها الى الاسواق الاوربية والامريكية مما يحقق عوائد اقتصادية فائقة للعراق الاتحادي.

 

البديل الثالث يتضمن مد انبوب جديد من البصرة الى ميناء التصدير التركي في جيهان – شرقي البحر الابيض المتوسط. اقترح الجانب التركي في عام 2011 قيام شركة الانابيب التركية (بوتاس) بتنفيذ هذا الانبوب خلال فترة تتراوح بين 18 الى 24 شهرا وبكلفة 2 مليار دولار.18

انني ارى ان هذا البديل يعوض بالكامل مشروع انبوب البصرة- العقبة (بمقطعيه داخل الاراضي العراقية وداخل الاراضي الاردنية)، وارى ان تقوم وزارة النفط بمفاتحة الجانب التركى حول هذا المقترح وتحديث هيكلية كلفته وتمويله وكذلك بشموله باتفاقية “النقل عبر منظومة الخط العراقي – التركي” المعدلة. وارى ايضا ان يؤجل التحرك بشأن هذا البديل لحين اصدار قرار التحكيم الدولي من قبل غرفة التجارة الدولية في باريس.

منافذ التصدير السورية

تشير المعلومات الى إمكانية توفر خطين لتصدير النفط من خلال سورية: الاول قديم بطاقة 2.2 مليون برميل يوميا ويحتاج الى اعادة تأهيل مكثفة وينقل نفط كركوك الى كل من حمص وميناء بانياس، والثاني جديد (لم يكتمل انشاءه) ينقل النفط الثقيل من الحقول الشمالية الى طرطوس وبطاقة 1.5 برميل يوميا؛19 وبذلك يمكن ان تتوفر طاقة تصديرية من خلال المنفذ السوري تفوق انبوب البصرة – العقبة في حالة اكمال مد كلا الانبوبين او اي منهما.

كما وتشير معلومات الامم المتحدة الى قيام العراق بتصدير ما مقداره (40) ألف برميل يوميا من بيجي باستخدام الانبوب القديم وذلك لغاية سيطرت “داعش” على منطقة مرور الانبوب في منتصف عام 2014 .20

لا توجد معلومات رسمية او من مصادر موثوق بها عن الكلفة الراسمالية المطلوبة لتنفيذ كل من هذين الانبوبين ولا عن التوقيت الزمني المطلوب لإكمال كل منهما ولا المنشئات السطحية المطلوبة وغير ذلك من المتغيرات الاساسية الضرورية لتقييمهما.

ولكن تبرز اهمية المنفذ السوري من الاعتبارات التالية: اولا- انه يمتاز عن غيره من المنافذ بثنائية فريدة: انبوبين، ينقلان نوعين من النفوط الخام ويوصلان الى مينائين على البحر الابيض المتوسط؛ وهذا يوفر مرونة تسويقية مهمة للغاية لسوقين مهمين هما السوق الاوربية والسوق الامريكية اضافة الى السوق الافريقية المتواضعة. ثانيا- التسهيل المتبادل مع مشروع الربط السككي بين البلدين الذي يشكل مكون مهم في مبادرة “الحزام والطريق” الصينية، مما يسهل مهمة تمويل المشروع. ثالثا- كذلك يمهد تفعيل هذا المنفذ الى اكتمال مد انبوب الغاز إيران-العراق- سورية. رابعا- يُمِّكن مد انابيب النفط العراقية الى اعادة تفعيل انبوب النفط الفرعي الى مدينة طرابلس/لبنان.21

رغم هذه الاهمية إلا ان التواجد العسكري الامريكي، خاصة في “قاعدة التنف” على نقطة الحدود العراقية السورية الاردنية، وقوات “قسد” وداعش شرق سوريا يجعل من هذا المنفذ غير محتمل في الوقت الحاضر. ولكن تناولت وسائل الاعلام مؤخرا ما يشير الى وجود تحرك روسي واهتمام بالمنفذ السوري لصادرات النفط العراقي22 ودعم من قبل بعض القوى السياسية العراقية المؤثرة والداعمة لتفعيل هذا المنفذ.23 ومع ذلك لا يمكن البناء على ما ورد في وسائل الاعلام هذه لحين توفر المعلومات التي يمكن التاكد من مصداقية وجدية مصادرها.24 ومع ذلك لابد من التذكير ان الاعتبارات الجيوسياسية هي، بطبيعتها، ظرفية!

سادسا: التقييم الاقتصادي الاولي لإنبوب البصرة – العقبة

تم استخدام منهجيات مختلفة في اعداد التقييم الأولي التالي في ضوء البيانات والمعلومات المتوفرة حاليا استنادا، بشكل كبير، الى ما صدر عن مصادر رسمية واخرى تم ذكرها في هذه المداخلة.

