يوم انتفضت الحجارة!
رنا علوان
إن هذا العصر اليهودي وَهمٌ سوف ينهارُ ، لو ملكنا اليقينا..
يا مجانين غزة ، ألف أهلاً بالمجانينَ ، إن هُمُ حَررونا..
إن عصر العقل السياسي ، ولى من زمانٍ ، فعلمونا الجنونا ..]( نزار قباني من قصيدة ، ثلاثية اطفال الحجارة )
في الثامن من ديسمبر/كانون الأول ، اندلعت أوسع انتفاضة شعبية ضد الاحتلال عام 1987 ، وجاءت هذه الانتفاضة بعد نحو 4 عقود على احتلال القسم الأول من فلسطين بعد النكبة عام 1948 ، خلّفت وراءها 1550 شهيدا ، ( وفق توثيق مركز المعلومات الفلسطيني “جهة حكومية” )، وجرح نحو 70 ألفا خلال انتفاضة الحجارة ، ونحو 40% من الجرحى بإعاقات دائمة ، 65% منهم يعانون من شلل دماغي أو نصفي أو علوي أو شلل في أحد الأطراف ، أو تعرضوا لبتر أطرافهم
وفي تفاصيل الاحداث ، انه في الثامن من ديسمبر/كانون الأول صدر البيان رقم “1” عن القوى الوطنية الفلسطينية محدداً أيامًا للتصعيد والإضراب الشامل تحت شعار “ليسقط الاحتلال، عاشت فلسطين حرة عربية”، وكانت للحدث أسبابه وتداعياته وانعكاساته الميدانية والسياسية
فقد شَكّل قيام جندي إسرائيلي بدهس مجموعة من العمال الفلسطينيين في قطاع غزة ( الشرارة ) التي اشعلت نار الغضب في صدور هذا الشعب الذي ملّ تجرع الظلم المتلاحق ، فبينما كانت حافلة تقل عمالاً وتستعد للتوقف على حاجز عسكري إسرائيلي داهمتها شاحنة عسكرية يقودها جندي إسرائيلي ، فاستشهد 4 عمال وجرح 7 آخرون
وفر سائق الشاحنة من الحاجز غير مبالٍ لفعله ، ما اثار غضب اهالي غزة أولاً ، ثم امتد إلى الضفة الغربية في اليوم التالي مع تشييع جثامين الشهداااء الأربعة
وقد هيجت هذه الانتفاضة مشاعر إحرار العالم ، ولكنها لم تهيج مشاعر القادة العرب في حينها الا بعد ثمانية أشهر من لهيب النار وصراخ الحجر بين ايادٍ هشة يافعة ، فعقدوا قمة الجزائر في يونيو 1988 ، حيث جاءت الانتفاضة كما الهبات الفلسطينية اللاحقة في وقت كادت فيه القضية الفلسطينية تسقط من الأجندة العربية ، إذ غاب الملف الفلسطيني عن طاولة القمة العربية الطارئة في العاصمة الأردنية يوم الثامن من نوفمبر/تشرين الثاني 1987 لصالح الحرب العراقية الإيرانية آنذاك
ولانه كان لا يزال في الوجه شيء من عرق وماء ، انعقدت قمة الجزائر ، وخرجوا بقرارات ملزمة تحفظ ما تبقى من ماء الوجه ، ولم يأُخذ منها الا بالقليلَ
اندلعت هذه الانتفاضة في ظروف سياسية صعبة مع تضييق الأنظمة على قيادة منظمة التحرير وتوقف العمليات عبر الحدود مع فلسطين وبعد سنوات من اجتياح لبنان عام 1982 وترحيل القيادة الفلسطينية إلى تونس
عمد الاحتلال الإسرائيلي في مواجهته لراشقي الحجارة ، الى استخدم الرصاص الحي والمطاطي والقنابل الغازية والصوتية ، وساعدته في ذلك طائراته المروحية لإخماد الانتفاضة
كما اعطى امر اسحاق رابين الذي كان وزيراً للجيش في تلك الأثناء ، الى اللجوء لسياسة “تكسير العظام” التي اتبعها الجنود بحق راشقي الحجارة ، كما امر بفرض حظر التجول على قرى ومدن تتصدر المواجهة ، وأغلاق المدارس والجامعات وملاحقة كل من يشتبه بمشاركته في الانتفاضة ، بالقتل والاعتقال حتى اكتظت السجون ومراكز التوقيف الإسرائيلية بالمعتقلين الذين فاق عددهم 200 ألف بين نهاية 1987 و1994
وكما بدأت ، سأختم مع( نزار قباني ، ثلاثية اطفال الحجارة )
يا تلاميذ غزة
علّمونا بعض ما عندكم ، فنحن نسينا..
علمونا بأن نكون رجالا
فلدينا الرجال صاروا عجينا..
علمونا كيف الحجارة تغدو
بين أيدي الأطفال ، ماسا ثمينا..
كيف تغدو دراجة الطفل لغما
وشريط الحرير ، يغدو كمينا..
كيف مصاصة الحليب إذا ما اعتقلوها ، تحولت سكينا
يا تلاميذ غزة
لا تبالوا ، بإذاعاتنا ، ولا تسمعونا..
اضربوا ، اضربوا بكل قواكم ، واحزموا أمركم ، ولا تسألونا..
نحن أهل الحساب ، والجمع ، والطرح ، فخوضوا حروبكم
، واتركونا..
