204 عاما على ميلاده
ماذا لو عاد ماركس الى عالمنا اليوم ؟
علي حسين
” ليس هناك موت للفلاسفة ، وانما محاولات اغتيال “
جيل دولوز
حتى بعد ” 139 ” عاما عندما دخل فريدريك انجلز بصحبة هيلين ديموث ليطمئن على صحة صديقه الذي كان يعاني من اورام في رئتيه والتهاب حاد في القصبات الهوائية ، وقد وجده ممدا في فراشه ، يبدو نائما ، اقترب منه فلاحظ ان تنفسه قد توقف ، في ظهيرة اليوم الرابع عشر من اذارعام 1883 اعلن عن وفاة كارل ماركس ، وكتب انجلز في وداعه :” فقدت الانسانية بوفاة ماركس اعظم عقل من عقولها ” ، لا تزال صدى كلمات ماركس التي وردت في رسالة كتبها عام 1844 :” ان الانسان أثمن كائن ، لذا ينبغي ، ازالة كل العلاقات ، التي يعتبر فيها الانسان كائنا ذليلا ، ومستعبدا ومهملا ومحتقرا ، وقد كرس ماركس حياته لمهمة واحدة وهي تغيير مصير الانسان :” لم يقم الفلاسفة إلا بتفسير العالم بطرق كثيرة . لكن المهمة هي تغييره ” .
في العام 1982 ينشر “الكس كالينيكوس ” وهو صاحب الميول التروتسكية ورئيس تحرير مجلة الاشتراكية الدولية، كتابه ” هل للماركسية مستقبل ؟ ” اثار الكتاب حفيظة المدافعين عن الماركسية والمعارضين لها معا ، فالفريق الذي يرى ان الماركسية قد ماتت يعتقد ان لاحاجة لطرح اسئلة عن مستقبلها ، لانها اصبحت ماض بلا حاضر ، فيما رأى فريقين المدافعين عن الماركسية ان مجرد طرح مثل هذا السؤال يحمل نوايا غير طيبة ويثير الشكوك حولها ، لان مستقبل الماركسية حسب رايهم امر مفروغ منه لا يحتاج الى طرح اسئلة . قبل اربعة اعوام كتب سلافوي جيجك من ان ماركس هو :” الشبح الذي يظل يطاردنا، والطريقة الوحيدة لإبقائه حيا هو التركيز على تلك الرؤى التي تصير الآن أكثر واقعية من زمنه نفسه ” .
على مدى تاريخ الفلسفة ما من فيلسوف حظي بقراء اكثر من ماركس ، وما من مفكر بعث من الآمال في نفوس الناس اكثر منه ، ولم يثر صاحب نظرية من الحوار والتعليقات والشروحات اكثر منه .. وما من مفكر احدث تاثيرا مماثلا لما احدثه ماركس في القرن العشرين ، لكن برغم هذه الاهمية يثار دائما سؤال كلما كان الحديث عن ماركس : هل لا تزال كتبه وافكاره تشكل تاثيرا على حياتنا ، وما الفائدة من مواصلة قراءة كتب اشعلت ثورات ، واقامت انظمة سياسية ، لكن هذه الثورات انطفأت والكثير من هذه الانظمة انتهى زمنه بعد ان سقط جدار برلين صبيحة التاسع من تشرين الثاني عام 1989 ؟ .. ولهذا دائما ما تردد الالسن هذا السؤال : هل نحن بحاجة الى افكار تبدو مجنونة هذه الايام ، فمن يؤمن بالغاء الملكية الخاصة ، ومن لديه القدرة على العيش في نظام يرفع شعار دكتاتورية البروليتارية ، اين هي شيوعية ماركس اليوم في البلد الذي توفي فيه ” بريطانيا ” والبلد الذي ولد فيه المانيا .. هل علينا ان نرفض ماركس ، ام نعتبره دليلا يرشدنا الى مساوئ الاستغلال وتلاعب الراسمالية بمقدرات الشعوب ؟
قبل رحيله بعام اصدر الفيلسوف البريطاني إريك هوبزباوم – توفي عام 2012 – كتابا بعنوان ” كيفية تغيير العالم .. حكايات عن ماركس ” ” ، وقد هاجمته احدى الصحف عندما وصفت كتابه بمحاولة لانقاذ ماركس من ” مزابل التاريخ ” فكان رده ان ماركس هو من جديد المفكر الحقيقي للقرن الحادي والعشرين .. يقول هوبزبام اننا لو طبعنا اسم ماركس في ” غوغول ” سنجد ان هناك اكثر من ” 32 ” مليون مرجع ، وهو الرقم الاكبر بين المفكرين الكبار.
