انتخابات ساكسونيا-أنهالت:
نهاية مبكرة لعهد ميرتس ومتأخرة لعهد ميركل!
تكشف انتخابات محلية يتقدم فيها أقصى اليمين اتساع الانقسام السياسي بين شرق ألمانيا وغربها، بعدما راكمت تجربة الوحدة تفاوتات اقتصادية واجتماعية تهدد مستقبل فريدريش ميرتس وتعيد تشكيل الخريطة السياسية في الجمهورية الاتحادية
سعيد محمد*
تتجه ولاية ساكسونيا-أنهالت الألمانية يوم غد الأحد إلى تصويت إقليمي يفوق في رمزيته وثقله السياسي حجم الولاية، التي يبلغ عدد سكانها نحو مليوني نسمة، بعدما وضعت استطلاعات الرأي حزب “البديل من أجل ألمانيا” فوق حاجز الأربعين في المئة، متقدماً بفارق واسع على الاتحاد الديمقراطي المسيحي الحاكم، الأمر الذي يفتح أمام أقصى اليمين احتمال قيادة إحدى حكومات الولايات للمرة الأولى منذ تأسيس الجمهورية الاتحادية بعد الحرب العالمية الثانية، ويحوّل اقتراعاً محلياً إلى حكم مبكر بفشل تجربة المستشار فريدريش ميرتس وإدانة متأخرة للنموذج السياسي الذي أدار توحيد ألمانيا، وبلغ ذروته خلال عهد المستشارة السابقة أنجيلا ميركل.
تأتي انتخابات ساكسونيا-أنهالت بعد عام ونصف تقريباً من الانتخابات العامة الأخيرة التي أوصلت ميرتس إلى المستشارية على رأس حكومة ائتلافية مع الاشتراكيين الديمقراطيين، عقب حصول تحالف الاتحاد الديمقراطي المسيحي والاتحاد الاجتماعي المسيحي على 28.5 في المئة من الأصوات، مقابل 20.8 في المئة لحزب “البديل” الذي ضاعف كتلته البرلمانية وحصد 152 مقعداً. وقد كشفت خريطة التصويت يومها انقساماً إقليمياً عميقاً، إذ تصدر اليمين القومي الولايات الشرقية الخمس التي كانت تشكل جمهورية ألمانيا الديمقراطية ذات النظام الاشتراكي، وحوّل البلاد إلى مجالين انتخابيين تحكمهما خبرات تاريخية ومصالح اقتصادية وذاكرات اجتماعية متباعدة.
يخوض ميرتس هذا الامتحان محروماً من رصيد شعبي يحميه داخل حزبه، بعدما أظهر أحدث استطلاع رأي رضا 13 في المئة من المواطنين عن أدائه، مقابل استياء 83 في المئة، وهي أرقام تنقل الأزمة من مستوى التعثر الحكومي إلى مستوى فقدان القيادة لسلطتها المعنوية. كما يواجه الاتحاد الديمقراطي المسيحي سلسلة انتخابات في الولايات الشرقية تشمل مكلنبورغ-فوربومرن وبرلين خلال أيلول/سبتمبر الحالي، ثم استحقاقات إضافية في 2027، بما يجعل أي هزيمة كبيرة في ساكسونيا-أنهالت بداية عملية تراكمية قد تنتهي بتغيير المستشار أو إعادة ترتيب قيادة الحزب المحافظ.
أمام ميرتس مساران انتخابيان يقودان معاً إلى خسارته، فأغلبية برلمانية لحزب “البديل” ستضعه في سجل الجمهورية بوصفه المستشار الذي شهد انتقال اليمين المتطرف من الاحتجاج إلى حكم ولاية، بينما يفرض فوز الحزب بأكبر كتلة مع بقائه تحت عتبة الأغلبية على الديمقراطيين المسيحيين تشكيل حكومة مع الاشتراكيين والخضر تعتمد في بقائها على أصوات حزب اليسار. وهكذا تتحول سياسة عزل “البديل” وعزل اليسار في الوقت ذاته إلى معادلة مستحيلة، ويصبح المحافظون أسرى تحالفات تمنح منافسهم اليميني مادة إضافية لتصوير القوى التقليدية بوسطها ويسارها كتجمع واحد يتبادل المواقع ويحمي مصالحه.
