يوميات كورونا …. أسعار النفط!
ابو زيزوم .
انخفضت أسعار النفط في غضون عدة ايّام الى ثلث قيمتها . وقع الانهيار عندما قررت السعودية زيادة الإنتاج بثلاثة ملايين برميل يوميا ، وحذت الإمارات حذوها بمليون إضافي . هذا في ما كانت الأسواق تعاني أصلا من تخمة بسبب تراجع الطلب الناتج عن انتشار الوباء وتوقف الفعاليات الاقتصادية في الدول الموبوءة . المنطق يفرض ان تخفض الدول النفطية إنتاجها للحفاظ على الأسعار فحصل العكس وأغرقت الأسواق بطريقة جنونية .
كان هناك مقترح من الاوبك بخفض مليون ونصف المليون من الإنتاج تساهم فيه روسيا ، لكن روسيا رفضت المشاركة في عملية الخفض فغضب محمد بن سلمان وقرر زيادة الإنتاج بهذا الشكل الجنوني نكاية بروسيا . هذا هو الظاهر من الإجراء . وفي الحقيقة يوجد سبب ثان سنوضحه في نهاية المنشور .
لا شك ان ابن سلمان مجبول على القرارات المتطرفة التي تدفعه الى فعل كل ما يستطيع فعله دفعة واحدة . فعندما يقرر مهاجمة طرف يلقي بجميع اسلحته الى الميدان في ليلة واحدة ولا يبقى عنده ما يفعله سوى الانتظار . وما زلنا نذكر قراراته ضد كندا وضد اليمن وضد قطر وحتى ضد لبنان عندما مُنع الخليجيون من السفر الى لبنان وأغلقت المكاتب الخليجية هناك وطولب المتواجدون هناك بالعودة الفورية . مشكلة ابن سلمان انه يتورط احيانا في مواجهة دول كبرى لا تدري به وبقراراته المرتجلة . فكندا لم تتأثر بتلك القرارات التي انصبت على آلاف الطلبة السعوديين والمرضى هناك . وكذلك روسيا التي لا يشكل النفط سوى %16 من ميزانها التجاري بينما يشكل %90 من الميزان التجاري للسعودية ذاتها . اي ان السعودية بهذا الإجراء المتهور تطلق النار على قدميها كما يقال . ومن المفارقات ان الرافد غير النفطي من الاقتصاد السعودي وهو عائدات العمرة متوقف أيضا بسبب كورونا .
العمل على خفض أسعار النفط مبدأ سعودي ثابت حتى في العهود التي كان يحكم البلاد شيوخ ذوو حكمة . فأثناء الحرب العراقية الإيرانية ورغم تراجع صادرات البلدين المتحاربين أغرقت السعودية الأسواق حتى صار برميل النفط في بعض الدول يباع بسعر الكلفة ، بمعنى انه يباع مجانا . لكن السعودية في تلك المرحلة لديها خزين من الاموال لا ينضب ، فكانت تضارب بالنفط سياسيا وهي مطمئنة الى استقرار ميزانيتها . اما الان فقد تبددت كل تلك الاموال نتيجة للعجز المتراكم في الميزانية والمتواصل منذ ست سنوات اضافة الى التكاليف الباهظة لحرب اليمن والأموال الخيالية التي تدفع لترامب . العجز الان 60 مليار دولاد على أساس سعر 60 دولارا للبرميل . بمعنى ان السعودية تحتاج ان تبيع بأكثر من 80 دولارا لتغطية العجز فإذا بها تبيع بأقل من 25 دولارا ولكم ان تتصوروا حجم الكارثة . وقررت امس خفض النفقات بقيمة 50 مليار ريال لمواجهة المشكلة وهذا المبلغ لا يحل المشكلة ولا يمثل شيئا .