كان في الثلاثين من عمره حين قرر عام 1848 أن ينشر كتاباً سيصبح بعد سنوات الأكثـر مبيعاً وقراءة في العالم، وسيشعل الثورات في عدد من البلدان، وسيصر ادولف هتلر بعد 90 عاماً على أن يُحرق هذا الكتاب الذي كان يسميه”الافعى السامة” في إحدى ساحات برلين، وكان البابا بيوس التاسع قد أصدر أمراً بأن يضع الكتاب على رأس قائمة الكتب الملعونة التي كان الفاتيكان يصدر بها قوائم منع بين الحين والآخر
كان كارل ماركس، ينظر الى نفسه على أنه أديب قبل أن يكون فيلسوفاً، أو عالم اقتصاد، قال لصديقه أنجلز وهما يضعان مسودات كتابهما الشهيرالبيان الشيوعي :” :”علينا أن نتطلع الى الشعراء والروائيين أكثر مما نتطلع الى الفلاسفة والمحللين الاقتصاديين، فمع الأدباء سنبصر جيدا دوافع الإنسان من أجل الحرية ومحاربته للظلم وسعيه الى المساواة والعدالة”.
في الجامعة وأثناء دراسته للقانون كتب مسرحية شعرية حاول أن يُقنع مجموعة من أصدقائه لتقديمها على مسرح الجامعة إلا أن المحاولة باءت بالفشل، بعدها تفرغ لكتابة رواية وضع لها عنوان”العقرب وفيليكس ” متأثراً برواية لورانس ستيرن تريسترام شاندي. غير أن كارل ماركس أقرّ في النهاية بالهزيمة :”فجأة، كما لو كان الأمر لمسة سحرية – كانت اللمسة في البداية بمثابة لطمة مدمرة – أدركت أن المسافة بعيدة بيني وبين مجال الرواية ” الحقيقي، مثلها مثل المسافة إلى قصر الجنيات، وأن كل إبداعاتي تحطمت إلى لا شيء… انسدل الستار وانهار قدس الأقداس الخاص بي، وكان يجب خلق آلهة جديدة”.- المصائر التاريخية للواقعية ترجمة محمد عيتاني – .لكن يبدو ان ماركس واصل طريقه في كتابة الشعر حيث صدرت له عام 1841 مجموعة شعرية بعنوان ” اغان وحشية ” تتضمن قصائد كتبت في مرحلة الشباب ، وقد ترجم لنا الشاعر صلاح فائق عددا من هذه القصائد نشرت عام 1976 في مجلة المعرفة السورية .
يخبرنا يلهيم ليلبلينخت والذي كان مقربا من ماركس ان صاحب راس المال . كان بمقدوره تلاوة قصائد كاملة من هوميروس ، وكان يحفظ معظم مسرحيّات شكسبير، بالإنكليزيّة والألمانيّة على السواء ، وكان يحفظ عن ظهر قلبٍ فولتير وروسّو ” – حكايات عن ماركس ترجمة كامل ناصر – وفي موسوعته ماركس وانجلز – ترجمة الياس مرقص – يكتب أوغست كورنو: ” لا شكَّ في أنَّ ماركس، الذي كان شديد الميل إلى الشعر ويحسّ بأنّه هو نفسه شاعر، كان يفضل دراسة الأدب على دراسة الحقوق. وهذا يفسر لماذا كان يتابع محاضراتٍ في الأدب وعلم الجمال إلى جانب محاضرات الحقوق ” .
لكن ماركس يتوقف عن مغامراته الادبية :” فجأةً… بضربةٍ ساحقة… تقوّضت إبداعاتي جميعاً وتلاشت… وكان لا بدّ من تنصيب آلهةٍ جديدة” – فرانسيس وينْ، رأس المال لكارل ماركس.. سيرة، ترجمة: ثائر ديب –
وبحسب فرانز مهرنغ، فان ماركس نفسه أصدر حكماً بالإدانة على أشعاره ورأى أن تلك القصائد :” تتكشف، بشكل عام، عن نَفَس من الرومانسية التافهة، ونادراً ما يتخللها نَفَسٌ شعريٌّ حقيقي. وبالإضافة إلى ذلك فإنّها كانت من الناحية الفنّيّة خرقاء وبائسة ” – فرانز مهرنغ كارل ماركس ترجمة خليل الهندي – .
