هم لا يفهموننا، فكيف سيبقون؟
عبد الرحمن جاسم
“حان وقت الإنفجار، وعلى السيف قمر؛
وطني ليس جدار، وأنا لستُ حجر”.
محمود درويش (شاعر فلسطيني)
لطالما قرأنا في الكتب والدراسات لمحللين وكتاب كبار مراراً وتكراراً عن قوة العدو الصهيوني، وكيف أنّ لديه خبراءاً في كل شيء، حتى إن أحد المحللين الكبار أشار مرةً إلى أنّ الصهاينة يعرفون ماذا نأكل صباحاً، في كلٍ منزل على امتداد الوطن العربي بأكمله.
لطالما شغلتنا بأن الصهيوني لديه عيونٌ في كل مكان، وبأن المؤامرة تدور حولنا كيفما اتجهنا، حتى بات لدى الجميع قناعة بأنه حتى حينما يدخل إلى “حمامه” في فسحته الداخلية فهو مراقبٌ من قبل الصهاينة “الأذكياء” المتمكنين.
كان ذلك جزءاً من ثقافة “الهزيمة”، كان ذلك جزءاً من لعبة بروباغندا طويلة لا تنتهي: تبدأ بشراء ذمم أولئك الصحافيين، مروراً بإبهارهم بعملياتٍ أمنية “اعلامية”، وصولاً حتى إخافتهم وملاحقتهم بشكلٍ “مضحك”.
والهدف الصهيوني الدائم هو اشاعة الثقافة المدهشة في “الشعور الدائم بالضعف والهوان والصغر” نتيجةً لهزائم الأنظمة أمام الصهاينة.
اللافت ان العدو الاسرائيلي لم يكن وحده من ساهم في غرس هذه الثقافة . فقد ساندته انظمة عربية ارادت ان تبدو هزيمتها عاديةً ومحتملة، من خلال تحويل ذلك العدو إلى “وحش”، فاستغلت كتاباً كانوا يشعرون بأنهم “ضعفاء” (فضلاً عن توظيف عددٍ منهم لدى الأنظمة نفسها)، فكتبوا الرواية كما أرادها أصحابها: عدو صهيوني لا حدود لقوته، لا نستطيع نحن (أي كل الوطن العربي) أن نفعل شيئاً أمامه.
من يقرأ الصحف العبرية اليوم، وهو أمرٌ يسير مع توافرها على الشبكة العنكبوتية يمكنه وبسهولة إدراك أنَّ كل ذلك الكلام (والصحف والمجلدات من الكتب) لم يكن إلا وهماً مطلقاً. أبرزت الهبة الشعبية الفلسطينية الحالية خبايا المجتمع العبري إلى الواجهة وبكل وضوح.
لا يفهم هذا العدو عنا شيئاً، لا يعرف كيف نفكّر، لا يفهم كيف نعيش، والأبرز من ذلك لا يمكنه أبداً إدراك تلك “الرغبة العارمة في الموت” بحسب كلام أوري شاطي أحد المحللين النفسيين الصهاينة.
لايدرك شاطي أنَّ الفلسطينين لا يرغبون بالموت أبداً، بل بالعكس هم يرغبون بالحياة، لكنه أيضاً لا يمكنه أن يفهم لكونه بعيد عن المنطق العقلي الذي يفهمه الفلسطينيون خصوصاً، والعرب عموماً.
لا يفهم الاسرائيلي أننا أمام الظلم الشديد لايمكننا إلا أن نقاوم وحتى ولو فقدنا أرواحنا فإن المقاومة/الشهادة جزءٌ من ثقافتنا اليومية الحياتية منذ بدء وجودنا وحتى اليوم.
لايدرك الصهاينة أبداً عبر كل محلليهم الكثيرين (يذكر أن هناك أكثر من 40 محللاً صهيوينياً يعملون في المجال النفسي يكتبون وبشكلٍ يومي في المطبوعات الصهيونية ويظهرون على شاشات التلفزة العبرية لتحليل ظاهرة الشباب المشاركين في الهبّة الحالية).
