وتبقى الشّام شعلة النّار في ليلِ العرب!
نصار إبراهيم
يقولون إن للمدن أسرارها وطريقتها في الغواية. ودمشق، كما حلب، كما الشام لها قدرة مدهشة على الجذب والبقاء والنهوض والعناد والحياة، تقودني من يدي وأمشي لأكتشف أول الوعي.
لدمشق، كما حلب آياتها المعجزة. أحياؤها القديمة. قلعتها الراسخة. أبوابها البهية. بيوتها، نوافذها، أسواقها، مقاهيها، مطاعمها، حدائقها مساجدها، كنائسها، تكاياها، وجسور تنقل الفكرة بين ضفتي بردى كنبض القلب وأبعد.
لدمشق، كما حلب، رائحة الشرق الأشهى، دافئة وقريبة. تأخذك مغمض العينين إلى حاراتها وأزقتها وهدوئها وهيبتها، وأيضا إلى عفويتها وروحها المقاومة.
للوقت في دمشق كما حلب تجلٍّ مختلف: في النهار تشتعل بناسها والقادمين إليها فتفتح أبوابها لتصهر الجميع وتعجنهم كأغمار القمح ليولدوا من جديد . ومع أول المغيب تعود العصافير إلى أعشاشها بقصفة ياسمين وتغفو حتى الصباح.
تراتيل الفجر موعد نهوض الحمام، يصعد صباحا، يطير إلى ذرى قاسيون في الأعالي ويلقي علينا تحية القيامة.
وبعدُ: دمشق كما حلب، مدينة المدائن معشوقة لا يناسبها الإلتباس أو الحيادي أو الباهت أو بين بين، فإما معها أو عليها.
أما أنا، الفلسطيني الرّاكض وراء وعد الحرية، حين يرهقني الركض، وتصبح فسحة الأمل أضيق من أن تُرى، حين يحاصرني الحصار من قريبٍ وبعيد. حين أقف كمحارب وحيد، في تلك اللحظة الصعبة، حين أجيل النظر بحثا عن كتف أستند إليه وعليه، فلا أجد سوى دمشق تتقدم وتعلن: قف ها أنذا، تخفّف من أحزانك وانهض، فدمشق لا تترك نصف قلبها ولا تنسى!
لكل هذا وأبعد، ستبقى دمشق، وتبقى حلب تراقص الياسمين تعلّمنا معنى الإنسان المزنّّر بالكرامة، تقدِّم لنا أجمل ما قيل في الحب وهديل الحمام وإرادة الحياة التي لا تُردّ.
لكل هذا وأبعد، رغم الموت والدمار العظيم، رغم الحصار والعقوبات والنفاق والعنصرية والكراهية، ستبقى دمشق وتبقى حلب، لتبقى الشام شعلة النّارفي ليل العرب.
2023-02-10