مؤشرات الكلفة التالية المستخلصة من كتاب وزارة التخطيط الى وزارة النفط المذكور سابقا ومن تصريحات وزير ووزارة النفط:

  • الكلفة الاستثمارية لمقطعي الانبوب (بصرة- حديثة: حديثة – عقبة): 9022 مليون دولار؛

  • تبلغ كلفة الفوائد المترتبة على تمويل المشروع 1895 مليون دولار حيث ان المشروع هو EPCF “اعمال هندسية وتجهيزات وانشاء وتمويل”)؛ وبذلك تصبح الكلفة الراسمالية مع كلفة التمويل 10917 مليون دولار؛

  • مجموع المبلغين اعلاه يسدد بستة اقساط سنوية بواقع .51819 مليون دولار لكل قسط ابتداء من السنة الاولى (ولم تحدد هذه السنة الاولى هل هي عند بدء تنفية المشروع او السنة الاولى بعد اكتمال تنفيذ المشروع؛ ولكن يمكن الاستنتاج من رد وزارة التخطيط ان التسديد يبدا من السنة الاولى لفترة تنفيذ المشروع)؛

  • الكلفة التشغيلية السنوية للمقطعين تبلغ 300 مليون دولار.

  • الطاقة التصميمية للانبوب (مقطع حديثة – عقبة) وانظمته وميناء التحميل في العقبة هي مليون برميل يوميا؛ وطاقة التشغيل الدنيا 200 ألف برميل يوميا مخصصة للأردن والطاقة الكلية تستخدم في الحالات الطارئة؛ رسوم المرور 25 سنت للبرميل.25

المؤشرات التالية للمشروع المذكورة في مصادر اخرى:  

  • فترة تنفيذ المشروع 3 الى 4 سنوات؛ طول الانبوب يبلغ 1657 كم، ويتكون من مقطعين هما (بصرة – حديثة بطول 685 كم وبطاقة 2.250 مليون برميل يوميا) و(حديثة – عقبة بطول 972 كم وبطاقة مليون برميل يوميا)؛ يتضمن المشروع 10 محطات ضخ و3 مستودعات خزن في كل من الرميلة وحديثة والعقبة بطاقة 19 مليون برميل.26

  • استلمت وزارة النفط في 2020 عروض لتنفيذ الانبوب، وكانت الكلفة للمقطع الاول 4 مليار دولار، والمقطع الثاني 22 مليار دولار، وعمر المشروع الاقتصادي 25 سنة.27 هذا يعني ان كلفة مقطع الانبوب في العراق يشكل %15.4بينما تبلغ كلفة مقطع الانبوب الثاني ومنشاته في الاردن %84.6  من اجمالي الكلفة.

 كلفة التمويل

في ضوء ما ورد في كتاب وزارة التخطيط فان الكلفة الرأسمالية للمشروع على اساس EPCF تبلغ 9.002 مليار دولار وان كلفة التمويل (الفوائد المتراكمة) تبلغ 1.895 مليار دولار. يتم تسديد الكلفة الكلية (الراسمالية والفوائد) البالغة 10.917 مليار دولار بستة دفعات سنوية متساوية بواقع 1.8195 مليار دولار لكل دفعة. 

لم تذكر وزارتي التخطيط والنفط مدة تنفيذ المشروع ولم تذكر متى يبدا تسديد الدفعات السنوية ولم تذكر التوزيع الزمني لكلفة المشروع خلال سنوات التنفيذ. ولأغراض تحليل كلفة التمويل تم اعتماد المؤشرات التالية: ان فترة تنفيذ المشروع هي أربع سنوات؛ كما تم افتراض نمط الانفاق الرسمالي للشركة الاجنبية المنفذة للمشروع بشكل متساوي خلال فترة تنفيذ المشروع وهو بواقع 2.2555 مليار دولار سنويا.