حاول جدعون ليفي (كاتب صهيوني ومستشار شيمون بيريز في فترةٍ ما) أن يحلل الظاهرة من جهةٍ أخرى (عبر العديد من المقالات في صحيفة هآرتس العبرية)، فتناولها من جهة أننا “ظلمنا الفلسطينين كثيراً، وأنه من العار علينا أن نتوقع أنّهم سيتنازلون لنا عن كل شيء، وأنه من المنطق الطبيعي أن يثور الفلسطينيون وأن يهبوا، وأن كل هذا نتيجة الظلم الذي يحيق بهم”.
فيما تناول الكاتبين جلعاد تسفيك ونوعم بركات (في مقال مطوّل في صحيفة يديعوت العبرية) الظاهرة بحد ذاتها متحدثين عن “الجنون الذي يحدث والقصص التي وراء الإنتفاضة” مذكرين مجتمعهم بأنَّ العنف والعنصرية والقتل و”التوحش” هو الذي أوصل الفلسطينين إلى ما وصلوا عليه، مذكرين بقصة مهمة رواها أحد الضباط (شاهدها بأم العين، إن لم يكن مشاركاً بها) حينما دفع الجنود الصهاينة برجلٍ فلسطيني مسنٍ في يومٍ قائظ الحرارة إلى الصعود فوق سيارته والرقص والغناء للواء جولاني سيء الصيت والسمعة.
كل هذا لم يكن كافياً لدى كثيرين كي يفهموا ويدركوا بأن الصهاينة يتخبطون بشكلٍ فعلي في إدراك كيفية حركتنا وطريقة فهمنا.
اعتقد الصهاينة بأنه حينما يمنعنون الأسلحة النارية سينتهون من خطر الوجود الفلسطيني، وبأن مجرد كسر شوكة “العسكرة” الفلسطينية فذلك يعني بأن الروح الفلسطينية باتت أمراً منسياً، فكان اختراع الدهس بالسيارة، والطعن بالسكين، ولابد بأن هناك طرقاً أخرى “عاديةً” للغاية، متواجدة في أي مكان، وبريئة بشكلٍ واضح، ستصبح في لحظةٍ ما سلاحاً فعالاً قاتلاً.
من يدخل مواقع الإنترنت اليوم يمكنه وبسهولةٍ بالغة تحويل أشياء عاديةً ومتوافرة في كل المنازل إلى أسلحة “متفجرة” و”مؤذية” بشكلٍ حقيقي، فكيف إذا أراد شعبٌ بأكمله ذلك، دون أي خوفٍ أو وجلٍ من نتيجة ما سيحدث؟ هنا تصبح حياة هؤلاء المحتلين القادمين من خلف البحار “جحيماً” حقيقياً لا يطاق.
كم سيصمدون؟ ذلك سؤالٌ شديد الأهمية، كم سنصمد؟ هذا سؤال إجابته بسيطةٌ للغاية: نحن نصمد لأننا ببساطة أصحاب الأرض والحق، فكيف يغلب أصحاب الحق؟
قد يسود الظلم مدةً طويلةً من الزمن، قد يستمر ويعيش ويزدهر، لكنه في النهاية أمرٌ لا يمكنه الاستمرار الى ما لا نهاية .
يحاول الصهاينة عبثاً التصدي للهبة الحالية، والتي قد تنتهي بعد أيامٍ من الآن، لكن تلك ليست بمشكلةٍ أبداً، فالشعب الفلسطيني بات مدركاً لأهمية السلاح الذي يمتلكه تماماً: كسر حياة الصهاينة اليومية، كسر اقتصادهم، كسر معاشهم اليومي المعتاد، كل هذا قد يعتقده كثيرون عادياً، بسيطاً، لكنه ليس كذلك البتة، حيث يكفي مراقبة أوضاع الصهاينة الاقتصادية حتى نفهم –تماماً- حجم المشكلة في التعامل مع الهبّة الحالية.
قد تنتهي هذه الهبة، لكن هبةً أخرى ستأتي لا محالة، وستأتي بعدها انتفاضةٌ كاملةٌ شاملة، لن تبقِ أحداً لا من الصهاينة الأصليين ولا من صهاينة العرب!
2015-10-25
العهد