الغضب تجاه بوتين ليس السبب الرئيسي الذي دفع ابن سلمان لخفض الأسعار بهذه الدرجة الخطيرة . السبب الرئيسي هو السعي لخدمة ترامب انتخابيا . فإبن سلمان وامام المشاكل الكبرى المحيطة به داخليا وخارجيا ربط مصيره بترامب شخصيا . فهناك جهات أمريكية نافذة تناصبه العداء ولولا الحماية التي يوفرها له ترامب لتردى في مأزق مهلك . يعتقد ابن سلمان ان خفض الأسعار بهذا الشكل يساهم في نجاح ترامب خلال الانتخابات القادمة . ولقد ظهر ترامب فعلا وعبر عن ابتهاجه بتدني الأسعار وما يدره على المواطن الامريكي العادي . وهنا تواجه ابن سلمان ومن ورائه ترامب مشكلة اخرى ، فخفض الأسعار يضر قطاعات أمريكية بقدر ما يخدم قطاعات . اول المتضررين هم الشركات النفطية الامريكية التي لا يجوز الاستهانة بها وخاصة المستثمرة في قطاع النفط الصخري ومن المؤكد انها ستتوقف عن الإنتاج اذا بقيت الأسعار هابطة . وهذا هو السبب الذي جعل بوتين يرفض تقليص الإنتاج . كان يريد خفض الأسعار بشكل معقول بحيث يخرج النفط الصخري الامريكي من السوق … واذا بإبن سلمان يهوي به الى الحضيض . والنقطة الاخرى التي تجعل من هذا التدهور ضاراً ببعض القطاعات الامريكية انه يحد من القدرة السعودية على الاستيراد وهو استيراد كان لشركات صناعة الأسلحة الامريكية نصيب الأسد منه . كما انه يضيق قدرة ابن سلمان في تقديم الاموال المباشرة لترامب قبيل الانتخابات والذي يبني عليه ترامب جزءا أساسياً في حملته الدعائية للفوز . اما النقطة الثالثة فهي سوء التوقيت . فالانتخابات الامريكية مازال يفصلنا عنها اكثر من سبعة اشهر ، وعليه فإن السعودية ستخسر مئة مليار دولار على الأقل حتى ذلك الحين كما ستواجه ضغوطا هائلة داخلية وخارجية بسبب هذه السياسة الرعناء .
عندما اتخذ ابن سلمان قراراته الحماسية ضد كندا بسبب تغريدة كان يعتقد وبسبب عقله المتخلف انه سينال رضى ترامب لأن العلاقة التجارية بين الولايات المتحدة وكندا كانت تمر بأزمة في تلك الأيام . لكن ترامب لم يشكر ابن سلمان على ما فعل وتجاهل الموضوع برمته . كذلك الان فقد سمعت قبل قليل ان ترامب سيطلب من ابن سلمان التراجع عن قرار زيادة الانتاج . وما ان تلتقط روسيا هذه الإشارة حتى تتغطرس عليه وتتمسك بموقفها لإجباره على تقديم التنازلات منفردا .
من اهم نقاط ضعف ابن سلمان السياسية عدم القدرة على التراجع حتى عندما يقتنع تماما بأنه يسير باتجاه خاطىء . وطبعا يفهم السياسيون في العالم هذه الخصلة ويأخذونها في الحسبان . انه بذلك يوفر عليهم نصف الحسابات السياسية . لقد اقتنع تماما بخطل حرب اليمن ومحاصرة قطر على سبيل المثال ومع ذلك تراه عاجزا عن اتخاذ قرار التراجع . فإذا قررت الدول النفطية الاخرى ابقاء الحال على ما هو عليه او عجزت عن ايجاد حل لموضوع الأسعار تكون السعودية كمن ربط نفسه بيده . فجميع الدول النفطية الاخرى لديها بدائل اكثر من السعودية ولديها قدرة تحمّل للظروف الاسوأ . الكل متضرر لكن السعودية وبما هي عليه من وضع داخلي متوتر تجد صعوبة بالغة في العجز عن سداد الرواتب لشهر او شهرين كما قد تفعل دول اخرى دون حرج . اما تسييل الأصول المالية او سحبها وهو ما يعول عليه ابن سلمان كحل احتياطي فمسألة بالغة الصعوبة وهو يدرك ذلك جيدا . معظم تلك الأصول موجودة في الولايات المتحدة ، والولايات المتحدة وفي اكثر اداراتها اعتدالا لم تتعامل مع ارصدة العرب الا كودائع خاضعة للحجز . اما في عهد تاجر العقارات ترامب فإن تلك الممتلكات ستصفى بطريقة البيوت المرهونة عندما يحين وقت السداد .
لذا اعتقد ان منتجي النفط وفي مقدمتهم السعودية يبحثون الان وبشكل حثيث عن حل .
( ابو زيزوم _ 817 )
2020-03-20