يا ما ورا الساهي دواهي!
ابو زيزوم الغري.
حق له الان ان يجلس مستريحاً مثل رحالة بلغ المحطة الاخيرة . لقد أصبح مديراً عاماً وذاك منتهى أمله . تغلب بدهاء على مكائد كثيرة واعتراضات وطعون ، وابتسم له الحظ اخيراً فصدر الامر الوزاري ، ودخل الدائرة التي سيكون سيدها الأوحد دخول الفاتحين تحف به كوكبة من الحراس والاتباع . واتخذ اول قراراته اثناء مروره بغرفة الاستعلامات دون ان يتوقف او حتى يلتفت . أمر بمعاقبة موظفي الاستعلامات لأنهم لم ينهضوا إجلالا لمقدمه . ومع انه لم يتوقف فإن خبر العقوبة الجماعية سبقه بسرعة البرق الى ارجاء الدائرة ، فوقف مدراء الأقسام مسمرين على الأبواب للترحيب به وهو يجتاز الممر الطويل وقد خيم على المكان سكون شامل لا يخرقه الا وقع أقدامه الشديد على البلاط .
دخل الغرفة الفخمة عابساً ، ورفض استقبال كبار الموظفين الذين يرومون تهنئته ، واستبدل مدير مكتبه الذي لا يعرفه بآخر لا يعرفه لا لشيء سوى إشعار الجميع بأن الأمور اختلفت وأن مديراً صارما ً أتى . ولنفس الغرض اجرى تنقلات عشوائية بين الأقسام . ثم استدعى مدير الحسابات .
دخل كهل نحيل غائر العينين ترتعد فرائصه كأنه يدخل على ملك الموت . لم يأذن له بالجلوس وانما لبث يتفرسه بنظرات ثاقبة لدقيقتين قبل ان يقول له بحزم : أنا جئت لأسرق .. فهمت ؟ جئت لأسرق .. وعليك ان تبوّب سرقاتي بصورة قانونية !.
إضطرب المحاسب من هول ما سمع فكاد ان يسقط على الارض ، واصفر وجهه وجحظت عيناه . فمن غير المعقول ان يبدأ مدير جديد عهده بهذه الصراحة الخطرة !. فللسرقات عندنا كما للزيجات طقوس متدرجة ليس بينها هذا الأسلوب الفج .
لقد تجرع هذا المدير الجديد العوز في حياته غصصاً ، وتعفف خلال مسيرته المهنية عن كثير من الصغائر التي عرضت له في الطريق ، مكرساً جهده واهتمامه للنجاح الاداري . وكان يتقدم بثبات في المسلك الوظيفي حتى كلل تاريخه الحافل بتسنم هذا الموقع السامي الذي لم تبلغه طموحاته حتى في الأحلام . وحان له ان يسرق كما يسرق غيره ، فهو ليس ملاكا وسط هذا الماخور المتلاطم . يريد ان يهتبل الفرصة التي لن يجود بها الدهر مرتين . فليخطف كل ما تبلغه يده وعندما يُنتزع منه المنصب غدا او بعد غد لا يمضّه الأسف على شيء . ولا وقت أمامه او مزاج كي يبدده في التمهيد مع هذا المحاسب الذي يراه للمرة الاولى . فالبهلول تعامل قبله بهذه الطريقة وكان مصيبا .
وقال المحاسب متلعثماً : يا أستاذ المسألة ليست بهذه البساطة .. فالقانون وهيئة النزاهة والموظفون .. ولم يدعه المدير يكمل وقاطعه : أين النزاهة والقانون من كل هؤلاء اللصوص ؟ أجبني فقط هل انت مستعد لتنفيذ ما أريد ام نستبدلك بآخر ؟. وأردف يشجعه على القبول : ولا تنس اني انا الذي أوقع على المستندات المالية .
لم يترك للرجل المرتبك بديلا عن الإجابة بنعم او لا . وأخيراً وافق المحاسب بعدما ضمن حصة من الغنيمة تعادل من البعير أذنه . وراح يوزع الاموال على الورق حسب القانون ويتناوشها خارج القانون . والمدير يتفحص المستندات التي يضعها المحاسب بين يديه في الساعة الاخيرة من الدوام ليتأكد من سلامة الإجراءات قبل ان يضع توقيعه عليها . وفي الليل تأتيه رزم النقود الى البيت بتكتم شديد ، فيشعر أحيانا بأنه يظلم هذا الموظف الطاعن في العمل والخبرة ، ويعيد له جزءاً قليلا من المبالغ التي جاء يحملها . فيتلقفها الرجل بامتنان ويمضي مغتبطاً .
وهكذا اشترى المدير في الشهر الاول سيارة بستة عشر ألف دولار
وفي الشهر الثاني اشترى قطعة ارض في بغداد بثمانية وعشرين الف دولار
وفي الشهر الثالث اشترى شقة في أربيل بسبعة واربعين الف دولار
وفي الشهر الرابع اشترى أسهماً في شركة مرموقة بستين الف دولار
وفي الشهر الخامس اشترى المحاسب عمارة في دبي بثلاثة ملايين دولار !!
فضرب المدير كفاً بكف عندما علم بالخبر ، وكان المحاسب يكمل معاملة التقاعد بينما يتلقى المدير بلاغ استدعاء من محكمة النزاهة .
( ابو زيزوم _ 721 )
2019-10-14