الهيمنةالامريكية!
حـ.ـرب الجيل الخامس ،أسرار العجز عن التحرر من نفوذ واشنطن
الجزء التاسع عشر :
زينب مهدي*
من الجزء الأول و إلى السابع عشر ، تناولنا القيود الأمريكية التي كبلت العراق لتبقى تحت عـ.ـبوديتها عبر ١- تحكم البنك الفيدرالي الأمريكي على أموال العراق ٢- فرض العقـ.ـوبات الأمريكية على كل صوت ينادي بالتحرر بحجة عدم الإلتزام بمعايير الإمتثال ٣- تصـ.ـفية القادة و محاولات تفكيك المقـ.ـاومة من خلال حـ.ـرب الجيل الخامس .(جزء السادس عشر)
و في الجزء الثامن عشر ، قدمنا بعض الحلول الفورية و الإستراتيجية مثل (١-السيادة و التحرر المالي و ٢- تأمين الفضاء السيبراني)
لكن لماذا لم تتخذ الحكومات العراقية المتتالية أي خطوة للتحرر من أدوات الجيل الخامس ؟ لا تعود الإجابة إلى الجهل بهذه الحلول، بل لأن القائمين على الحكم العراقي يفضلون بمحض إرادتهم “الخضوع ثمناً لكراسي النفوذ” (ج.السابع عشر) .
مثلاً سنكشف زيف الشعارات الدبلوماسية في حكومة الزيدي :
١- الخدعة الأبرز في حـ.ـرب الجيل الخامس هي التنازل عن “المظهر” والتمسك بـ “الجوهر”.
أعلن الزيدي رسمياً التزامه بالجداول الزمنية لإنهاء مهمة التحالف الدولي في العراق. لكن في الحقيقة هو مجرد تغيير تسمية للقوات الأمريكية ضمن اتفاقيات أمنية ثنائية. هذا يعني بقاء الجـ.ـنود والطائرات والمنظومات الاستخبارية داخل القواعد العراقية . بالنسبة للمقـ.ـاومة، هذا “التفاف لفظي” يشرعن الاحتـ.ـلال ويمنع إخراجه قانونياً.
2.تسليم مفاصل الدولة للشركات الأمريكية الاحتكارية
السـ.ـلاح الاقتصادي في حـ.ـرب الجيل الخامس يُنفذ عبر الهيمنة التكنولوجية والخدمية. حكومة الزيدي تحركت مؤخراً لتعزيز هذا الجانب عبر صفقات كبرى تربط البنية التحتية الحيوية للعراق (النفط والكهرباء) بالشركات الأمريكية يعني إذا رغبت الحكومة العراقية مستقبلاً بالتمـ.ـرد، يكفي أن تسحب هذه الشركات مهندسيها أو توقف قطع الغيار لتصيب البلاد بالشلل، وهو ما يعتبره المعارضون إحكاماً كاملاً للقبضة الأمريكية.
٣- صولة الفجر : استغل الزيدي حملة “صولة الفجر” لتفكيك المقـ.ـاومة تحت غطاء مكافحة الفساد ( الجزء الرابع)
٤- حصر السـ.ـلاح بيد الدولة تحت شعارات براقة كالأمن و السيادة. فما هي السيادة إن اصبحت الدولة أداة تنفيذية خاضعة للأوامر الأمريكية و حماية مصالحها ؟ و كيف هو الأمان اذ غدت التهديدات أشرس و أمكر من ذي قبل ؟ و لماذا حصر سـ.ـلاح المقـ.ـاومة فقط دون غيرها من الجماعات المسـ.ـلحة ؟
خوض معـ.ـركة تحرر حقيقية تتطلب التضحية بالمكتسبات الشخصية والمنصب . أما الزيدي، كمن سبقوه، تحرك بعقلية “الموظف التنفيذي المهادن” وليس بعقلية “القائد الثوري المستقل حيث رأى بوابة البقاء في قصر الحكم في بغداد تمر عبر واشنطن فاختار المهادنة السياسية لتجنب الغضب الأمريكي و مقايضة المنصب مقابل التنازل عن السيادة
هناك تجربة حكومية واحدة في تاريخ العراق بعد عام 2003 حاول رئيس وزرائها بالفعل في اتخاذ خطوات عملية لكسر الاحتكار الأمريكي وتغليب مصلحة العراق الاستراتيجية دون الاكتراث بحسابات البقاء في السلطة، وهي حكومة عادل عبد المهدي (2018–2019).
ذهب إلى بكين ووقع “الاتفاقية الصينية” (النفط مقابل الإعمار). ثم توجه نحو ألمانيا ووقع اتفاقاً مبدئياً مع شركة سيمنز لتطوير قطاع الطاقة العراقي بالكامل وبكلفة أقل وبكفاءة أعلى من شركة جنرال إلكتريك الأمريكية كما رفض الانصياع الأمني والسياسي في المحاور الإقليمية عبر عدم الالتزام بالعقـ.ـوبات الأمريكية الأحادية على إيران، و فتح معبر القائم- البوكمال الحدودي مع سوريا.
عندما تيقنت واشنطن أن هذه الحكومة تعمل “لمصلحة العراق الحقيقية” دون الاهتمام بالخطوط الحمراء الأمريكية، جرى تفعيل ترسانة الجيل الخامس المتكاملة لإسـ.ـقاطها دون الحاجة لتحريك جـ.ـندي واحد عبر توجيه الشارع نحو رئيس الوزراء ومسار اتفاقياته الشرقية بالتزامن مع الضغط المالي والسياسي لتسقط حكومته و يعود العراق مجدداً إلى مربع التبعية الاقتصادية لشركات واشنطن وفيدراليتها المالية .
للتحرر من الهيمنة الأمريكية نحتاج الى :
١-كتلة وطنية موحدة تفصل بين التنافس السياسي الداخلي، وبين الملفات السيادية العليا
٢- التدرج الذكي و”المناورة تحت الرادار”
٣- تحالف تكنولوجي واقتصادي مع قوى موازية تمتلك مصلحة جيو-سياسية في إضعاف النفوذ الأمريكي بالمنطقة.
٤- تحصين الشارع عبر “بناء الوعي وإصلاح الخدمات”
٥- التأسيس التدريجي للسيادة النقدية عبر تنويع العملات و نظام المقاصة
إمكانية التحرر تظل قائمة دائماً، والتاريخ يثبت أن الشعوب قادرة على إنهاء غطرسة القوى العظمى . معـ.ـركة العراق القادمة ليست عسـ.ـكرية، بل هي معـ.ـركة وعي و إرادة وتنظيم مؤسساتي . عندما تظهر حركة وطنية تجمع بين “النزاهة في الداخل” و”الذكاء التكنولوجي والمالي في مواجهة الخارج”، ستتمكن من توفير المظلة الحقيقية لأي حكومة شجاعة تقرر وضع مصلحة العراق أولاً وأخيراً
يتبع
2026-09-01