وانتصر الخباز المُثقف!

رنا علوان
بعد 86 يومًا في معركة متواصلة ، لم يستخدم فيها سوى أمعائه الخاوية ، وإرادته الحرّة النابعة من إيمانه العميق بالحق ومصداقيّة قضيّته
لقد انتصر وفاز بما هو أهم من الحياة والحرية فيها ، لقد فاز منذ أن باع نفسه لله عز وجل والعزيز بدوره اشترى ، وهذا بلا شك هو الفوز العظيم
“ياخضر ويابطل اسمك هز المعتقل”
بهذه العبارة هتف نجل البطل خضر عدنان من امام المستشفى البارحة
خضر عدنان ( 44 ربيعًا ) من عرابة/ جنين، أضرب عن الطعام ( لمدة 86 ) يومًا رفضًا لاعتقاله ، والذي شرع به منذ الخامس من شباط / فبراير الماضي
مبكرًا ، بدأ خضر عدنان حياته السياسية منتميًا إلى حركة الجهاد الإسلامي
وكان أول اعتقال له من السلطة الفلسطينية بتهمة التحريض على رشق رئيس الوزراء الفرنسي ليونيل جوسبان بالحجارة لدى زيارته جامعة بيرزيت عام 1998
أمضى حينها في الاعتقال 10 أيام مضربًا عن الطعام
ولد خضر عدنان موسى في 24 آذار/مارس 1978 في بلدة عرابة في جنين
أنهى مرحلتي الدراسة الأساسية والثانوية العامة في مسقط رأسه عرابة ، وحاز في المرحلة الثانوية تقدير جيد جدًا عام 1996 ، والتحق بجامعة بيرزيت في مدينة رام الله ، حيث نال في عام 2001 على درجة البكالوريوس في الرياضيات الاقتصادية ، [ من ثمّ التحق ببرنامج الماجستير في تخصص الاقتصاد في الجامعة نفسها] ، وبسبب ما يعانيه هذا الشعب الجبار من انعدام الفرص ، افتتح مخبزًا خاصًا به في بلدته ، ليصبح الخباز المُثقف والمناضل
قبل استشهاد البطل وصل إلى مرحلة في غاية الخطورة ، وكان مُعرض للاستشهاد في أية لحظة ، وذلك لأن سلطات الاحتلال بغطرستها رفضت التعاطي مع مطلبه ، فأخذت رفيقة دربه جاهدةً على إيصال صوته أينما تمكنت الا أنها كانت اسمعت من هو حي ، ولكن لا حياة لمن تنادي
رفض البطل الصابر عدنان أخذ المدعمات ، أو أي نوع من انواع العلاج ، وكذلك إجراء الفحوص الطبيّة
ووفقًا لآخر زيارة جرت للبطل عدنان ، فإن إدارة سجون الاحتلال الإسرائيلي كانت تواصل احتجازه في ما تسمى (بعيادة سجن الرملة) في زنزانة مزودة بالكاميرات
وكان يتعمد السّجانون اقتحام زنزانته بشكل متكرر ، علمًا أنّ البطل العنيد ، ومنذ اعتقاله وشروعه بالإضراب تعرض لضغوط كبيرة جدًا ، إلى جانب جملة من عمليات التّنكيل الممنهجة ، التي واجهها خلال احتجازه في زنازين معتقل (الجلمة) على مدار نحو شهر
كما تعمدت إدارة السّجون منذ أكثر من عامين وفي ضوء المتابعة ، على تعمد المماطلة في نقل البطل المضرب عن الطعام إلى المستشفى ، وحتّى بعد وصوله إلى مرحلة متقدمة من الخطر ، وذلك بهدف التسبب له بأمراض مزمنة يصعب علاجها ومواجهتها لاحقًا
فاز الأسير البطل خضر عدنان بنيله الشهادة ، عن عمر يناهز 44 عاماً بعدما خاض معركة إضراب عن الطعام استمرت 86 يوماً رفضاً لاعتقاله ، في زنزانة ضيقة في مستشفى الرملة ، بعد أن رقد فيها بحالة صحية صعبة جدًا ، وفازت رفيقة دربه المخلصة التي كانت تنتقل خلال تلك الفترة من محافظة إلى أخرى ، ومن فعالية إلى لقاء ، ومن إذاعة إلى تلفزة أو أي وسيلة إعلام ، لتسلط الضوء على معاناة زوجها البطل ، وتنقل إلى الرأي العام تطورات إضرابه
وأصبحت اليوم تحمل مسؤولية ثمارهما الأطفال التسعة (5 ذكور و4 إناث، أكبرهم 14 عاماً، وأصغرهم أقل من عامين) لوحدها بعد أن أصبحوا أيتام ، واصبحت هي من المحتسبين الصابرين ، اصحاب الحظ العظيم
وقد نشر نادي الأسير الفلسطيني وصية الشيخ خضر عدنان التي كتبها في اليوم الـ58 لإضرابه عن الطعام ، أي في الثاني من إبريل/نيسان ، من زنزانته في سجن الرملة
وجاء فيها “أما وقد اقتربت النفس من الشهادة فحق علينا أنّ نكتب وصيتنا. الحمد لله رب العالمين أنّ وفقني للإضراب عن الطعام للحرية … أبعث لكم بكلماتي هذه وقد ذاب شحمي ولحمي ونخر عظمي وضعفت قواي من سجني في الرملة الحبيبة الفلسطينية الأصيلة ، وصيتي هذه لأهلي وأبنائي وزوجتي وشعبي”
[إذا كانت شهادتي فلا تسمحوا للمحتل بتشريح جسدي ، وادفنوني قرب والدي ، واكتبوا على قبري هنا عبد الله الفقير خضر عدنان ، دعواتكم له ولوالديه والمسلمين بالرحمات واجعلوه قبراً بسيطًا ، واطلبوا من الله لي المغفرة والرحمة]
وقال موجهًا حديثه لعائلته : أم عبد الرحمن والأولاد معالي وبيسان وعبد الرحمن ومحمد وعلي وحمزة ومريم وعمر وزينب سامحوني ، وإخوتي أبو عدنان وأبو أنس وأم نور وكل الأخوال والأعمام والأقارب سامحوني على أي تقصير في جنبكم وأنا أغادر هذه الحياة الدنيا ، ولكن تأكدوا من أنني ما شُغلت عنكم بإذن الله إلا الواجب”
وختم بالقول : يا شعبنا الأبيّ ، أبعث لك هذه الوصية تحية ومحبة، وكلي ثقة برحمته تعالى ونصره وتمكينه، هذه أرض الله ولنا فيها وعد منه إنه وعد الآخرة ، لا تيأسوا فمهما فعل المحتلون وتطاولوا في احتلالهم وظلمهم وغيهم فنصر الله قريب، ووعده لعباده بالنصر والتمكين أقرب
دعواتكم أن يتقبلني الله شهيداً مخلصاً لوجهه الكريم”
ختامًا ، هنيئًا لفلسطين بأبنائها ، فكلما زفة شهيد ، كلما علت مكانتها عند الرحمان اكثر فاكثر ، وكلما ارتوت ارضها واحتضنت الشهداء كلما اقترب موعد ربيع الحرية ، الذي سوف تزهر الارض معه اقحوانها الاحمر الفواح ، [ وما النصر سوى صبر ساعة ]