هل يمكن منع تحويل الأردن لساحة صراع؟
جمال الطاهات*
خطر تحويل الأردن لساحة صراع ليس جديداً. وهناك حوارات عبر عقود في الأردن للإجابة على سؤال كيف نمنع ونردع إسرائيل ونحبط مساعيها لتحويل الأردن إلى ساحة صراع؟ وخصوصاً أن الأردن لا يمكنه الاستمرار بالقيام بدور المنطقة العازلة، كما لا يمكنه أن يحافظ على مصالحه واستقراره من خلال تحوله إلى جسر توصيل تعبر عليه إسرائيل نحو الإقليم. وقد تمت صياغة استراتيجية متكاملة عام 2004، للإجابة على هذا السؤال، وعنوانها الردع الديناميكي أو الردع المزدوج، وقدمت للمستبد الفاسد كوثيقة وثمرة جهد بحثي في المؤسسة العسكرية الأردنية. ومضمون هذه الاستراتيجية الإجابة على سؤال كيف يمكن لدولة أن تردع جارة أكثر قوة منها، وتحمي نفسها من التحول لساحة صراع وتنافس إقليمي؟
وتنطلق هذه الاستراتيجية من أن إسرائيل وحدها، من بين كل دول الجوار العربي الأخرى، التي لها مصلحة واضحة في خيار تحويل الأردن لساحة صراع. وهناك مؤشرات واضحة على وجود نوايا إسرائيلية (بعضها يمكن تصنيفه كخطوات تمهيدية) لذلك. مما يستدعي تطوير استراتيجية وطنية مضادة تعتمد منظور استراتيجي متكامل لردع إسرائيل ومنعها من متابعة مثل هذا السيناريو المدمر. وخصوصاً أن اتفاقية وادي عربة لا يمكن الاعتماد عليها كضامن يمنع العدوانية الإسرائيلية تجاه الأردن.
أهم معيار لأي استراتيجية صحيحة وقابلة للنجاح لمنع تحويل الأردن لساحة صراع، هو أن تعتمد وسائل وطرق عمل هادئة (غير معلنة)، وذلك للحيلولة دون بروز هذا الخطر على سطح علاقات القوى الإقليمية، بحيث لا يمكن لأي قوة إقليمية (وبالذات إسرائيل) أن تعرف الإجراءات والترتيبات التي تعتمدها الحكومة الأردنية لمنع تحويل الأردن لساحة صراع. ففي اللحظة التي تتبدى للقوى الإقليمية احتمالية تحول الأردن لساحة صراع، فإن هذا من شأنه دفع الأطراف الإقليمية لخيارات تحقق هذا السيناريو. والإعلان الرسمي الأردني أنه لن يسمح بتحويل الأردن لساحة صراع يستدعي مثل هذا الخطر المأساوي، وربما يساهم بتحقيقه.
وفي خلفية هذه النقطة في استراتيجية الردع الديناميكي، تعريف لساحة الصراع والعوامل التي تحول دولة إلى ساحة صراع، وأهمها: سعي كل دولة من دول الجوار لمنع القوى الأخرى من تحويل (ساحة الصراع) إلى خندق متقدم لصالحها ضد القوى الأخرى. كل طرف إقليمي يلمس أو يعرف أن الأردن يسعى لمنع تحوله لساحة صراع، فإنه يقرأ ذلك بأن هناك ضرورة لهذا الطرف الإقليمي ان يقوم باتخاذ احتياطاته لمنع الأطراف الأخرى من تحقيق مكاسب استراتيجية في الأردن. وهذا من مفارقات علاقات القوى، حيث يحتفظ كل طرف بحرية تفسير سلوك الأطراف الأخرى. وهذه ظاهرة رصدها عبد الله بن المقفع في كتاب كليلة ودمنة قبل قرابة ألف عام، ووضحه في باب الأسد والثور.
أي إجراء دفاعي تتخذه أي قوة، يقرأ من قبل القوى الأخرى ذات العلاقة بأنه تهديد. وعليه فإن إعلان الحكومة الأردنية أن هناك خطر بتحويل الأردن إلى ساحة صراع (وهو إجراء دفاعي غبي وغير صحيح)، وأن هناك طرف إقليمي يسعى لذلك، سوف يُقرأ هذا التصريح من قبل الأطراف الإقليمية الأخرى بمثابة دعوة لها، للتقدم ومنع القوى المعادية لها من تحقيق مكاسب في الأردن، وبدء العمل لحماية مصالحها. وهذا سيمثل استفزاز للقوى الأخرى، ويدفعها لمزيد من الإجراءات، وتكون محصلة هذا التنافس تحويل الأردن لساحة صراع.