إننا الهاربون ، من خدمة الجيش ،فهاتوا حبالكم ، واشنقونا..
نحن موتى ، لا يملكون ضريحا
ويتامى ، لا يملكون عيونا..
قد لزمنا جحورنا ، وطلبنا منكم ، أن تقاتلوا التنينا..
قد صغرنا أمامكم ألف قرن
وكبرتم خلال شهر قرونا
يا تلاميذ غزة
لا تعودوا لكتاباتنا ولا تقرؤونا..
نحن آباؤكم فلا تشبهونا..
نحن أصنامكم فلا تعبدونا..
نتعاطى القات السياسي والقمع ونبني مقابرا وسجونا.
حررونا من عقدة الخوف فينا واطردوا من رؤوسنا الأفيونا..
علمونا فن التشبث بالأرض ولا تتركوا المسيح حزينا.
يا أحباءنا الصغار سلاما ، جعل الله يومكم ياسمينا..
من شقوق الأرض الخراب طلعتم ، وزرعتم جراحنا ،نسرينا..
هذه ثورة الدفاتر والحبر ، فكونوا على الشفاه ، لحونا..
أمطرونا بطولة وشموخا ، واغسلونا من قبحنا
اغسلونا..
***
يرمي حجرا ، أو حجرين
يقطع أفعى إسرائيل إلى نصفين
يمضغ لحم الدبابات ويأتينا ، من غير يدين..
في لحظات تظهر أرض فوق الغيم ، ويولد وطن في العينين..
في لحظات تظهر حيفا
تظهر يافا
تأتي غزة في أمواج البحر
تضيء القدس
كمئذنة بين الشفتين..
يرسم فرسا من ياقوت الفجر ويدخل كالإسكندر ذي القرنين..
يخلع أبواب التاريخ
وينهي عصر الحشاشين ويقفل سوق القوادين
ويقطع أيدي المرتزقين ويلقي تركة أهل الكهف عن الكتفين..
في لحظات
تحبل أشجار الزيتون، يدر حليب في الثديين..
يرسم أرضا في طبريا ، يزرع فيها سنبلتين..
يرسم بيتا فوق الكرمل
يرسم أما تطحن عند الباب ،وفنجانين..
في لحظات تهجم رائحة الليمون ،ويولد وطن في العينين..
يرمي قمرا من عينيه السوداوين..
وقد يرمي قمرين..
يرمي قلما
يرمي كتبا
يرمي حبرا
يرمي صمغا
يرمي كراسات الرسم ، وفرشاة الألوان..
تصرخ مريم يا ولداه ، وتأخذه بين الأحضان..
يسقط ولد
في لحظات ، يولد آلاف الصبيان..
يكسف قمر غزاوي
في لحظات ، يطلع قمر من بيسان..
يدخل وطن للزنزانة
يولد وطن في العينين..
ينفض عن نعليه الرمل
ويدخل في مملكة الماء..
يفتح أفقا آخر
يبدع زمنا آخر
يكتب نصا آخر
يكسر ذاكرة الصحراء..
يقتل لغة مستهلكة
منذ الهمزة حتى الياء..
يفتح ثقبا في القاموس
ويعلن موت النحو
وموت قصائدنا العصماء..
يرمي حجرا
يبدأ وجه فلسطين
يتشكل مثل قصيدة شعر..
يرمي الحجر الثاني
تطفو عكا فوق الماء قصيدة شعر..
يرمي الحجر الثالث
تطلع رام الله بنفسجة من ليل القهر..
يرمي الحجر العاشر
حتى يظهر وجه الله
ويظهر نور الفجر..
يرمي حجر الثورة
حتى يسقط آخر فاشستي
من فاشست العصر..
يرمي
يرمي
يرمي
حتى يقلع نجمة داوود
بيديه
ويرميها في البحر..
تسأل عن الصحف الكبرى
أي نبي هذا القادم من كنعان؟
أي صبي
هذا الخارج من رحم الأحزان؟
أي نبات أسطوري
هذا الطالع من بين الجدران؟
أي نهور من ياقوت
فاضت من ورق القرآن؟
يسأل عنه العرافون
ويسأل عنه الصوفيون
ويسأل عنه البوذيون
ويسأل عنه ملوك الجان:
من هو الولد الطالع
مثل الخوخ الأحمر..
من شجر النسيان؟
من هو هذا الولد الطافش
من صور الأجداد
ومن كذب الأحفاد
ومن سروال بني قحطان؟
من هو هذا الباحث
عن أزهار الحب
وعن شمس الإنسان؟
ومن هو هذا الولد المشتعل العينين
كآلهة اليونان؟
يسأل عنه المضطهدون
ويسأل عنه المقموعون
ويسأل عنه المنفيون
وتسأل عنه عصافير خلف القضبان:
من هو هذا الآتي
من أوجاع الشمع
ومن كتب الرهبان؟
من هو هذا الولد
التبدأ في عينيه
بدايات الأكوان؟
من هو
هذا الولد الزارع
قمح الثورة
في كل مكان؟؟
يكتب عنه القصصيون
ويروي قصته الركبان:
من هو هذا الطفل الهارب من شلل الأطفال
ومن سوس الكلمات؟
من هو
هذا الطافش من مزبلة الصبر ، ومن لغة الأموات؟
تسأل صحف العالم:
كيف صبي مثل الوردة ، يمحو العالم بالممحاة؟
2022-12-09