14 تموز في ذاكرة العراقيين: بين الحلم والخذلان!
بقلم: البروفيسور وليد الحيالي
في تاريخ الأمم محطات كبرى تظل محفورة في وجدان شعوبها، تتوارثها الأجيال روايات متضاربة بين المجد والخذلان، بين الحلم والدماء. ولعل 14 تموز 1958 في العراق من أكثر تلك المحطات إثارة للجدل وأشدها تأثيرًا في مسار الدولة والمجتمع. ففي فجر ذلك اليوم، أُسقط النظام الملكي الهاشمي في بغداد، وأُعلنت الجمهورية العراقية الأولى بقيادة اللواء عبد الكريم قاسم والعقيد عبد السلام عارف.
لكن، هل كان ما جرى ثورة شعبية حقيقية؟ أم انقلابًا عسكريًا حمل في طياته بذور الصراعات القادمة؟ وهل تحققت أحلام العراقيين بالحرية والعدالة والمساواة، أم انقلب الحلم كابوسًا؟
الخلفية التاريخية: عراق ما قبل 14 تموز
كان العراق في خمسينيات القرن العشرين مملكة دستورية تحت وصاية الأسرة الهاشمية، منذ تأسيسها عام 1921 بدعم بريطاني. رغم الإنجازات الاقتصادية والعمرانية الكبيرة نسبيًا في العهد الملكي، كان هناك شعور متنامٍ بالاستياء لدى الطبقات الفقيرة والوسطى، بسبب الفجوة الطبقية الواسعة، وهيمنة النخب الإقطاعية والعشائرية، والنفوذ البريطاني الواضح في شؤون الدولة.
تفاقمت الأزمات مع انضمام العراق إلى حلف بغداد عام 1955، في ظل المد القومي واليساري في المنطقة، وتصاعد الصراع العربي–الإسرائيلي. وكان لاندلاع ثورة 23 يوليو في مصر بقيادة عبد الناصر أثر عميق في إذكاء الوعي القومي لدى الضباط والشباب.
فجر التغيير: أحداث 14 تموز
في فجر الرابع عشر من تموز عام 1958، تحركت وحدات من الجيش من معسكراتها في ديالى باتجاه بغداد، بقيادة عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف. اقتحمت القوات القصر الملكي وأعدمت الملك فيصل الثاني ووصيه الأمير عبد الإله ورئيس الوزراء نوري السعيد. وأعلن البيان الأول للثورة قيام الجمهورية العراقية وإلغاء الملكية.
كان المشهد في بغداد صاخبًا: جموع غفيرة ملأت الشوارع تهتف للجمهورية، وصور عبد الكريم قاسم تتصدر الجدران. الفلاحون والفقراء تنفسوا الصعداء وهم يحلمون بإنصافهم بعد عقود من الحرمان.
الإنجازات المبكرة
في سنواته الأولى، حقق النظام الجمهوري بعض الإنجازات البارزة:
• إصدار قانون الإصلاح الزراعي لتوزيع الأراضي على الفلاحين.
• انسحاب العراق من حلف بغداد، وانتهاج سياسة حياد إيجابي.
• مشاريع عمرانية وصحية وتعليمية لتحسين أوضاع الطبقات الدنيا.
• الاعتراف بحقوق المرأة والمساواة.
الوجه الآخر: الدم والعنف
لكن الثورة حملت معها منذ اللحظة الأولى ممارسات عنيفة وغير إنسانية. فمشهد سحل جثة نوري السعيد في شوارع بغداد، وإعدام أفراد العائلة المالكة، ترك ندوبًا عميقة في الضمير العراقي. كما بدأت الصراعات بين القوى الوطنية المختلفة (القوميين والبعثيين والشيوعيين) تتحول إلى اقتتال دموي واضطهاد متبادل.
وتحول عبد الكريم قاسم نفسه إلى زعيم أوحد، محاط بدائرة ضيقة، مما مهّد لانقلاب آخر عليه عام 1963.
الإرث المتناقض
أحلام تحققت جزئيًا:
• لأول مرة شعر العراقيون أن السلطة ليست حكرًا على النخب التقليدية.
• تبلورت لديهم هوية وطنية أكثر استقلالًا.
لكن:
• بدأ مسلسل الانقلابات العسكرية والصراعات الدموية الذي استمر لعقود.
• لم ترسَ الدولة العراقية على نظام ديمقراطي مستقر.
بين الذاكرة والحاضر
اليوم، وبعد أكثر من ستة عقود، ما زال العراقيون يختلفون في تقييم 14 تموز:
• هناك من يراه عيدًا وطنيًا وثورة شعبية ضد الظلم والاستعمار.
• وهناك من يعتبره انقلابًا دمويًا فتح أبواب جهنم على العراق.
في الحالتين، لا يمكن إنكار أن ما جرى في 14 تموز غيّر وجه العراق إلى الأبد.
خاتمة: حلم معلق
ما زال العراقيون يبحثون عن حلمهم المؤجل في بناء دولة مدنية ديمقراطية، دولة تحترم إنسانهم وتكرم شهداء كل المراحل، من الملكية إلى الجمهوريات المتعاقبة.
ربما يكون درس 14 تموز الأهم هو أن الحرية والعدالة لا تصنعهما الانقلابات، وإنما الحوار، ودولة القانون، ومؤسسات ديمقراطية راسخة.
رحم الله شهداء العراق في كل العصور، وكتب لهذا الشعب الصابر فجرًا يليق بتضحياته.
2025-07-15