تعود جذور هذا الانقسام بين الشرق والغرب إلى مشروع توحيد ألمانيا الذي نُفذ عبر إدماج الشرق في البنية الاقتصادية والمؤسسية للغرب، إذ رافقت الخصخصة الواسعة للمؤسسات العامة موجة إغلاق للمصانع وتسريح للعمال وتراجع للمكانة المهنية لدى مجتمع بنى هويته حول العمل الصناعي. وقد أحدثت الاستثمارات الاتحادية تحولاً كبيراً في المدن والطرق والخدمات والبيئة، فيما انتقلت ملكية الأصول ومراكز الشركات ومفاصل القرار إلى الغرب، فشعر كثير من الشرقيين بأن الدولة الجديدة حسنت المكان وقلصت سلطة أهله على الاقتصاد والسياسة، وأن المساواة القانونية ظلت بعيدة عن المساواة الاجتماعية بمسافة واسعة.
استمرت الفجوة بين الشرق/غرب عبر تفاوت الإنتاجية والأجور والثروة الموروثة وحضور الشركات الكبرى، بينما أدت هجرة الشباب المتعلم إلى إضعاف مدن وبلدات كاملة، وتراجع الخدمات فيها، وارتفاع معدلات الشيخوخة السكانية، ثم جاء تركّز قطاعات النمو الجديدة والصناعات الدفاعية في الغرب ليعزز الاعتقاد بأن التحولات الاستراتيجية تمنح مناطق ألمانيا الغربية السابقة الوظائف والاستثمارات، وتطلب من الشرق تأييد سياسات أمنية وعسكرية يتحمل تكاليفها من موقع المتلقي.
ضمن هذه البيئة تشكل الحنين إلى أيام جمهورية ألمانيا الديمقراطية بوصفه ذاكرة سياسية انتقائية تستحضر ضمان الوظيفة والسكن والرعاية واستقرار العلاقات المحلية، فتحولت الدولة السابقة لدى بعض الأجيال الجديدة إلى رمز لنظام اجتماعي امتلك وضوحاً وتماسكاً يفتقدهما الحاضر. وتحمل هذه الذاكرة احتجاجاً على نتائج الوحدة أكثر مما تحمل مشروعاً اشتراكياً قابلاً للاستعادة، الأمر الذي يفسر امتلاكها بسهولة من قبل حزب يميني قومي يخاصم اليسار لكنه يستعير من أدبياته مفردات العدالة الاقتصادية.
وقد نجح “البديل” في إعادة صياغة التفاوت الطبقي والإقليمي داخل لغة ثقافية تربط خسارة العمل بالهجرة، وتربط ضعف الخدمات بالإنفاق على اللاجئين، وتربط تراجع السيادة بالاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي ودعم أوكرانيا، ثم تجمع هذه القضايا داخل سردية تقول إن النخبة الغربية انتزعت من الشرق صوته وثروته وهويته معاً. هذه الصياغة تمنح الناخب خصماً مرئياً ومساراً سريعاً للاحتجاج، بينما تبقى الأسباب المتعلقة بتوزيع الملكية ورأس المال والاستثمار بعيدة عن برنامجه، فتحل النزعة القومية محل السياسات الاجتماعية، وتتراجع أزمات التنمية مقابل الجدل حول الأصول والثقافة والحدود.
يُستدعى إرث أنجيلا ميركل في هذا المناخ بوصفه تراثاً مسموماً ورثه ميرتس بعد سنوات من الخصومة معها، إذ أقامت المستشارة السابقة نموذجاً للحكم يعتمد التسوية وامتصاص مطالب المنافسين والاقتراب المستمر من الوسط، فساهمت في إضعاف الفروق البرنامجية بين الأحزاب وفي تحويل المعارضة إلى أطراف خارج المجال التقليدي. كما أحدث قرارها استقبال اللاجئين السوريين خلال عامي 2015 و2016 صدمة داخل مناطق شرقية عانت فقدان السكان والوظائف، لأن قطاعات من الجمهور قارنت سرعة تعبئة الموارد من أجل الوافدين ببطء معالجة آثار التحول الاقتصادي بعد الوحدة، فوجد “البديل” في التفاوت بين التجربتين طريقاً معبداً إلى بناء قاعدة جماهيرية مستقرة.