تعتبر كلفة التمويل من المعايير المهمة في تبرير تنفيذ المشروع على اساس  EPCF (اي تنفيذ المشروع وتمويله من قبل الشركة الاجنبية) مقارنةً باسلوب EPC (اي تنفيذ المشروع بدون تمويله من قبل الشركة الاجنبية)؛  وبما ان وزارة التخطيط لم تذكر معدل سعر الفائدة ولا نوعية ولا الاساس الزمني لاحتسابها بل اكتفت بذكر اجمالي الفوائد التي ستدفع ضمن المدفوعات السنوية كما ذكر اعلاه، فان التقييم الاقتصادي لكلفة التمويل تعتمد حصرا، في هكذا حالة، على متى يبدا تسديد المستحقات السنوية المذكورة؛ وعليه تم احتساب وتقييم كلفة التمويل في ضوء حالتين لبداية تسديد تلك المستحقات السنوية:

الحالة الاولى: يتم التسديد ابتداء ً من السنة الاولى بعد اكتمال تنفيذ مشروع الانبوب

في هذه الحالة تمول الشركة الاجنبية الكلفة الراسمالية للمشروع ثم تستردها مع الفوائد المتراكمة خلال ستة سنوات. وبذلك تشكل الفوائد المتراكمة 21% من الكلفة الراسمالية للمشروع.

الحالة الثانية: يتم التسديد ابتداءً من السنة الاولى لتنفيذ مشروع الانبوب

في هذه الحالة تمول الشركة الاجنبية فقط 1.744 مليار دولار من الكلفة الراسمالية للمشروع بينما يدفع العراق ما مجموعه 7.278 مليار دولار خلال فترة تنفيذ المشروع. وهذا يعني ان مجموع الفوائد المتراكمة تشكل حوالي 109% من مساهمة الشركة الاجنبية في تمويل الكلفة الراسمالية للمشروع؛ وهذا بالتاكيد غير معقول وغير مقبول وغير مبرر على الاطلاق. ومن الغريب جدا لم تقدم وزارة النفط اي تفسير لهذه الفوائد غير المسبوقة، ولم تنتبه وزارة التخطيط اليها ايضا!!

ان وزارة النفط مطالبة بتوضيح هذا الامر، وإذا ما تم التمويل من خلال الاتفاقية مع الصين فان حجم الفوائد التي على العراق دفعها غير مقبولة على الاطلاق ولا يمكن حتى للحكومة الصينية الموافقة عليها او قبولها!!! 

 

كلفة الضخ في الانبوب

وفق اسس التحليل الاقتصادي المعروفة ان كلفة ضخ البرميل تتناسب عكسيا مع معدل استغلال طاقة الانبوب   PCUR؛ فكلما ارتفع معدل استخدام الطاقة التصميمية للأنبوب انخفضت كلفة ضخ البرميل الواحد. ولأجل احتساب كلفة ضخ البرميل وفق معدلات مختلفة لاستخدام الانبوب يجب معرفة وتحديد المتغيرات الخمسة التالية الخاصة بالأنبوب: 1-العمر الاقتصادي، 2- الكلفة الراسمالية، 3- كلفة التمويل، 4- الكلفة التشغيلية و5- رسوم المرور.

في ضوء البيانات المتاحة عن هذه المتغيرات وباستخدام منهجية الدورة الكاملة Full Cycle اي طيلة العمر الاقتصادي للأنبوب البالغة 25 عاما تم احتساب كلفة ضخ البرميل ولمعدلات استغلال طاقة الانبوب بين الحد الادنى للضخ وهو 20% والحد الاعلى للضخ وهو 80% من الطاقة التصميمية للأنبوب البالغة مليون برميل يوميا.

قبل البدء بتحليل الارقام لابد من التذكير بما قاله وزير النفط الحالي بشأن اسعار النفط والحدود الدنيا والعليا لاستخدام طاقة الانبوب. 

قال الوزير بانه سيتم بيع النفط الى الاردن حسب الاسعار الدولية، وانه ليس من المتوقع استخدام كامل طاقة الانبوب في البداية، ولكن الانبوب يوفر منفذ داعم عند الضرورة والاضطرار.28

ما قاله الوزير يعني اولا: ان الاسعار الدولية للنفط تكون على اساس فوب FOB العقبة؛ أي FOB البصرة مضافا اليه كلفة النقل بالأنبوب من البصرة الى العقبة. ثانيا: من الناحية الفعلية، ان استخدم كامل طاقة الانبوب يتوقف على الحالات الطارئة الاستثنائية التي تحول دون التصدير من الموانئ الجنوبية. يترتب على ذلك ان انعدام هكذا حالات طارئة استثنائية يقود بالضرورة الى تشغيل الانبوب بطاقة اقل وربما بالحدود الدنيا التي حددها الوزير بواقع 200 ألف برميل يوميا. وهذا يعني ان طاقة الضخ الاعتيادية ستقتصر بشكل اساسي لتلبية حاجات الاردن!