ببساطة تصريحات المستبد الفاسد وتنافخه، مع جوقة الطبالين المحيطين به، بأنه لن يسمح بتحويل الأردن لساحة صراع، سلوك فيه الكثير من الغباء والتفاهة، ولا يمكن له أن يصدر عن أي “هبيلة” يدبك في عرس. فهذا الإعلان قال لكل الأطراف بأن هناك طرف مشتبك بالصراع يسعى لتحويل الأردن لساحة صراع. وهذا سيقرأ من الأطراف الأخرى بمثابة دعوة لها، للتقدم نحو الأردن ومنع الأطراف الأخرى من تحقيق أي مكسب. وهذا يعني أن الأطراف الأخرى سوف تقوم بذات الخطوة لحماية مصالحها وأمنها، وهذا هو بالضبط تعريف ساحة الصراع أو ال (Intersecting land).
والنقطة الأخرى في استراتيجية الردع الديناميكي ضرورة أن يكون ميزان الاعتماد المتبادل مع كل دولة من دول الإقليم لصالح الأردن. وهذا يعني الحفاظ على أقل درجة ممكنة من الاعتماد على دول الجوار وبالذات إسرائيل، وعدم قبول عروضها، والسعي ما أمكن لتقليل الاعتماد عليها، من حيث هي القوة الإقليمية التي لها مصلحة واضحة في تحويل الأردن لساحة صراع. إذ أن زيادة اعتماد الأردن على إسرائيل، يقدم لها أدوات ابتزاز وضغط لتمرير إجراءات تمهيدية من شأنها (إذا تراكمت) تحويل الأردن لساحة صراع. وما قام به المستبد الفاسد هو العكس تماماً، حيث بدا بزيادة اعتماده على إسرائيل باتفاقيات المياه والطاقة والتجارة، وبدا بتقديم مسلسل التنازلات لها، وصولاً إلى ما نحن عليه الآن. كما أن ضبط ميزان الاعتماد المتبادل ضرورة لتجنب استفزاز أي طرف إقليمي.
وأحد أركان استراتيجية الردع الديناميكي هو بناء منظومة امنية دفاعية بمجالات متعددة يُخشى عدائها من كل الأطراف. وهذا يتحقق بالتكامل مع فكرة ميزان الاعتماد والتعاون المتبادل والحفاظ عليه لصالح الأردن. وكان المقترح أن يبادر الأردن بإنشاء منظومة أمن عربية للبحر الأحمر تستثني إسرائيل، وتكون منفتحة على مساهمات وتعاون دولي، وتتضمن إنشاء اقطاع اقتصادي جديد هو القطاع البحري من صيد ونقل. ولكن هذا المشروع تم اجهاضه وتصفيته، حين قام المستبد الفاسد ببيع اول سفينة في هذا المجال بعد فترة وجيزة من بدئها العمل.
أخيراً، فإن الإجابة على سؤال ما إذا كان ممكناً منع تحويل الأردن لساحة صراع هو نعم. بالرغم من كل الأخطاء وتقويض استراتيجية الردع الديناميكي، ما تزال الفرصة سانحة لمنع احتمال تحويل الأردن لساحة صراع. الكارثة التي تقترب من الأردن يمكن تلافيها ومنعها، عبر تبني الأردن لمنطق جديد للتحالف. بالتأكيد فإن مزيد من الحديث عن عدم موافقة المستبد الفاسد على تحويل الأردن لمنطقة عازلة ليس حلاً، ولكن ما زال الأردن يمتلك أوراق مناسبة لاستثمار توازن التهديد والسيولة الفائقة للتحالفات الإقليمية. فالشرق الأوسط هو أهم مختبر لفحص فكرة توازن التهديد، وفكرة المنظور غير المستقر للتحالفات حين يكون ميزان القوى الإقليمي متحرك. وهذا كله مرهون بشرط حاسم وهو، البدء بتصفية النفوذ الإسرائيلي في الأردن، وانهاء الخلل في ميزان الاعتماد المتبادل بين الأردن وإسرائيل. نجاح الأردن بهذه الخطوة سوف يخرجها من دائرة الاستهداف الإسرائيلي، ويطمئن كل الإقليم تجاه سلوك الأردن أمنياً ودفاعياً.
وللحديث بقية استجابة لطلب الصديق سعود العجارمة، لتوضيح الخيارات التي يمكن للحركة الوطنية الديمقراطية الأردنية اعتمادها لمنع تحويل الأردن لساحة صراع. فلا يمكن الاعتماد على المستبد الفاسد وعائلته لإنقاذ الأردن من الخطر المأساوي وتحويله لساحة صراع، فمثل هذا الخطر ما كان له أن يقترب لو كان في الأردن نظام حكم مختلف.
2024-10-28