جاءت جائحة كوفيد-19 لتوسع ارتياب الشرقيين تجاه المؤسسات والإعلام والخبراء الرسميين، ثم منحت الحرب الأوكرانية هذا الارتياب بعداً جيوسياسياً بسبب الروابط التاريخية والثقافية والاقتصادية بين الشرق الألماني وروسيا، وبسبب اعتماد الصناعة الألمانية على إمدادات الطاقة الروسية الرخيصة طوال عقود. ولهذا يلقى خطاب استعادة العلاقات مع موسكو صدى يتصل بفواتير الطاقة وفرص العمل بقدر اتصاله بالموقف من الحرب، بينما تبدو زيادة الإنفاق العسكري لكثير من الشرقيين سياسة تقررها النخبة الغربية وتستفيد منها أساساً مصانع وشركات تقع في ولايات ألمانيا الغربية الثرية.
كان استقرار سنوات ميركل قائماً على توازن اقتصادي جمع الصناعة التصديرية بالطلب الصيني والطاقة الروسية والحماية الأميركية، ثم تعرضت ركائزه للاضطراب في وقت متقارب، فارتفعت كلفة الإنتاج واشتدت منافسة السيارات الآسيوية وتزايدت المخاوف على الوظائف الصناعية، وترددت أصداء خطط التقليص داخل “فولكسفاغن” باعتبارها دليلاً ملموساً على تآكل النموذج. وقد وصل ميرتس إلى السلطة بخطاب يعد بالقطيعة مع تلك المرحلة، ثم قادته حسابات البرلمان إلى ائتلاف مع الاشتراكيين الديمقراطيين وإلى سياسات دفاعية ومالية يصعب تسويقها لدى جمهور كان ينتظر تحسناً في الأجور والخدمات والأمن الاقتصادي.
تفاقمت أزمة المستشار عندما اقترب في لغته من مواقف “البديل” حول الهجرة، لأن نقل موضوعات أقصى اليمين إلى مركز الخطاب منحها اعترافاً سياسياً ورفع مكانة الحزب الذي صاغها أولاً، بينما حافظ تجمع أحزاب الوسط واليسار في جبهة تعزل اليمين المتطرف على صورة “البديل” كقوة وحيدة تقف خارج منظومة الحكم. ويواجه الاتحاد الديمقراطي المسيحي في الشرق انقساماً متزايداً بين تيار يتمسك بالعزل حمايةً للنظام الديمقراطي، وتيار يرى فيه طريقاً دائماً إلى حكومات هشة تستند إلى دعم اليسار، الأمر الذي يجعل نتيجة تصويت الأحد اختباراً لوحدة الحزب المحافظ بقدر كونها اختباراً لمدى رسوخ قوة اليمين.
يحمل انتقال “البديل” إلى الحكومة مخاطر تختلف عن حضوره في المعارضة، لأن توليه إدارة الولاية يضع تحت سلطته التعليم والثقافة والشرطة وأجهزة محلية عديدة قادرة على التأثير في الحياة العامة، ويمنحه موقعاً داخل البنية الاتحادية. وفي المقابل ستصطدم وعوده الانتخابية بقيود اقتصاد يحتاج إلى العمالة الوافدة والاستثمار الخارجي والتمويل الاتحادي والأوروبي، ولذلك قد تتحول تجربة الحكم إلى كشف للتناقض بين شعارات الانعزال القومي وواقع الاعتماد المتبادل، مع بقاء احتمال توظيف مؤسسات الولاية الرسمية لترسيخ النفوذ الحزبي والضغط من أجل إعادة تشكيل المجال العام.
يبدو مصير ميرتس، لذلك كله، محسوماً سياسياً بصرف النظر عن توقيت خروجه من المستشارية، لأن وصول “البديل” إلى الحكم يهدم استراتيجيته، فيما تثبت محاولات عزله عن السلطة بواسطة تحالف وسطي واسع سرديته حول تكتل الأحزاب التقليدية، وفيما سيشعل اعتماد المحافظين على دعم اليسار الصراع داخل الاتحاد الديمقراطي المسيحي. وقد يستطيع المستشار الاحتفاظ بمنصبه لفترة إضافية، لكن سلطته ستنكمش إلى إدارة مؤقتة لخسائر انتخابية متتابعة، وسينتقل النقاش حتماً داخل حزبه من كيفية إنقاذ قيادته إلى اختيار شخصية أخرى قادرة على إعادة بناء العلاقة مع الشرق.
—————————
يمكنكم متابعة الكاتب عبر صفحته على تطبيق Substack من خلال الرابط
التالي:
https://substack.com/@counterculture68
– لندن
2026-09-08