في عام 1842 يكتب ماركس أولى مقالاته السياسية بعنوان”الشيوعية”التي يعتبرها غرامشي فيما بعد الأساس الذي بُنيت عليه الفلسفة المادية، في هذه المقالة يشرح ماركس للمرة الأولى مفهموم الشيوعية ويُعيد أصولها الى الفيلسوف أفلاطون، في تلك السنة يراسل انجلز ويتفق معه على مراجعة كتب سان سيمون وتسحرهما مقولات برودن التي كان يوجهها ضد الملكية :”ما هي الملكية إنها ترفٌ مرفوضٌ”.
ويرى ماركس عندئذ إن الاقتصاد أساس لكل العلوم الاجتماعية، ولاشيء يمكن الإفلات من قوانينه، فيقرر التصدي لاشتراكية سان سيمون الطوبائية ليبتدع الاشتراكية العلمية فيكتب :”إن الفعل الذي يبني المنظومات الفلسفية في دماغ الإنسان هو نفسه الذي يبني سكك الحديد بيد العمال”
ويذهب بعيداً فيقرر التصدي لمعلمه الأول هيغل، فينشر كتابه الشهير”نقد فلسفة هيغل في الحقوق”حيث يقترح قلب الجدل الهيغلي لوضعه على قدميه أي الانطلاق ليس من النظريات، وإنما من ظروف الحياة الواقعية ويصوغ لأول مرة فكرة أن الوظيفة التاريخية للبروليتاريا هي قلب الرأسمالية ويكرر على خلاف هيغل إن الدولة ليست هي التي تُسيِّر التاريخ، بل التاريخ هو الذي يُشكل الدولة، وإن الإنسان لا يتمكن من التحرر إلا بأفعاله وليس بنزوة مُحسن إو بإرادة دكتاتور متنور إذ لا يمكن للثورة أن تأتي إلا من خلال طبقة اجتماعية محررة بامتياز.
في الثامن من آب عام 1844 التقى كارل ماركس بفريدريك انجلز في إحدى مقاهي باريس، كان انجلز يصغر ماركس بعامين من أسرة تملك مصانع للقطن بالمانيا، كانت اهتماماته اقتصادية بالدرجة الأولى، هناك دار بينهما حوار استمر عشرة أيام، كل يوم يجلسان في المقهى منذ الصباح حتى المساء يناقشون أموراً عديدة من أهمها فلسفة هيغل وضرورة تطوير مفاهيمها عن الجدل، وآخر ما توصل اليه محبوبهما الفيلسوف الالماني فيورباخ، وقد أثمرت الحوارات بينهما الاتفاق على اصدار كتاب بعنوان”العائلة المقدسة”تسبب صدور نسخة منه بالفرنسية إلى طرد ماركس من باريس وانتقاله الى بروكسل، حيث يلحقه انجلز الى هناك ويستاجر منزلاً قريباً من منزل ماركس ويبدآن العمل سوية في كتاب جديد يصدر عام 1846 بعنوان”الايدلوجية الالمانية”، الذي رفضتخ العديد من دور النشر، فتكفل انجلز بمصاريف الطباعة، ويفسر ماركس أهمية هذا الكتاب :”كان انجلز قد وصل الى النتيجة التي وصلت إليها ذاتها، وعندما جاء للاستقرار في بروكسل عام 1845 قررنا عرض الاختلاف الأساس الذي كان يفصل تصوراتنا عن تصورات الفلسفة الألمانية، أعني قطع العلاقات مع ماضينا الفلسفي الخاص في الواقع.وحدث لهذا المشروع أن تجسد بشكل نقد للفلسفة ما بعد الهيجلية”.
بعد”الايديلوجية الالمانية”يعثر ماركس على هدف جديد لنقده، هذه المرّة سيقرر الرد على كتاب”فلسفة البؤس”لبرودون في كتاب تهكمي يضع له عنوان”بؤس الفلسفة”وفي هذا الكتاب يتنبأ ماركس بزوال الطبقات المستغلة والجشعة وبزوغ عصر جديد :”هل يعني هذا إنه بعد سقوط المجتمع القديم، ستحل هيمنة طبقية جديدة تتلخص بسلسلة سياسية جديدة، كلا..فستعوض الطبقة الكادحة في خلال تطورها المجتمع القديم بشراكة ستستعبد الطبقات وصراعاتها ولن تكون هناك سلطة سياسية بمعنى الكلمة باعتبار أن السلطة السياسية هي بالذات الخلاصة الرسمية للصراعات في المجتمع المدني”.