ان الاهمية الاستراتيجية الدولية للتجهيزات النفطية من جميع دول الخليج العربي تجعل من النادر توقع توقف الصادرات النفطية من منطقة الخليج؛ تاريخيا لم يحصل اغلاق او توقف النقل البحري من الخليج الى اسواق النفط الدولية ومراكز الاستهلاك. وهذا يقود الى الاستنتاج المنطقي باستحالة استخدام الانبوب بكامل طاقته مما يقلل الى حد كبير جدواه الاقتصادية ويضعف اهميته الاستراتيجية ويلغي اعتباراته في توفير الامن الاقتصأدي.

 

يعرض الشكل البياني التالي خلاصة حسابات تقدير كلفة ضخ البرميل التي تم التوصل اليها في ضوء المعلومات والمتغيرات المذكورة انفا.

 

كلفة ضخ البرميل ($) حسب معدلات استخدام طاقة الانبوب PCUR

 

تبلغ كلفة ضخ البرميل بحدود 10.33 دولار عند استخدام الحدود الدنيا للضخ البالغة 200 ألف برميل يوميا؛ ثم تنخفض الكلفة تدريجيا لتصل الى 2.77 دولار للبرميل عند الحدود التشغيلية العملياتية القصوى البالغة 800 ألف برميل يوميا كمعدل عام طيلة العمر الاقتصادي للانبوب (لا يمكن من الناحية العملية والفعلية تشغيل الانبوب بمعدل 100% من طاقته التصميمية طيلة العمر الاقتصادي للانبوب البالغة 25 عاما)

ان كلفة ضخ البرميل بواقع 10.33 دولار بالانبوب من البصرة الى العقبة مرتفعة للغاية مقارنة بكلفة النقل البحري (ناقلات النفط) من البصرة الى العقبة والتي تستطيع شركة التسويق سومو تحديدها بدقة. وهذا ربما يفسر عدم حماسة مدير عام سومو حيث قال حديثا ما معناه إذا كانت كلفة النقل بالانبوب مرتفعة فانها تردع المشترين الذين لديهم بدائل اخرى. وبما ان سوق النفط تنافسية والدول المصدرة للنفط في المنطقة كثيرة ولديها طاقات انتاجية وتصديرية فائضة فان تنافسية نقل النفط العراقي بهذا الانبوب قد تكون ضعيفة للغاية.

انا على قناعة تامة بان شركة سومو هي الجهة العراقية الوحيدة التي باماكانها تقديم البيانات الصحيحة والدقيقة والحديثة الخاصة بكلفة نقل النفط البحري بين موانئ التصدير في البصرة الى موانئ التفريغ في الدول المستوردة للنفط العراقي. واضيف الى ذلك ان المعادلة السعرية التي تستخدمها سومو (من خلال اللجنة الوزارية المعنية) في تحديد اسعار تصدير النفط العراقي الى اسوق النفط الرئيسية في اسيا واوربا وامريكا تتضمن “كلفة النقل والتامين” الى تلك الاسواق. لذا اتوقع، بل اطلب، من شركة سومو ان تحدد كلفة نقل البرميل بواسطة النقل البحري من موانئ التصدير في البصرة الى ميناء العقبة حسب حجم ناقلة النفط التي تتراوح بين 200 ألف برميل الى 800 ألف برميل.

لحين قيام سومو بتوفير كلف النقل اعلاه أستطيع ان اطرح ما يلي:

  • إذا كانت كلفة نقل النفط بحريا من موانئ الخليج العربي الى ميناء العقبة اقل من 10.33 دولار للبرميل، فليس من المعقول اقتصاديا ان تقبل الاردن استيراد 200 ألف برميل يوميا بواسطة انبوب نفط البصرة العقبة؛ وبهذا يصبح الحد الادنى للضخ لهذا الانبوب غير ذي معنى!!

  • اما إذا كانت كلفة نقل النفط بحريا من موانئ الخليج العربي الى ميناء العقبة اقل من 2.77 دولار للبرميل، فلن تجد سومو من يشتري نفط انبوب البصرة – العقبة بضمنهم الاردن!! وفي هذه الحالة يبقى الانبوب عاطلا حتى في الَظروف الاعتيادية- التي استبعدها وزير النفط؛ وهذا ما حذر منه، بشكل غير مباشر ومبطن، مدير عام سومو كما اشير اليه اعلاه.   

