1 أيار 1983 المكان قرية وطنية أسمها بشتآشان… احمد الناصري
كنا هناك… متنا هناك…
في الأول من أيار البعيد والمبتعد عن المشهد اليومي العام، حتى لضحاياه، كان العشب طرياً مبلل بالدم (سقط أبو يحيى في كمين غادر عند الفجر)، والهواء الجبلي لم يعد عليلاً ومنعشاً، فقد تلوث واختلط بالبارود والدخان والحرائق والغدر والخسة. صار هواءً خانقاً قاتلاً. الهمجية تزحف علينا من كل مكان وتريد أن تطوقنا. قاومنا وحاولنا ودافعنا من غير شروط ولا استعداد حقيقي، تهاوت المواقع تحت زحف وضغط غادر وعنيف بغرض القتل والغدر يرشدهم ويدفعهم الحقد فقط. الرصاص كثيف. كان هناك من لا يهمه هذا المصير وهذا الوضع…
مشهد ما بعد القتال والمعركة والموت. كل شيء يوشي بالوحشة والخراب ورائحة الدم تنتشر وتملأ المكان. المقرات الشجر عيون الماء الطريق الطويل نحو المجهول، كل شيء محترق ومدوخ…
من الأعال حيث لا ترى القعر، تركنا كل شيء هناك. أنه الانسحاب غير المنظم. الجثث لم تزل حارة في جوف الوديان… الجثث الصديقة متناثرة هناك يدور حولها الأوباش في رقصتهم الوحشية، رقصة العار.
في الاعال القصية، ومن قمة ذلك الزمن الطويل والبعيد عنا، أرى جثث الأصدقاء وقد تحولت إلى أشجار في قعر الوادي، تتجمع ليلاً كي تحكي قصتها وذهولها للأرض.
الآن ومن قمة الزمن العالية المنفصلة، من يرى ذاك الحدث الجلل؟ من يرى تلك الوجوه الصديقة وهي تموت دون سبب يذكر؟ المفارقة القاسية في حجم الخسائر كانت أننا نملك سلاح ولسنا عزلاً، لكن غياب قيادة تقدر وتعرف نوايا العدو، ومتى سيضرب؟ وأين سيضرب؟ ذلك هو النقص الفادح المزمن…
كيف حصلت تلك المحرقة لتتوالى الحرائق في بلاد المقابر، بهذه الطريقة وهذي السهولة؟
هل لأننا لم نتوقف كثيراً وطويلاً عند ذاك الحريق الرهيب فأنتقل ببساطة واشتعل في كل مساحة الوطن؟
كيف مرت المذبحة وعبرت بهذه الطريقة وهذي السهولة؟