بعدها سيجتمع ماركس وأنجلز لوضع الصفحات الأولى من كتاب”البيان الشيوعي”ورغم أن الكتاب ينسب للاثنين معاً، فان انجلز كتب مسودته الأولى على شكل خمسة وعشرين سؤالاً وجواباً عن الشيوعية، وأعاد ماركس كتابته كاملاً، كان البيان الشيوعي يطبع في لندن، وجاهزاً للنشر بالألمانية حيث تنشر الكراسة دون ذكر لأسماء المؤلفين، فقد نسب البيان الى عصبة الشيوعيين ..يصف جاك اتالي في كتابه ” ماركس أو فكر العالم ” البيان الشيوعي، بانه عمل عبقري ونتاج قدرات إبداعية وفكرية كبيرة وسياسية أضيف لها عنصر الإلهام والتخيل
يكتب انجلز في مقدمة راس المال :” نظريتنا ليست ناموسا الهياً يجب حفظه عن ظهر قلب وترديده بصورة الية ، بل هي دليل للعمل ، نظرية للنمو ، عرض لمسار التطور المتعدد المراحل.
استمر ماركس في الكتابة والتخطيط للثورة العالمية التي احدثها بالفعل ، لكنه لم يكن مقدر له ان يعرف بذلك ابدا ..فقد تعرضت حياته الى مآسي كثيرة كان ابرزها وفاة زوجته جيني عام 1881 ، وبسبب حالة الحزن الشديد التي داهمته ، منعه الاطباء من المشاركة في تشييعها حيث كانوا قلقين على صحته التي اخذت بالتدهور واثناء مراسيم الدفن القى انجلز كلمة قال فيها :” لقد توفى ماركس ايضا ” .. ولم يعش ماركس بعد زوجته سوى فترة اقل من عامين حيث اصيب بامراض الرئة ليرحل عن عالمنا ، ويدفن في لندن ، وليوضع فوق قبره تمثالا كبيرا لراسه كانه ينظر الى العالم الذي اراد ان يغيره والى الثورة التي كان يحلم بها لتحرير المظلومين والمضطهدين
هل علينا ان نقرأ ماركس باعتباره مفكرا ايديلوجيا ؟ إذا فعلنا ذلك فأننا بالتأكيد سنقلل من شأن الافكار الكبيرة التي طرحها في الاقتصاد والفلسفة والاجتماع ..يصف دو بوتون ماركس بانه طبيب بارع في تشخيص طبيعة المرض ، ويكتب :” علينا جميعا ان نكون ماركسيين بمعنى القبول بالتشخيص الذي أتى به لمشكلاتنا . إلا أن علينا بعد ذلك أن ننطلق لكي نجد الادوية الشافية بانفسنا ” – دو بوتون مفكرون عظماء ترجمة الحارث النبهان
والان ونحن نستذكر ماركس بمناسبة مرور 204 على ميلاده – ولد في الخامس من آيار عام 1818 – نتساءل : ترى ماذا لو عاد ماركس الى الحياة اليوم .. قد يكون السؤال غريبا ، لكن المؤرخ الأمريكي الكبير هوارد زن صاحب كتاب ” التاريخ الشعبي للولايات المتحدة ” ، يقدم هذه المعادلة في مسرحية بعنوان ” ماركس في سوهو ” – ترجمة الحارث النبهان – ، وفيها يروي هوارد زن عودة كارل ماركس، ليس إلى سوهو لندن حيث عاش وكتب “رأس المال”، بل إلى سوهو نيويورك. ونجد ماركس يقول في بداية المسرحية : “شكراً لله، إن هناك جمهوراً! جيد أنكم أتيتم وأنكم لم تتأثروا بكل هؤلاء البلهاء الذين قالوا إنَّ ماركس قد مات”. وأضاف: “حسناً، إنني ميت كما أنني لست كذلك… هذا هو الديالكتيك إذا أردتم!”.