 

التقييم باستخدام منهجيات التدفق النقدي

في دراستين سابقتين تناولت امكانية عدم تنافسية تصدير النفط العراقي من ميناء العقبة وقمت باحتساب الكلفة الاقتصادية التي يتحملها العراق تبعا لذلك.   كما اوضحت بان استخدام ادوات التحليل التي تعتمد على منهجية التدفقات النقدية، وهي معدل المردود الداخلي IRR وصافي القيمة الحالية NPV وفترة استرداد راس المال Payback period، تعتبر مضللة وخطرة لأنها منحازة الى وتتأثر بشكل تام بمستوى اسعار النفط الدولية مما يتطلب عدم استخدامها او الاسترشاد باي منهما. وعليه لا أجد ضرورة بتكرار ما سبق وان ذكرته في حينه حيث يمكن الرجوع الى تلك الدراستين.29  

 

ملاحظات ختامية

  • اصرار وزارة النفط على عدم نشر الجدوى الاقتصادية للمشروع مؤشر على انعدام الشفافية ويدفع الى التشكيك باهمية وجدوى المشروع من جهة والى الاستناد على التصريحات الرسمية بشانه من جهة اخرى. ولما اتسمت تلك التصريحات بالتناقض والتباين والادعاءات، يقود كل ذلك، منطقيا، الى المزيد من الضبابية حول المشروع واهميته، بل وحتى رفضه.

  • في ضوء ما هو متوفر من معلومات تم تقييم المشروع باستخدام تلاثة معايير مهمة ومعروفة في مجالات التقييم الاقتصادي للمشاريع وهي: تحليل كلفة التمويل؛ تقدير كلفة ضخ البرميل حسب معدلات مختلفة في استغلال طاقة الانبوب؛ محددات استخدام منهجيات التدفقات النقدية. جميع هذه المعايير تشير بوضوح الى ضعف جدوى المشروع وخاصة بالتحليل المقارن مع البدائل الاخرى والمرونة التسويقة للنفط العراقي؛

  • يتطلب تنفيذ المشروع وجود اتفاقية اطارية ثنائية دولية بين العراق والاردن؛ ولكن لغاية تاريخه لم يتم نشر مسودة هذه الاتفاقية ولا مكوناتها الاساسية وبنودها الحاكمة. وبحكم كون هكذا اتفاقية دولية بطبيعتها فانها، دستوريا وقانونيا، يجب ان تشرع بقانون تقره السلطة التشريعية. لغاية تاريخة لم تتخذ وزارة النفط ما هو مطلوب في هذا الشان، ولكن عليها القيام بذلك؛

  • تلعب الاعتبارات والمخاطر الجيوسياسية والجيوستراتيجية دورا كبيرا وفاعلا في التقليل من اهمية المشروع وخاصة من منظور منفذ تصدير النفط العراقي من العقبة لاسواق النفط في اوربا وامريكا؛ حيث تعتبر منطقة العقبة من أكثر منافذ التصدير عرضة وتاثرا بالمتغيرات الجيوسياسية واقلها اهمية من النواحي الجيوستراتيجية للاقتصاد الدولي وسوق النفط الدولية. ولهذا بقي هذا المشروع قيد النظر لحوالي اربعين عاما؛ يبدو ان التفكير الرغبوي المؤيد لهذا المشروع ضمن وزارة النفط وخارجها يتجاهل بالكامل هذه الاعتبارات والمخاطر الجيوسياسية والجيوستراتيجية ويقلل من تاثيرها. لذا ارى على وزارة الخارجية تقديم تقدير موقف وخاصة ما يتعلق بتاثير اتفاقية “وادي عربة” بين الاردن والكيان الإسرائيلي ومشروع مدينة “نيوم” السعودية على ديمومة مشروع الانبوب وميناء التصدير في العقبة؛

  • في ضوء ما ذكر اعلاه في هذه المداخلة ومداخلاتي السابقة حول الموضوع قد يكون من الضروري اللجوء الى القضاء وخاصة الى المحكمة الاتحادية العليا لتقييد السلطة التنفيذية (مجلس الوزراء ووزارة النفط والشركات التابعة لها) وعدم سيرها في المشروع لحين تقديم ما يثبت ان هذا المشروع يحقق أفضل مصلحة للشعب العراقي؛ لذا فانني ادعم اي تحرك بهذا الاتجاه حفظا على المصلحة الاقتصادية للعراق وللقطاع النفطي.

ارجو نشر وتعميم هذه المداخلة الى اوسع نطاق ممكن خدمة للصالح العام ولفتح وتوسيع باب المشاركة في الحوار الجاري المتعلق بهذا المشروع.

النرويج

 3 حزيران 2022  

الهوامش والروابط

Iraq-Jordan Oil Pipeline: Financially Costly, Contractually Complex

https://www.iraq-businessnews.com/2022/02/01/iraq-jordan-oil-pipeline-financially-costly-contractually-complex/ 

استشارية التنمية والابحاث

النرويج

2022-06-04