يقول المثل: الموت مُرْ والهروب فضيحة .. ولكن!
هاني عرفات
هل الموافقة على خطة طرامب ، كما وردت ، تعني بالضرورة كلفة أقل على الفلسطينيين؟
بداية يجب التأكيد على أن الإجرام الصهيوني ، بحق الفلسطينيين في قطاع غزة، لم يسبق له مثيل، ليس من الضروري أن تكون فلسطينياً أو عربياً ، لينفطر قلبك وأنت تشاهد فصول هذه المأساة ، فما بالك إذا كنت تكتوي بنارها كل لحظة وكل يوم ، على مدار عامين بالتمام والكمال.
كما أنه، ليس من السهل الكتابة، وإسداء النصائح ، أمام هذه المأساة ، وأمام هذه الدماء الغزيرة ، والمعاناة المتواصلة، لكن الواجب الأخلاقي، أمام كارثة بهذا الحجم ، يوجب لفت الانتباه، إلى محاذير ، إن لم يتنبه لها القوم ،قد تؤدي في محاولة لدرء الكارثة، إلى كارثة أكبر منها وأعم.
لن أعلل رأيي هذا، بالادعاء بحصول حكومة نتنياهو الفاشية، على كل أهداف العدوان، من خلال الخطة المعدلة التي قدمت لحماس، بالمناسبة كل ما يقوله المحللون السياسيون، في (محطات العار) وليس الاخبار العربية ، عن تجهم وجه نتنياهو في المؤتمر الصحفي، وأنه أرغم على الاتفاق ، هو هراء في هراء. ٦٠٪ من أنصار معسكر نتنياهو يؤيدون الخطة. هذه هي خطة اسرائيلية بامتياز و كاملة الدسم، وهي تحقق لدولة الاحتلال كل ما أرادت و طمحت إليه، بما في ذلك التهجير، نعم التهجير الحقيقي ، الذي يعلل الموافقون موافقتهم بالخوف من حصوله.
وحتى لا يظن أحداً الظنون، فإنني على قناعةٍ تامة، بأن التهجير هو حلم كل صهيوني، والتهجير هو المشروع الحقيقي ومن وقف عائقاً أمام هذا الحلم حتى الان ، هم هؤلاء السبعة ملايين فلسطيني ونيف ، الذين صمدوا حتى اليوم رغم كل شئ ، ما بين النهر والبحر.
الخطة المقدمة، تسحب كل شئ من يد الفلسطينيين، بما فيها إدارة حياتهم اليومية، هي تجعل من غزة ، منطقة خارج القوانين والنظم، و تضع التصرف كله في يد طرامب ، ومجموعة منتقاة بعناية طرامبية من أصدقاء إسرائيل.
إسرائيل قامت بتدمير غزة بالكامل، وأصبحت غير قابلة للحياة الانسانية، و سوف يعمل كل هؤلاء وبمساعدة إسرائيل ، في ظل غياب قانون حاكم للسلطة القادمة، واستثناء الفلسطينيين منها، ليس فقط التصرف كما يحلو لهم ، بل على تنفيذ (التهجير الطوعي) من خلال الترهيب والترغيب، بهدوء و دون ضجيج.
علينا أن لا ننسى أيضاً ، أن الجائزة الكبرى للحلم الصهيوني ، هي الضفة ، التي بلغ عدد المهجرين فيها اليوم ، أكثر من أربعين ألفاً ، صحيح أن هذا التهجير ، يتم داخل الضفة نفسها ، لكن هذه مجرد بداية ، ناهيك عن آلاف البوابات الحديدية ، التي صارت واقعاً قائماً في كل الضفة ، و إطلاق يد قطعان المستعمرين، لتنهب وتسلب و تعتدي.
علينا أن نسأل أنفسنا، لماذا اليوم يتقدم طرامب بخطته هذه؟
بالتأكيد ليس بسبب قادة العرب والمسلمين. إذا كان هذا صحيحاً ، فلماذا لم يفعلوها من قبل؟
صحيح أن وضع القوى الفلسطينية في غزة ليس على ما يرام، لكن لو كان هذا السبب أيضاً ، لأستغل نتنياهو وصديقه الكبير هذا الوضع، وأكملوا المهمة القذرة حتى النهاية.
السبب الحقيقي لذلك، هي هذه الثورة العالمية، التي بدأت تطيح، بأسطورة الضحية التي جرعتها إسرائيل للعالم بالملعقة، إسرائيل الآن مطاردة في كل مكان، وقريباً سوف تكون مقاطعة في كل مكان أيضاً، لم تعد اميركا قادرة بكل ثقلها ، عن أن تمنع ذلك، حتى في داخل أمريكا نفسها ، وداخل المعسكر الصهيوني نفسه. هذا طبعاً ما كان ليتأتى ، لولا التضحيات الهائلة ، التي تفوق التصور في غزة.
هناك شئ مهم ، لا يجب أن يغيب عن بالنا أبداً، هو أن الخطة كما ذكرت، لا تتحدث عن ماهية القوانين ، التي ستكون سارية المفعول في غزة، ولا تتحدث عن صلاحيات المجلس الحاكم ، الذي ربما يقوم بتسهيل بيع اراضي في غزة، لشركات صهيونية، مستغلين في ذلك ، الوضع الاقتصادي الصعب لأهل غزة.
وحتى هذا ، ليس أسوأ ما في الأمر، في حال سيطرة هذا المجلس على الوضع في غزة، بما فيه الوضع الأمني، ما الذي سوف يمنع حصول عمليات تصفية وانتقام، و الدفع باتجاه حرب اهلية، بين ابناء الشعب الواحد، وقد رأينا ما فعلت عصابات المرتزقة. وما جرى في خانيونس اليوم ، مؤشر إلى أين من الممكن أن تتجه الأمور.
ختاماً ، في ظل هذا التكالب والإجرام والتخاذل، لا بد من السعي لوقف المقتلة الآن وليس غداً، ولكن ليس إلى حد الاندفاع إلى التهلكة.
لنكن واقعيين، لا حماس ولا السلطة ولا م ت ف ، يمكنهم الوقوف في وجه أميركا والقول لا ، دون تحمل نتائج قد تكون كارثية، لكن يمكنهم أن يعملوا معاً ، بالضغط العلني على دول الثمانية، لكي تقوم هذه بدورها بمطالبة طرامب بتعديل الخطة ، بدل أن تكون غطاءً لنتنياهو كما أراد لها طرامب، لكي تتضمن بنوداً تحول دون كارثة أكبر. و ربما من المفيد نزع ورقة المحتجزين من يد طرامب و نتنياهو ، بالاعلان عن الموافقة على عملية التبادل، اعتقد أن المحتجزين لم يعودا يشكلون أي حماية ، بل ربما عبئاً وأيضاً من المفضل أن يترافق ذلك ، مع التوجه لدول العالم الصديقة ، لتقوم أيضاً بدور مساند أيضاً .
2025-10-05