ويخبرنا زن انه اراد من عودة ماركس إلى نيويورك، وليس إلى لندن، التأكيد على إن أفكار هذا الفيلسوف الكبير لا تزال مفاهيم أساسية لفهم ما يحدث في الرأسمالية اليوم، وفي عقر دار الرأسمالية الأميركية، حيث كانت في تلك الفترة تعتمل وتتهيّأ الظروف الاقتصادية والمالية للانفجار الكبير في 2008. وعندما انفجرت الأزمة انكشفت هشاشة الراسمالية ، حيث هرول الجميع من جديد الى ماركس لانقاذهم وأصبح كتاب رأس المال مطلوباً بكثرة .
في المسرحية يقول زن على لسان ماركس :”كنت أقرأ صحفكم ، تَذكر كلها أن أفكاري قد ماتت! لا جديد في هذا، ما فتئ أولئك المهرجون يرددون هذا منذ أكثر من مئة سنة. ألا تتساءلون ما الذي يجعل من إعلان موتي مراراً وتكراراً شيئاً ضرورياً بالنسبة لهم؟ ” ..
ويخبرنا بطل المسرحية ماركس العائد الى عالمنا ان :” ثورة ستحدث ويستولي عليها متملقون وهم خارج السلطة، مستأسدون ومتبجحون عندما يملكونها. سيتكلمون باسم الطبقة العاملة، وسيفسرون أفكاري للعالم. سيقيمون كهنوتا جديداً، تراتبية جديدة، بما فيها من حرم كنسي وقوائم بالممنوعات، وبما فيها من محاكم تفتيش وفرق إعدام ، سيشوهون حلمنا الجميل، وستلزم ثورة أخرى، وربما ثورتان أو ثلاثة لتنظيف ذلك كله. هذا ما أخشاه” .
هل اريد ان اوحي للقارئ ان ماركس لم يقع ابدا في خطأ . انا لست منظرا سياسيا او مفكرا فلسفيا . غير انني اؤمن ان ماركس كان محقا بما يكفي حول مواضيع مهمة ، وهو مثل قلة من المفكرين والعلماء الذين غيروا مسار تاريخنا الحديث .. ولا اعتقد أن احد حتى من اعداء ماركس يمكن ان ينكر انه قلب فهمنا للنتاريخ البشري .
في خاتمة كتابه :” لماذا كان ماركس على حق ؟ ” – ترجمة غانم هنا – يكتب تيري ايغلتون :” كان لماركس شغف جارف بالفرد وشك مريبٌ في الأفكار الجامدة المجرّدة. لم يصرف أي وقتٍ في تصوّر المجتمع المثالي، وكان حذراً من فكرة المساواة، ولم يحلم بغد نرتدي فيه زي عمال صهر المعادن وقد طُبعت أرقامُ تسجيلنا في (الضمان الاجتماعيّ) على ظهورنا. التنوع لا الأحدية هو ما آمل في تحقيقه. ولم يكن يعلم أن الرجال والنّساء ضحايا مستكينون يتلاعب بهم التاريخ. كان الأشد عداءً تجاه الدولة من المحافظين اليمينيّين، يرى إلى الاشتراكية على أنها تعميق للديمقراطيّة، لا عدو لها. وارتكز نموذجه للحياة الحلوة على فكرة التعبير الفني الذاتيّ. كان يؤمن أن بعض الثورات يمكن تحقيقها سلمياُ، ولم يكن بأي حال معارضاً للإصلاح الاجتماعي. لم يركز تركيزاً ضيقاً على الطبقة العاملة اليدوية. ولا كان يرى المجتمع بمنظار طبقتين مستقطبتين بالمُطلق.
لم يقدّس ماركس الإنتاج المادي. على العكس من ذلك، كان يفكر أنه يجب التحرر منه قدر الإمكان. كان مثاله الأعلى هو الرفاه، لا العمل. وإذا كان أولى ذاك القدر من الاهتمام للاقتصاد فمن أجل تقليص سطوته على البشرية. وكانت نزعته المادية قابلة للتوافق كلياً مع أرقى القناعات الأخلاقية والروحانية. كال الكثير من المديح للطبقة الوسطى، ورأى في الاشتراكية على أنها وريث لكبار مواريث الحرية والحقوق المدنية والرفاه المادي. أما آراؤه عن الطبيعة والبيئة فكانت متقدمة بأشواط مذهلة قياساً لعصره. ولم يكن لنصير حقوق النساء والسلام العالمي والنضال ضد الفاشية أو النضال من أجل التحرر الوطني أن يكون أكثر حماسةً من الحركة السياسية التي تولدت بوحيٍ من مؤلفاته.
فمن يُكذب مفكراً كهذا ؟.”
2022-05-07